حلم بقلم منال عباس الثانى والاخير

حلم بقلم منال عباس

الثانى والاخير
فضل كريم طول الليل يفكر في الجملة اللي قراها على المفتاح وكان كل ما يعيدها يحس إنها بتقربه من السر أكتر ابحث عند أول عهد بين الماء والحجر ولما طلع النهار راح لأمه وقال لها أنا لازم أعرف المكان ده مهما كلفني

قالت له أمينة وهي خايفة يا ابني خليك فاكر إنك داخل على ناس كبار والموضوع مش سهل

رد عليها وهو بيبتسم طول عمري اتعلمت منك إن اللي بيدور بالحلال عمره ما يضيع

خرج كريم وبدأ يسأل كبار السن في البلد عن معنى الجملة لكن محدش عرف يرد عليه لحد ما قابل شيخ كبير كان قاعد قدام الجامع وعمره باين عليه إنه عدى التمانين سنة

قعد كريم جنبه وسلم عليه وقال له يا حاج نفسي أسألك عن حاجة

رد الشيخ بابتسامة اتفضل يا ابني

حكى له كريم الجملة من غير ما يجيب سيرة المفتاح ولا المستشار

فضل الشيخ ساكت شوية وبعدين قال أول عهد بين الماء والحجر دي جملة قديمة أوي كان أجدادنا بيقولوها على العين القديمة اللي كانت أول مكان اتبنت حواليه البلد

وقف كريم مرة واحدة وقال العين القديمة فين

رد الشيخ في أطراف البلد عند الجبل الصغير بس محدش بيروح هناك من سنين

شكره كريم وجري بسرعة ناحية المكان وكان الطريق طويل مليان زرع وأشجار لحد ما وصل لعين مياه قديمة نصها ناشف وحواليها صخور ضخمة شكلها من زمن بعيد

وقف يبص حواليه وهو حاسس إن قلبه هيطلع من مكانه وأخرج المفتاح من جيبه وقربه من الصخور وفجأة لمع النقش اللي عليه كأنه انعكس عليه نور الشمس بشكل غريب

بدأ يدور على أي علامة شبه الهلال لحد ما لمح صخرة كبيرة محفور عليها نفس الرمز بالظبط

قرب منها وبدأ يزيل التراب بإيده ولما نظفها لقى فتحة صغيرة على مقاس المفتاح

اتردد لحظة وقال يمكن ده المكان

دخل المفتاح بهدوء لكنه ما لفش مهما حاول

فضل يحاول مرة واتنين وتلاتة لكن من غير فايدة

وفجأة سمع صوت خطوات جاية من وراه

لف بسرعة ملقاش حد

رجع يبص للصخرة تاني فسمع نفس الصوت أقرب من الأول

اختبأ ورا شجرة كبيرة وبعد ثواني شاف الراجل اللي كان بيراقبه من يوم ما خرج من عند العجوز داخل المكان وهو بيبص حواليه بحذر

ابتسم الراجل وقال بصوت واطي كنت عارف إنك هتوصل للمكان ده

فضل كريم مستخبي وماطلعش نفسه

الراجل قرب من الصخرة وأخرج ورقة قديمة جدا من جيبه فيها رسومات وعلامات وبدأ يقارنها بالنقش اللي على الصخرة ثم قال ناقص آخر خطوة

وفي اللحظة دي خرج شخص تاني من بين الأشجار وكان أكبر منه في السن وقال له بسرعة لقيت الولد

رد الأول أيوه هو هنا في المكان بس مستخبي

اتوتر كريم وعرف إنهم جايين مخصوص عشانه

بص حواليه بسرعة يلاقي أي طريق للهروب لكن المكان كله صخور

وفجأة افتكر كلام العجوز لما قال له إن السر مش في المفتاح وحده

بص للصخرة تاني ولاحظ إن الهلال المحفور متجه ناحية عين المياه

قرب من العين وركع على الأرض وغسل المفتاح بالمياه لأول مرة

وفي اللحظة اللي لمست فيها المياه الحديد الصدأ بدأ يختفي تدريجيا وظهر تحته لون ذهبي لامع ومعاه كتابة جديدة ماكنتش باينة قبل كده

قرأها بصوت منخفض وقال لا يفتح الباب إلا إذا اجتمع المفتاح مع الأمانة

وفي نفس اللحظة سمع صوت أمينة بتنادي عليه من بعيد وهي بتجري وهي بتصرخ يا كريم اهرب دول مش جايين يدوروا على السر دول جايين ياخدوا المفتاح حتى لو كان التمن حياتك كلها فتجمد مكانه وهو شايف الرجلين بيقربوا منه بسرعة وعرف أن اللحظة الجاية هتحدد مصيره كله بقلم منال عباس
وقف كريم وهو ضامم المفتاح في إيده وبص ناحية أمه اللي كانت بتجري عليه وهي بتنهج من كتر التعب ولما وصلت مسكت دراعه وقالت يلا يا ابني نمشي من هنا قبل ما يمسكوك

لكن كريم هز راسه وقال لو هربت النهارده هفضل طول عمري باجري منهم لازم أعرف الحقيقة للآخر

كان الراجلين قربوا منهم بالفعل وأول ما وصلوا قال الكبير فيهم هات المفتاح يا ولد وإحنا هنسيبك تمشي

رد كريم بثبات المفتاح مش بتاعي عشان أديه لحد

ابتسم الراجل وقال إنت مش فاهم قيمته ولا عارف ممكن يعمل إيه

قال كريم يمكن فعلا معرفش لكن متأكد إن اللي يدور عليه بالطمع عمره ما يستحقه

في اللحظة دي ظهر المستشار بنفسه من آخر الطريق ومعاه كذا واحد من أهل البلد والعجوز صاحب محل المفاتيح والشيخ الكبير اللي قابله كريم قبل كده

اتسعت عيون كريم وقال باستغراب حضرتك

ابتسم المستشار وقال كنت عارف إنك هتوصل للمكان ده

بص الراجل الكبير للمستشار بغضب وقال يعني كنت عامل كل ده عشان الولد

رد المستشار أيوه لأني كنت بدور على إنسان أمين مش على إنسان ذكي وبس

قال الراجل وإحنا من حقنا الكنز ده

هز المستشار راسه وقال مفيش كنز من الأصل

كل اللي موجود رسالة ووصية سابها جدي من عشرات السنين وكان عايزها توصل للشخص اللي يستحقها

سكت الجميع وهم مش فاهمين

قرب المستشار من الصخرة وقال لكريم حط المفتاح مكانه

دخل كريم المفتاح في الفتحة من جديد لكن المرة دي افتكر الجملة المكتوبة عليه فحط إيده التانية على الصخرة وقال يا رب لو كنت تعلم إن نيتي خير افتح لي

لف المفتاح بهدوء فانسمع صوت خفيف وبدأ جزء من الصخرة يتحرك ببطء لحد ما ظهر تجويف صغير جواه صندوق خشب قديم

فتح المستشار الصندوق قدام الكل فلقوا جواه ورقة صفراء وخاتم فضة قديم ومصحف صغير

فتح المستشار الورقة وبدأ يقرأ بصوت عالي

من يجد هذه الأمانة فلا يفرح بمال لأن المال يفنى ولكن يفرح بالأخلاق فإن وجدت إنسانا يرد الحق لأهله ولا يطمع فيما ليس له فاعلم أنه أغنى الناس ولو كان فقيرا واجعلوه من أهل بيتكم فإن الشرف لا يورث بالمال وإنما بالأفعال

نزل الصمت على المكان كله

مد المستشار الصندوق ناحية كريم وقال خد الخاتم والمصحف دول بقوا أمانة عندك

لكن كريم رجع خطوة وقال لا يا فندم دي حاجات تخص عيلتكم وأنا مليش حق فيها

ابتسم المستشار وظهرت الفرحة في عينه وقال كنت مستني الرد ده بالذات

لف ناحية الناس كلها وقال بصوت عالي دلوقتي بس اتأكدت إن كريم نجح في أصعب اختبار لأن الإنسان اللي يقدر يمد إيده وياخد ويرفض يبقى هو الإنسان اللي أقدر أأتمنه على بنتي وعلى اسمي

بصت أمينة لابنها ودموعها نزلت وهي أول مرة تحس إن تعب عمرها كله بدأ يجيب ثماره بينما وقف الرجلان اللذان كانا يطاردان كريم مطأطئي الرؤوس بعد أن انكشف طمعهما أمام الجميع ولم يبق إلا القرار الأخير الذي سيغير حياة الجميع إلى الأبد بقلم منال عباس
وقف كريم مكانه وهو مش مصدق اللي سمعه وبص للمستشار وقال يعني كل اللي حصل كان اختبار

ابتسم المستشار وقال أيوه يا كريم لأن بنتي أغلى حاجة عندي وكنت محتاج أعرف هسلمها لمين كنت أقدر أسأل عنك في أي مكان لكن الأخلاق الحقيقية مبتظهرش غير وقت الاختبار

قربت أمينة وهي دموعها على خدها وقالت يعني ابني متقبل

بصلها المستشار بكل احترام وقال ابنك كسب احترامي قبل ما يكسب موافقتي على الجواز

أما الراجلين اللي كانوا بيطاردوا كريم فحاولوا يمشوا بهدوء لكن أهل البلد وقفوا قدامهم

قال المستشار دول كانوا زمان شغالين عند جدي ولما عرفوا بحكاية الوصية فضلوا سنين يدوروا عليها وكانوا فاكرين إن فيها دهب وجواهر لكنهم نسوا إن أغلى كنز هو الإنسان الشريف

نكس الراجل الكبير راسه وقال الطمع عمى عينينا وخسرنا عمرنا كله

رد المستشار اللي يتوب ويرجع لربنا عمره ما يخسر

وبعد أيام قليلة اتحدد يوم كتب الكتاب والفرح وانتشر الخبر في البلد كلها إن ابن الست الغلبانة هيتجوز بنت أكبر مستشار في المحافظة

ناس كتير استغربت وناس قالت أكيد معاه فلوس مستخبية وناس قالت أكيد في سر كبير لكن كل واحد كان بيسمع الحقيقة يعرف إن السر الوحيد كان حسن التربية

وفي يوم الفرح لبست أمينة فستان بسيط لأول مرة من سنين وكانت كل شوية تبص لابنها وتفتكر الأيام اللي كانت تنام من غير عشا عشان تشبعه

قرب منها كريم وباس إيديها قدام الناس كلها وقال بصوت عالي لو وصلت للي أنا فيه النهارده فالفضل بعد ربنا لأمي اللي علمتني إن الكرامة أغلى من أي كنز

ماقدرتش تمسك دموعها وضمت ابنها والناس كلها كانت متأثرة بالمشهد

وفي اللحظة دي نزلت ياسمين من السلم وهي لابسة فستانها الأبيض وبصت لكريم وقالت بابتسامة هادية أنا من أول يوم بابا حكالي عن الشاب اللي رفض ياخد الأمانة من غير حق وأنا كنت بدعي يكون هو نصيبي

ابتسم كريم وقال وأنا من أول حلم شفتك فيه كنت مؤمن إن ربنا مش هيضيع أملي

تم كتب الكتاب وسط فرحة كبيرة ودعوات الناس وبعد الجواز رفض كريم يعيش في قصر المستشار وقال أنا عايز أبني حياتي بتعبي

فرح المستشار بكلامه وساعده يفتح شركة صغيرة باسمه من غير ما يديله فلوس هدية لكن شاركه بخبرته وعلمه

اشتغل كريم ليل ونهار وكبرت الشركة سنة بعد سنة وبقى من أنجح رجال الأعمال لكنه عمره ما نسي الحارة اللي اتربى فيها ولا الأيام الصعبة

أول حاجة عملها إنه اشترى بيت واسع لأمه وقال لها من النهارده مفيش شغل ولا تعب كفاية اللي شوفتيه طول عمرك

ثم بنى جمعية خيرية تساعد الأرامل والأيتام وكل ما حد يشكره كان يرد ويقول أنا بس برد جزء صغير من جميل أمي عليا

أما المفتاح القديم فاحتفظ بيه داخل صندوق خشب صغير وعلقه في مكتبه وكل ما حد يسأله ليه محتفظ بمفتاح مابيفتحش حاجة كان يبتسم ويقول بالعكس ده فتحلي أبواب عمري كلها وعلمني إن الأحلام لو كان وراها صبر وتعب وأمانة ممكن تتحول لحقيقة وإن الفقر عمره ما كان عيب لكن العيب الحقيقي إن الإنسان يبيع ضميره عشان يكسب الدنيا لأن الكنز الحقيقي مش اللي بيتخبى تحت الأرض الكنز الحقيقي بيتربى في القلب من يوم ما الإنسان يعرف معنى الأمانة والرضا وحسن الخلق ولذلك عاش كريم وأمه وياسمين في سعادة ومحبة وظلت حكايتهم تتحكى في كل مكان لكل شاب فقد الأمل حتى يعرف أن الله يرفع من يشاء بالأخلاق قبل الأموال وأن النهاية الجميلة تبدأ دائما من قلب صادق لا يعرف إلا الحلال بقلم منال عباس
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *