حكايات انجى الخطيب الثالث والاخير
وأنا بفك البطانة الجلدية القديمة للكرسي الخلفي – الكرسي اللي الدكتور ديفيد ساب عليه الشنطة في اليوم المشهود – إيدي خبطت في حاجة ناشفة ومستخبية جوه تجويف الشاصي تحت الكرسي.
استغربت.. مددت إيدي ببطء وسحبت جسم معدني صغير ملفوف بقماش مقوى ومربوط برباط بلاستيكي، ومغطى بالتراب كأنه مستخبي هناك من سنين!
نفضت التراب من عليه وفتحته، ولقيت جواه جهاز صغير جداً يشبه الفلاشة الكبيرة، ومعاه كارت صغير مكتوب عليه بخط اليد باللغة الإنجليزية ورقم هاتف مصري ورقم ألماني. أخدت الكارت والجهاز وجريت على المترجم اللي بقى صديقي وتواصلت معاه عشان يفهمني إيه ده.
المترجم اتصل بالرقم وسأل، وبعد ساعات قليلة جالي الرد الصادم اللي خلاني أقف مشدوه!
الجهاز ده مكنش للدكتور ديفيد.. ولا كان يخص السياحة من قريب أو بعيد! ده كان يخص سائح وعالم جيولوجي كان راكب معايا التوك التوك قبل حادثة الدكتور ديفيد بأسابيع طويلة، وكان ضيع الجهاز ده وكرسي التوك التوك بلعه في الفتحة الجانبية وما خدتش بالي منه. الجهاز كان بيحتوي على الخرائط الرقمية والبيانات الميدانية لأبحاث اكتشاف مناجم ورمال بيضاء وثروات معدنية نادرة في جبال أسوان، وكان البحث ده متوقف تماماً وسعر البيانات دي يساوي ملايين للأبحاث التعدينية، وكان صاحبه فقد الأمل تماماً إنه يلاقيه!
لما اتصلصنا بيه وعاين البيانات ورجعتله، الراجل مكنش مصدق، وجالي مخصوص أسوان عشان يستلم حاجته، وقرر يمنحني نسبة قانونية ومكافأة أمانة ثانية عن طريق الجهات الرسمية لإعادة أبحاثه القيمة للدولة وللشركة الراعية.
ساعتها وقفت في نص الشارع، وبصيت للتوك التوك القديم وللسماء.. ودمعت بقلبي كله.
عرفت إن ربنا لما بيفتح باب الستر والخير على عبد أمين، بيفتحها عليه من كل الاتجاهات، مش بس عشان الفلوس، لكن عشان يوريه إن الحلال طعمه جميل، وأن الخوف من الله والأمانة هما التجارة الوحيدة اللي عمرها ما بتخسر أبداً.
ومن اليوم ده، بعت التوك التوك لمركز الشباب في منطقتنا يثبتوه في المدخل كرمز وتذكير لكل شاب وطالع: إن “عم رمضان” بدأ من هنا.. وبأمانته وضميره، وصل لأعلى مكان في الدنيا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”