بنت صغيرة انجى الخطيب

ملك سابت الكورة وجت جرت عليا، قعدت جنب الكرسي وبصتلي بعيونها الصافية، وقالت عمو سامح؟
ابتسمت ونزلت لمستواها يا عيون عمو سامح.. فيه إيه؟
طلعت من جيبها منديل ورق قديم، هو نفس المنديل اللي كانت لفالي فيه نص رغيف العيش أول يوم اتلقينا فيه تحت المطر.
مدتلي المنديل وقالت بصوت هادي ومبتسم أنا شلت ده عشان يفكرني دايماً إن ربنا بيبعت العوض في أصعب الأوقات.. وإن نص الرغيف ده هو اللي جابلي أحسن بابا في الدنيا.
دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع فرح وراحة. ضميت ملك وياسين لصدري بقوة، وعرفت إن الرحلة القاسية دي كلها كانت عشان نتقابل، ونبقى عيلة واحدة متماسكة مش هيقدر أي ظرف يفرقها تاني.
مرت الشهور، وكان لازم أبدأ أخد خطوات حقيقية عشان أرجع لملك حقها في الحياة، حقها اللي اتسرق منها في الشارع. الوراق الرسمية أخدت وقت ومجهود كبير، بس مع كل ورقة كانت بتخلص وكل ختم كان بيتبصم، كنت بحس إن حتة من الضلمة بتتشال من حياتنا.
اليوم اللي طلعت فيه شهادة الميلاد الجديدة، وجمب اسمها اتكتب اسمي.. ملك سامح رشدي، مسكت الورقة وأنا إيدي بتميل من التأثر. ناديت عليها في الصالة، وجت بتجري وهي ماسكة ألوانها نعم يا بابا؟
نزلت لقامتها ومديتلها الورقة وقلتلها من النهاردة يا ملك، إنتي رسمي بنتي.. اسمك بقى زي اسم ياسين بالظبط، ومفيش أي قوة في الدنيا تقدر تبعدك عننا تاني.
البنت بصت في الورقة، رغم إنها ماكانتش بتعرف تقرأ كل الكلام، بس لقطت اسمي مكتوب جنب اسمها. ودموعها بلت كتفي، وقالت بصوت مخنوق يعني أنا بقى ليا عيلة بجد؟ مش هبقى لوحدي تاني؟
عمرك ما هتكوني لوحدك تاني يا ملك.
مع بداية السنة الدراسية الجديدة، نزلت معاهم نشتري هدوم المدرسة والشنتات. كان منظر ملك وهي بتختار شنطتها وردي عليها رسمة أطفال حاجة تحرك الحجر. كانت بتلمس الشنطة بحذر شديد كأنها خايفة تكون بتحلم والشنطة تختفي من إيدها. وياسين واقف جنبها بيساعدها ويختار معاها الأقلام والكشاكيل ويفهمها دي بتتعمل بإيه.
في أول يوم مدرسة، صحيت من الصبح بدري قبلهم كلهم. حضرت الفطار، ورتبت هدومهم، ووقفت أستناهم ينزلوا. لما طلعوا من أوضهم وهما لابسين زي المدرسة، حسيت بقلبي بيدق بنفس القوة اللي كانت بتديليه في أرض الخدمة، بس المرة دي دقات فرح وشغف بالحياة.
مسكت إيد ملك باليمين وإيد ياسين بالشمال، ومشينا في الشارع. المطر كان بيطش خفيف على وشنا، نفس المطر اللي جمعنا من كام شهر في الشارع الضيق، بس المرة دي ماكانش فيه برد ولا خوف ولا جوع.
وقفت قدام باب المدرسة، ونزلت لمستواهم. مسكت وش ملك بين إيديا وقلتلها أنا فخور بيكي يا ملك.. اتعلمي وكبري وافتكري دايماً إنك أقوى طفلة في الدنيا.
بصتلي وهي بتبتسم ابتسامة صافية طالعة من قلبها، وقالتلي بوعي أكبر من سنها عارف يا بابا؟ المطر زمان كان بيخوفني عشان كان معناه إني هبات مبلولة وبردانة.. بس دلوقتي لما بيزل المطر، بفتكر إن ربنا نزل معاه الرحمة والفرج يوم ما قابلتك.
سابت إيدي وجرت هي وياسين من باب المدرسة وهما بيتلفتوا ويشورولي. وقفت أتابعهم بعيني لحد ما اختفوا وسط الأطفال، وأنا واقف تحت المطر اللي بطل يخوفني، وعرفت إن الحياة مهما قسيت ودلفت في الضلمة، بييجي وقت وربنا بيبعت شعاع نور يغير كل حاجة.. ونوري أنا، كان طفلة صغيرة بتقدم نص رغيف في شارع قاهري بارد.
مرت الأسابيع والشهور كأنها لحظات خطفها الزمان من وسط السنين القاسية. البيت اللي كان في يوم من الأيام مجرد جدران باردة وصمت يخنق، بقى مليان بحركة وضحك ودوشة أطفال، دوشة كانت بالنسبة لي أحلى موسيقى أسمعها في حياتي.
وفي يوم، وأنا قاعد في مكتبي بالبيت براجع بعض الأوراق، رن موبايلي. كانت مدرسة ملك. قلبي انقبض في الأول تلقائياً بحكم الخوف القديم، ردّيت بسرعة ألو.. أستاذة فريدة؟ خير؟ ملك فيها حاجة؟
جالي صوت المدرسة هادي ومبتسم لا يا سيادة اللواء، متقلقش خالص.. كل الخير. أنا بس كنت حابة أطلب من حضرتك تشرفنا في المدرسة النهاردة ساعة المعرض الفني السنوي للأطفال.. فيه حاجة متميزة جداً ولازم حضرتك تشوفها بنفسك.
اتنفست ببراح وقلت لها ساعة وأكون عندكم.
غيرت هدومي ونزلت بسرعة. دخلت المدرسة والبهجة كانت مالية الممرات، لوحات أطفال بال ألوان المية والزيت متعلقة في كل مكان، وأولياء الأمور واقفين بيتفرجوا وبيتكلموا. مشيت وسطهم بفتش بعيني على ملك، لحد ما لقيت الأستاذة فريدة وافقة مع مديرة المدرسة قدام لوحة معينة وبيتكلموا بذهول.
أول ما شافتني الأستاذة فريدة، شاورتلي وبسمتها وسعت اتفضل يا سيادة اللواء.. اتفضل شوف اللوحة اللي أخدت المركز الأول على مستوى المنطقة كلها.
قربت بخطوات هادية، وعيني وقعت على اللوحة.
اللوحة كانت مقسومة نصين بعناية شديدة من طفلة عندها سبع سنين. النص الشمال كان مضلم، مطر أسود نازل بغزارة، ورصيف طين، وفي الزاوية رسمة صغيرة لبنت هدومها مبلولة ومقطعة، ماسكة في إيدها نص رغيف عيش ملفوف في منديل ورقي. والنص اليمين كان دافي، شمس طلعة ونور أصفر مالي المكان، نفس البنت لابسة زي المدرسة وماسكة إيد راجل بطول اللوحة لابس جاكيت كحلي وفي الإيد الثانية ولد صغير بيضحك.
وتحت اللوحة، كانت مكتوبة جملة بخط إيدها الصغير والموجوج الرغيف اللي قسمته

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *