سر الوحمه بقلم منال عباس الخامس والاخير
الخامس
مرّت أيام ثقيلة على الجميع.
ورغم القبض على رافت، لم يشعر أحد بالأمان.
فكلماته الأخيرة كانت كالشبح الذي يطارد كل فرد في القصر.
“الخائن ما زال بينكم.”
—
بدأ فارس بنفسه مراجعة كل ما حدث خلال السنوات الماضية.
كل حادثة غريبة.
كل معلومة وصلت إلى رافت.
كل سر خرج من القصر.
وكان كل خيط يقوده إلى طريق مسدود.
حتى جاء صباح غير متوقع.
—
كان الجد عزيز يجلس مع جنى في الحديقة.
يتحدثان عن طفولتها التي ضاعت.
وفجأة اقترب كبير الخدم مسرعًا.
ـ الباشا…
وصلت رسالة مستعجلة من إدارة السجن.
نهض الجد بقلق.
ـ خير؟
أعطاه الظرف.
فتح عزيز الرسالة بسرعة.
وما إن قرأها حتى شحب وجهه.
ـ مستحيل!
انتفضت جنى.
ـ حصل إيه؟
رفع عينيه نحوها.
ـ رافت مات الليلة.
ساد الصمت.
—
اجتمعت العائلة كلها.
والصدمة تسيطر على الجميع.
قال كريم:
ـ مات إزاي؟
أجاب الجد:
ـ التقرير الأولي بيقول أزمة قلبية.
لكن فارس لم يقتنع.
ـ لا.
التفتوا إليه.
ـ رافت كان هيكشف اسم الخائن.
ولو مات دلوقتي يبقى في حد سكتّه.
تبادل الجميع النظرات.
وشعروا بالخوف أكثر من أي وقت مضى.
—
في تلك الليلة…
كانت جنى ترتب بعض أغراضها القديمة.
حين وجدت صندوقًا صغيرًا تركه لها الجد.
فتحت الصندوق.
لتجد بداخله أشياء من طفولتها.
فستانًا صغيرًا.
ودمية قديمة.
وسوارًا فضيًا.
لكن في قاع الصندوق…
وجدت ظرفًا أصفر باهتًا.
فتحت الظرف بحذر.
وأخرجت منه صورة قديمة.
تجمدت مكانها.
كانت الصورة تجمع والدها يوسف مع عدد من العاملين القدامى بالقصر.
وفي خلفية الصورة…
ظهرت نعمات.
المشرفة على الخدم.
لكن ما لفت انتباهها لم يكن وجود نعمات.
بل الرجل الواقف بجوارها.
كان رافت.
والأغرب…
أنهما كانا يمسكان أيدي بعضهما وكأن بينهما علاقة قوية.
شعرت جنى بقشعريرة.
—
في صباح اليوم التالي…
ذهبت مباشرة إلى فارس.
وأعطته الصورة.
ظل يحدق فيها طويلًا.
ثم رفع رأسه فجأة.
ـ نعمات.
ـ فكرت في نفس الحاجة.
ـ لازم نعرف الحقيقة.
—
في المساء…
راقب فارس نعمات سرًا.
ورأى شيئًا غريبًا.
فبعد منتصف الليل…
خرجت من غرفتها.
وتسللت إلى الجناح القديم المهجور.
تبِعها بحذر.
حتى وصلت إلى غرفة مغلقة منذ سنوات.
دخلت نعمات وأغلقت الباب.
انتظر فارس دقائق.
ثم اقترب.
ودفع الباب ببطء.
لكن ما رآه في الداخل جعله يتجمد.
كانت نعمات تبكي.
وأمامها عشرات الصور لجنى منذ طفولتها وحتى اليوم.
وصورة كبيرة لرافت.
—
في اللحظة نفسها…
انكشف وجود فارس.
فالتفتت نعمات نحوه.
واتسعت عيناها.
أما هو فقال بصرامة:
ـ أخيرًا عرفنا.
انهارت نعمات على المقعد.
وأجهشت بالبكاء.
—
بعد ساعة…
كانت العائلة كلها مجتمعة.
ونعمات تجلس أمامهم.
وجهها شاحب.
وعيناها حمراوان من البكاء.
سألها الجد عزيز بصوت مخنوق:
ـ ليه؟
أخفضت رأسها.
ثم قالت:
ـ لأن رافت كان أخويا.
ساد الذهول في القاعة.
أما جنى فشعرت بالصدمة تضربها بقوة.
أكملت نعمات وسط دموعها:
ـ بعد ما اتطرد واتدمرت حياته… اتغير.
وأقسم ينتقم.
وأجبرني أساعده.
كنت بخاف منه.
كنت بعمل اللي يطلبه.
وببلغّه بكل حاجة تحصل هنا.
—
قبض الجد على عصاه بقوة.
ـ يعني كنتِ السبب في كل اللي حصل؟
صرخت باكية:
ـ لا!
أنا ما كنتش أعرف إنه هيخطف جنى.
والله ما كنت أعرف.
أول ما عرفت كان خلاص فات الأوان.بقلم منال عباس
—
لكن قبل أن يكمل أحد الحديث…
دخل أحد الحراس مسرعًا.
وجهه شاحب من الخوف.
ـ الباشا!
نهض الجميع.
ـ في إيه؟
أجاب الحارس بصوت مرتجف:
ـ لقينا رسالة جوه أوضة نعمات.
نظر الجميع إليها.
أما نعمات فبدت مصدومة.
فتح فارس الرسالة.
وبدأ يقرأ.
وفجأة تغير وجهه.
ثم رفع رأسه نحو الحاضرين.
وقال ببطء:
ـ الرسالة مكتوبة بخط رافت.
ـ وبيقول فيها إيه؟
ساد الصمت للحظات.
ثم قال فارس:
ـ بيقول إن نعمات مش الخائن الحقيقي…
وإن الشخص اللي خطط لكل حاجة من البداية لحد النهاردة…
موجود بينا دلوقتي في القاعة دي.بقلم منال عباس
ساد صمت مرعب داخل القاعة.
وأخذ الجميع ينظر إلى الآخر بريبة.
أما نعمات فرفعت رأسها ببطء.
وقد بدا عليها الذهول الحقيقي.
قال الجد عزيز:
ـ كمّل يا فارس.
نظر فارس إلى الرسالة مرة أخرى.
ثم أكمل القراءة:
ـ “لو بتقرا الرسالة دي يبقى أنا مت. ونعمات كانت مجرد أداة خائفة. أما العقل الحقيقي اللي ساعدني فكان أقرب ليكم مما تتخيلوا.”
تبادل الجميع النظرات بقلق.
ثم أكمل:
ـ “وهتلاقوا الدليل في الخزنة القديمة تحت السلم الغربي.”
—
انطلق الجميع نحو المكان.
وبعد دقائق تمكنوا من فتح الخزنة.
وفي داخلها وجدوا ملفات وصورًا ووثائق كثيرة.
بدأ المحامي يقلبها بسرعة.
ثم فجأة رفع رأسه بصدمة.
ـ مستحيل!
اقترب الجد.
ـ في إيه؟
أشار المحامي إلى مجموعة من التحويلات المالية القديمة.
ثم إلى عقود مزورة.
وقال:
ـ الشخص اللي كان بيتعاون مع رافت طول السنين دي هو مدير أعمال الشركة القديم.
شهق الجميع.
كان الرجل الذي عمل مع العائلة سنوات طويلة وحظي بثقتهم الكاملة.
وقد توفي قبل أشهر قليلة بعد مرض مفاجئ.
فأصبح من المستحيل محاسبته الآن.
لكن الحقيقة ظهرت أخيرًا.
وكان هو من يزوّد رافت بالأسرار والمعلومات طوال تلك السنوات.
—
تنهد الجد عزيز طويلًا.
وكأن جبلًا كاملًا انزاح عن صدره.
ثم نظر إلى جنى.
اقترب منها.
وأمسك يديها.
ـ سامحيني يا بنتي.
دمعت عيناها.
ـ على إيه يا جدو؟
ـ لأني مقدرتش أحميكي.
احتضنته بقوة.
ـ المهم إننا لقينا بعض.
وانهمرت دموعهما معًا.
لكنها هذه المرة كانت دموع فرح.
—
بعد أسابيع قليلة…
عاد الهدوء إلى القصر.
وأصبحت جنى جزءًا طبيعيًا من العائلة.
بل أصبحت قلبها النابض.
أما نعمات…
فقررت الرحيل عن القصر بعد أن اعترفت بكل شيء.
لكن جنى طلبت من الجد ألا يطردها.
وقالت:
ـ هي أخطأت… لكن الخوف كان أقوى منها.
وافق الجد في النهاية.
واختارت نعمات أن تقضي ما بقي من عمرها في مساعدة الأيتام تكفيرًا عما حدث.
—
أما كريم وسليم…
فاحتفظا بمحبتهما واحترامهما لجنى.
ورغم ألمهما في البداية…
إلا أنهما كانا أول من وقف بجانبها يوم خطبتها.
—
وفي إحدى أمسيات الربيع…
كانت الحديقة مضاءة بمئات الأضواء الجميلة.
واجتمعت العائلة كلها.
وقف فارس أمام جنى.
وكان التوتر واضحًا على وجهه.
فضحكت.
ـ أول مرة أشوفك متوتر.
ابتسم.
ـ أول مرة أكون خايف أخسر حاجة مهمة.
ثم أخرج خاتمًا صغيرًا.
وجثا على ركبة واحدة.
ـ جنى الدمنهوري…
من يوم ما دخلتي القصر غيرتي حياتي كلها.
تتجوزيني؟
امتلأت عيناها بالدموع.
لكنها كانت دموع سعادة.
وأجابت دون تردد:
ـ أوافق.
تعالت التصفيقات والضحكات.
واحتضن الجد عزيز حفيدته وهو يبكي من الفرح.
—
وبعد أشهر…
أقيم حفل زفاف أسطوري.
امتلأ القصر بالموسيقى والبهجة.
وكانت جنى بفستانها الأبيض أشبه بالأميرات.
أما فارس فلم يرفع عينيه عنها طوال الحفل.
وكأنه ما زال غير مصدق أنها أصبحت زوجته.
—
ومرت السنوات…
وأصبحت جنى تدير أعمال العائلة بنجاح كبير.بقلم منال عباس
إلى جانب فارس الذي كان سندها في كل خطوة.
وفي صباح مشمس…
كانت تجلس في الحديقة تحمل طفلة صغيرة بين ذراعيها.
طفلة جميلة بعينين عسليتين تشبهان عينيها.
اقترب فارس وجلس بجوارها.
ونظر إلى ابنتهما الصغيرة.
ثم ابتسم فجأة.
ـ بصي.
نظرت جنى إلى رقبة الطفلة.
واتسعت عيناها.
كانت هناك وحمة صغيرة جدًا…
على شكل تفاحة.
ضحكت جنى وسط دموع الفرح.
واحتضنت ابنتها بقوة.
بينما رفع فارس ذراعًا حول زوجته.
وتأمل الثلاثة القصر الذي شهد الحزن والضياع والانتظار.
ثم شهد أخيرًا الحب والعودة والعدل.
وأدركت جنى أن القدر قد يطيل الطريق أحيانًا…
لكنه في النهاية يعيد القلوب إلى موطنها الحقيقي.
تمت
لايك لبيدج روايات منال عباس لتجدوا كل جديد
