عربيات يحيي حكايات منال عباس

عربيات يحيي حكايات منال عباس

صحيت الصبح ولسه حرارة النوم جوه جسمي بس حسيت إن في حاجة غريبة بره، صوت حركة خفيفة ورا باب الشقة وكأن فيه زحمة بس هادية، فتحت الباب بشويش وبصيت من العين السحرية بس ماشوفتش غير طرف عباية جراننا، فتحت الباب على الآخر وطلعت البلكونة اللي بتطل على الجنينة بتاعت البيت، وهنا فضلت واقفة مكاني وبلحق نفسي من الصدمة، الجنينة كلها كانت مليانة عربيات أطفال مصطفة جنب بعضها باتظام غريب، أكتر من عشرين عربية أطفال محطوطين في جناين بيتي، وكل عربية محطوط فيها صندوق كرتون مغلق وبشريط أحمر، نزلت على السلم بسرعة وجريت وسط العربيات دي وقلبي بيدق بجنون، فتحت أول صندوق بايدي بترتعش لقيت جواه ملابس أطفال بيبي جديدة بلون أزرق ومعاها ورقة مكتوب فيها بخط اليد: ابني ياسين سابنا من سنتين وسبت هدومه مكانها مش قادسة المسها بس لما سمعت اللي عملتيه مع الغلبانة حسيت إن روحه هترتاح لو لبسها طفل تاني، عيوني اتملت دموع وفتحت الصندوق التاني لقيت فيه لعب ومصاصات ومعاها ورقة تانية من أم تانية بتقول: بنتي ملك ماتت وهي لسه بلفظها الأولاني وكل لعبها موجودة، أنا اتبرعت بيها لروحها علشان تضحك مع طفل تاني، فضلت واقفة في نص الجنينة وسط العربيات دي والدموع نازلة على خدودي وأنا شايفة كل صندوق بيحكي حكاية وجع لناس تانية شبه وجعي، وفجأة سمعت صوت بوابتنا الحديدية بتتفتح بهدوء ولقيت جارتنا طنط سعاد داخلة ومعاها ستات كتير من المنطقة وكل واحدة شايلة في إيديها كيس كبير، قربت مني طنط سعاد وحضنتني جامد وهي بتعيط وتقول لي يا مريم إنتي ما تعرفيش عملتي إيه، البنت الغلبانة اللي أدتلها عربية ابنك يحيى راحت حكت لكل الناس في السوق وعلى قهوة الحتة باللي عملتيه وإزاي جبرتي بخاطرها، وكل أم وكل أب هنا حسوا إنهم مش لوحدهم في وجعهم، الناس دي كلها جابت حاجات عيالهم اللي ماتوا علشان يبروا بيهم عن طريقك إنتي، بصيت حواليا ولقيت الجنينة بقت زحمة بالناس وكل واحد بيحط صندوق جديد والعربيات بتتملي أكتر وأكتر، وفي وسط الليلة دي والزحمة دي، لقيت جوزي طارق داخل من برة وماسك في إيده ورق بيع البيت اللي كان ناوي يمضيه ويبيع كل حاجة ويهرب من الذكريات، وقف مكان ما هو ومبقاش مصدق عينه وهو شايف الجنينة مقلوبة سرادق حب وأمل، قربت منه خطوتين ودموعي على خددي وبصيت في عيونه وقولت له بصوت مكسور بس مليان حياة، كنت فاكر إن البيت ده فاضي ومحكوم عليه بالموت، بس شوف بنفسك يا طارق، وجعنا احنا الاتنين بقى وجع ناس كتير وكل واحد فيهم جه هنا علشان يداوي جرحه بالحب، طارق رمى الورق من إيده على الأرض وفتح إثنين دراعه وضمني لصدره جامد وهو بينفجر في البكاء وكأنه بيرجع للحياة بعد سالفة طويلة من الغياب، وفي وسط اللحظة دي عينيا وقعت على آخر عربية في آخر ركن الجنينة، عربية سوداء قديمة شوية ومقفولة بصندوق مختلف عن الباقيين، قربت منها أنا وطارق ببطء وفتحنا الصندوق بهدوء شديد، ملقيناش جوه لبس ولا لعب، لقينا لوحة خشبية قديمة معمول عليها حروف منقوشة بعناية ومكتوب فيها: عربيات يحيى، كل طفل هيجي على الدنيا وهنساعد أهله يتخطوا وجعهم، هيبدأ حكايته من هنا، فضلت باصة للكلمات دي وأنا بمسح دمعتي وببص للسماء وبهمس لنفسي: يا يحيى يا ابني إنت ما متّش، إنت رجعت للبيت بس المرة دي جوه قلوب كل الناس دي وجوه كل طفل هيعيش بسبتك حكايات منال عباس
من تاني يوم مبقاش البيت يهدى لحظة، الحكاية انتشرت زي النار في الهشيم والناس بقت تيجي من كل حتة في مصر، من قري بعيدة ومن شوارع مصر القديمة ومن كل زقاق، أمهات وأبهات عيونهم مليانة حزن بس وجوههم منورة بأمل جديد، كل واحد جاي وشايل في إيده صندوق فيه ريحة ريحة ضناه اللي راح، بقا الجنين بتاعتنا عاملة زي خلية النحل، أطفال لسه جايين الدنيا وأمهات بياخدوا هدوم عيالنا يلبسوها لعيالهم، وطارق جوزي اللي كان رافض يقعد دقيقة واحدة في البيت بقى هو اللي بيستقبل الناس بنفسه على باب الجنينة، وبدل ما كان عايز يهرب وبيع البيت، فتح باب الصالون وخلاه مكان لتنظيم الصناديق وتوزيعها، وفي وسط الزحمة دي كنت قاعدة على الدكة اللي في وسط الجنينة ومعايا كيس فيه القبعة الصوف القديمة اللي كنت حاكيتها لابني يحيى ب ايدي، وفجأة لقيت ست عجيبة الشكل لابسة عباية سوداء مطرزة وبتقرب مني بخطوات ثقيلة وهي ماسكة في إيدها صندوق صغير متغطي بقماش حرير قديم، وقفت قدامي وعيونها لامعة بدموع ساكتة وقالت لي صوتها نبرته دافية زي نيل بلدنا، يا بنتي أنا جيت من أقصى الصعيد علشان أجيب ليكي أمانة، استغربت وسألتها بصوت مرتعش أمانة إيه يا اماه، فتحت الحرير بهدوء وطلعت منه خنجر صغير قديم مصنوع من فضة خالصة ومرسوم عليه نقشات نادرة، وقالت لي ده كان أثر جوزي الله يرحمه ولما ابني البكري مات في حادثة من عشرين سنة كنت حافظة الخنجر ده تحت مخدتي كأنه روحه، بس لما سمعت باللي عملتيه حسيت إن روحه مش هترتاح غير لما يروح لطفل غلبان يبدأ بيه حياته، خدت الخنجر من إيدها وقلبي بيدق بعنف والدموع بتنزل على خدي، وبصيت لها وقولت لها بس ده أثر غالي قوي يا اماه ازاي تتخلي عنه، ابتسمت بحنان وقالت الغالي راح، واللي باقي هي المحبة اللي جمعتنا هنا، ما لحقتش أرد عليها لحد ما سمعت صوت زعيق جاي من برة الجنينة، صوت عالي كأن في مشكلة عند البوابة الكبيرة، جريت أنا وطارق بسرعة لنهاية الجنينة ولقينا راجل أشيب ووشه مقلوب وشايل شنطة سفر ضخمة وبيحاول يدخل غصب عن الناس اللي واقفة، صرخ فينا وقال مين المسؤول عن الهرج والمرج ده، ابني مات في مستشفى هنا من شهرين ومراتي تعبت واتجننت من ساعتها وانتم عاملين هنا مول والسيرة دي بتوجعها زيادة، طارق وقف قدامه برجولة وقال لههدي يا حج، هنا محدش بيتاجر بوجع حد، هنا كلنا بنداوي بعض، بس الراجل ما سمعش وضرب الشنطة في الأرض وفتحها وطلع منها صور قديمة لابنه وهو بيعيط وقال ابني ما ماتش عشان تيجوا انتم تحطوا صوره في الصناديق وتوزعوا هدومه كأنه كمالة عدد، في اللحظة دي خرجت مراته من وراه، ست مسكينة ملامحها باينة عليها التعب والوجع والسهر، وبصت للصناديق وبعدين بصت لعربيات الأطفال الماصفة وقربت من الصندوق اللي كان قدامها وفتحته ب ايد بتترتعش، ملقاتش هدوم وبس، لقت بطانية صغيرة صوف معمول عليها نفس التطريز اللي كانت عملاها لابنها ب إيديها في يوم شتا قديم، وقعت على ركبتها في الأرض وانفجرت في صياح ودموع مقطوعة وقالت ده… ده قماط ابني حمزة، أنا اللي غازلاه ب إيدي لما كان مريض، بص الراجل لجوزته وهو مش مصدق ووقف مكانها مقهور، نزلت لمستواه على ركبتي وحطيت إيدي على كتفه المرتعش وقولت له بصوت مكسور، مرتك ما اتجننتش يا عمي، وجعنا واحد، وابنك حمزة مش لوحده، هو عايش في قلب كل طفل خد حاجة من هنا، الراجل بص للبطانية وبص لمراته اللي كانت حاضنة الصندوق كأنها حاضنة ابنها الغائب، ودفن راسه بين إيديه وبكى بكاء رجالة وجعه السنين كلها، وفي نفس اللحظة اللي هديت فيها الدنيا، برق في السما لمعة برق قوية وفجاه نزل مطر خفيف ورايق غسل تراب الجنينة كلها، ولقيت ستات الحتة كلهم بيجروا ويغطوا الصناديق بالبلاستيك علشان تحميهم، وطارق جاب شمسية وقفت فوق راسي وقال لي شكرا يا مريم إنك رجعتيني للحياة، بصيت للسماء وابتسمت وأنا سامعة صوت ضحكات الأطفال الجداد اللي بيملوا البيت، بس وسط اللحظة دي لمعت تحت عربية قديمة ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط مجهول: استعدي للي جاي، الحكاية لسه ما انتهتش والسر اللي في صندوق بكرة هيقلب الدنيا فوقاني
تحتاني حكايات منال عباس

تاني يوم الصبح الشمس طلعت بس النور كان مختلف منعكس على إزاز الصناديق وورق الجرانين اللي اتبقى من الليلة اللي قبلها، الجنينة كانت هادية في الأول كأنها بتلتقط أنفاسها بعد زحمة امبارح، بس مع دقات الساعة التاسعة رجعت الحركة تدب في المكان وبشكل أكثف بكتير، العربيات زادت ومبقاش فيه مكان كافي جوه الجنينة فبقى الناس ترص الصناديق بره على رصيف الشارع، وأنا واقفة على السلمة اللي قدام باب البيت بوزع ابتسامات وكلمات دافية لكل أب وكل أم جايين يشيلوا جزء من وجعهم ويحطوه أمانة هنا، طارق كان واقف جنب باب الصالون بينظم الدخول والخروج وبيساعد راجل كبير في شيال صندوق تملى لعب أطفال قديمة، وفجأة حسيت بحركة غريبة عند البوابة الرئيسية، عربية نقل صغيرة وبابها بيزيق وقفت قدام البيت ونزل منها شاب ملامحه مرهقة وباين عليه السفر الطويل، كان شايل في إيده صندوق حديد قديم مقفول بقفل صغير وعليه تراب كتير كأنه جاي من مكان بعيد مهجور، بصيت له باستغراب وقربت منه بخطوات بطيئة، وبصوت هادي قلت له نورت يا أخويا، جاي تزرع ذكرى جديدة معانا ولا ليك طلب تاني؟ الش شاب بص ليا بعيون كلها حيرة وخوف وقال بصوت متهدج، أنا مش جاي اتبرع بحاجة، أنا جاي أدور على سر، أخويا الصغير اتوفى من خمس سنين في حادثة على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي، وماما فضلت لحد آخر لحظة في عمرها تقول إن صندوقه الدهبي اتسرق يوم الحادثة وماتت وهي حزينة عليه، ولما سمعت بالمبادرة بتاعتكم والناس اللي بتجمع حاجات عيالها هنا حسيت إن الريح ممكن تدلني عليه، وقفت مكاني وقلبي قبضني، قلت له والصندوق الحديد ده جيبته منين وإيه علاقته باللي بتقوله، فتح الشاب عينه وبص للصندوق بحذر وقال ده لقيته امبارح بالليل مرمي قدام ورشة أبويا القديمة وفي ورقة مكتوب عليها اسمك وعنوان بيتك، حسيت ببرودة سرت في جسمي كله، الجنينة حوالينا سكتت تمامًا كأن الكل استمع للحوار، طارق ساب اللي في إيده وجري وقف جنبي، مديت إيدي وبصيت للقفل الصغير اللي كان مربوط بشريط قماش أسود نفس قماش القبعة بتاعت ابني يحيى، الشاب حط الصندوق على الترابيزة اللي قدامنا وقال بصوت عالي شوية عشان الكل يسمع، القفل ده مش بيتفتح بمفتاح عادي، ده بيتفتح بسلسلة حروف زي خزنة قديمة، ومن امبارح وأنا بحاول أجرب كل التواريخ الممكنة ومفيش فايدة لحد ما حسيت إن الحل هنا، وسطكم أنتم اللي بتجمعوا الحكايات المكسورة، بصيت لطارق وبصيت للناس اللي حوالينا اللي عيونهم كانت متثبيته علينا في ترقب شديد، قربت من الصندوق وحطيت إيدي على الحروف البارزة المكتوب عليها، وفكرت في كل كلمة اتقالت من يوم ما فتحت جنينتي لكل الموجوعين، وفجأة وانا بلف الحرف الأول لاسم يحيى، والحرف التاني لاسم حمزة، والحرف التالت لاسم ياسين، سمعت صوت “تكة” خفيفة صادرة من جوه الصندوق، القفل فتح لوحده، الكل بصلنا باهتمام شديد وأنا ببطء شديد فتحت غطاء الصندوق الحديدي، ملقيناش دهب ولا فلوس زي ما الشاب كان متخيل، لقينا جواه مجموعة من الكشاكيل القديمة المكتوبة بخط إيد أبيض وجميل، ومعاها صورة قديمة لست طيبة واقفة قدام مستشفى الأطفال اللي مات فيها ابني، وورق رسمي بيثبت إن الصندوق ده كان تبع وحدة دعم أسر الشهداء والمفقودين اللي اتأسست من سنين طويلة واتقفلت في ظروف غامضة، وفي آخر الصندوق كانت فيه ورقة جديدة مطوية بعناية مكتوب فيها بخط واضح: اللي جمع الحكايات دي كلها مش صدفة، واللي فتح الصندوق هو الشخص الوحيد اللي يقدر يكمل الأمانة ويلاقي باقي الأطفال اللي ضاعوا في السكة، بصيت للكل وعرفت إن الحكاية لسه في أولها وإن اللي جاي هيغير حياة كل الناس اللي واقفة هنا للأبد
حكايات منال عباس
مع أول ضوء النهار النهاردة الجنينة مبقاش فيها شبر واحد فاضي والناس كانت مالية الشارع كله والكل بيترقب والكل عيونه متعلقة بالباب اللي هيطلع منه الحل ولحظتها بصيت لطارق اللي كان ماسك كشكول من اللي طلعوا من الصندوق الحديدي وبيقلب في ورقه الأصفر القديم وبصلي بعيون كلها ترقب ورهبة وقال لي تعالي يا مريم تعالي شوفي مكتوب إيه هنا في الورقة الأخيرة دي، جريت عليه وسط الزحمة والكل سكت كأن على راسهم الطير وأنا بقرا بخط واضح وصريح اسم مستشفى الاطفال القديم اللي كلنا اتوجعنا فيها واسم الدكتورة اللي كانت مسؤولة عن قسم الحالات الإنسانية من سنين وسنين، وفجاه لقينا ست كبيرة في السن لابسة عباية سوداء قديمة وماسكة عصاية خشب بتزق نفسها وسط الزحمة وبتنادي بصوت عالي ومبحوح وتقول وسعوا وسعوا أنا مش جاي طامعة في حاجة أنا جاي أكشف السر اللي هيريح قلوب الكل، الكل فتح لها الطريق وهي ماشية لحد ما وصلت قدامي ووقفت وبصتلي بعيون مليانة دمع قديم وقالت لي إنتي مفكرة إن ولادكم راحوا كده صدفة وإن الحكاية خلصت على قد الصناديق والهدوم، أنا كنت دكتورة التمريض المسؤولة في المستشفى دي من عشرين سنة وكنت شايفة كل حاجة وعارفة إن في شبكة سرية كانت بتتاجر في أطفال المستشفى وتفهم الأمهات إن عيالهم ماتوا عشان تبيعهم لناس تانية قادرة تدفع، وابنك يا مريم وابن عمي اللي كان واقف من شوية وابن كل أم هنا ماماتوش بالطريقة اللي انقالرت، هما اتسرقوا واتوزعوا على أسر تانية في كل محافظات مصر، والصندوق الحديدي ده والورق اللي فيه هو الدليل المستخبي اللي هيوصل كل أم بابنها وكل أب بضناه الحقيقي، الجنينة كلها اتهزت من الصدمة والستات بقوا يصرخوا والرجالة وقفوا مذهولين من الكارثة اللي انكشفت وفجاه الشاب اللي جاب الصندوق طلع قدام وقال بصوت مهزوز يعني أخويا ماماتش في الحادثة، يعني أمي اللي ماتت مقهورة كانت صح، بصيت للكل ولقيت قلبي بيدق بسرعة مجنونة ودموعي نازلة بس المرة دي مش حزن على اللي راح، دي نار شوق وحماس للحق اللي ظهر، مسكت إيد طارق اللي كان واقف مصدوم وقلت بصوت عالي سمعه الكل مبقاش ينفع نسكت ومبقاش ينفع نبكي على الماضي، دام السر ظهر يبقى لازم نلم عيالنا كلهم ونرجع كل ضنا لمكانه الحقيقي يلا بينا نعرف عيالنا فين
حكايات منال عباس
الكلمة دي نزلت على الكل زي الصاعقة بس بدل ما تكسرنا جمعتنا أكتر وخلت النار اللي في قلوبنا تحول الوجع لقوة جبارة ومن لحظتها اتحولت جنينة بيتنا لعملية بحث منظمة وخلية نحل حقيقية، طارق ما استستمش وفتح الصالون وبقى هو ومجموعة من الرجالة بيراجعوا الورق والكشاكيل ويطابقوا أسماء التواريخ وأرقام السجلات القديمة اللي في الكشاكيل مع شهادات الوفاة المزورة اللي خرجت من المستشفى، والستات والشبان نزلوا على السوشيال ميديا وبقوا ينشروا التفاصيل والأسماء والصور القديمة اللي لاقيناها جوه الصندوق والناس في كل شبر في مصر تفاعلوا مع الحكاية وبقت التريند الأول وكل شاشات الموبايلات والصفحات بتتكلم عن عربيات يحيى وشبكة المستشفى اللي انكشفت، والأيام عدت ورانا كأنها برق، أسبوع ورا أسبوع وفضلنا سايبين بيبان البيت مفتوحة لليل ونهار، لحد يوم الجمعة اللي كان مفصلي في حياتنا كلها، كنت واقفة في الجنينة وبلمس قبعة يحيى الصوف وفجأة سمعت صوت عربيات كتير بتقف بره الشارع وصوت زغاريط وهتافات وناس بتجري، بصيت للباب ولقيت طارق بيجري عليا وعيونه مليانة دموع الفرح وهو بيصرخ ويقول الحقيني يا مريم الحق الكارثة اتحولت لمعجزة، بصيت وراه ولقيت عشرات الأسر والعائلات داخلة الجنينة ومعاهم شباب وأطفال كبار في سن المراهقة والشباب، أمهات بيجروا يضموا عيالهم وأبهات بيحضنوا ضناهم اللي رجع بعد سنين ضياع في حضن ناس تانية، والكل بيعيط بحرقة وفرحة مجنونة، والشاب اللي جاب الصندوق كان حضن أخوه اللي ظهر أخيراً وهو مش مصدق عينه، وفضلنا واقفين في وسط الزحمة دي وأنا باصة لكل الضحكات دي ودموعي بتنزل لحد ما حسيت بإيد دافية بتمسح دمعتي، بصيت لقيت طارق بيبتسم لي بحب وقال لي كنا فاكرين إننا خسرنا ابننا يا مريم بس ربنا عوضنا بألف ابن وألف عيلة، بصيت للسماء ولقيت الشمس طالعة نورة ودافية وغاسلة كل تراب الحزن القديم، وساعتها أدركت إن وجعنا لملم وجع مصر كلها وإن اسم يحيى وكل طفل راح مبقاش مجرد ذكرى حزينة، ده بقى رمز للأمل اللي بيبدأ من جديد، حضنت طارق بقوة وسط زغاريط الأمهات وضحكات العيال اللي رجعت لبيوتها، وهمست لنفسي وأنا حاسة بالسلام لأول مرة من سنين طويلة: إنت ما غبتش يا ابني، إنت فتحت بواب النور لكل اللي كانوا تايهين، ورجعت البيت بس المرة دي جوه روح الوطن كله
تمت ❤️❤️🥰

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *