حقى لا يضيع الاول ل منال عباس
ليلة دفن الحاج عبد الرحيم، كانت السما مغيمة والريح تعوي وسط نخيل البلد كأنها بتنذر بمصيبة جاية.
وقف أولاده التلاتة قدام البيت الكبير، وكل واحد فيهم لابس جلابية سودة ووشه متجهم، لكن الحزن الحقيقي ماكانش في عيونهم… كان في عيون أختهم الوحيدة “نرجس”.
نرجس كانت أصغرهم، بنت هادية وطيبة، عمرها ما رفعت عينها في حد، ولا طلبت أكتر من حقها. كانت واقفة في طرف الساحة ضامة شالها حوالين كتافها، والدموع ساكتة على خدها وهي تبص على باب البيت اللي اتربت فيه.
أخوها الكبير “سالم” قرب منها وقال بصوت ناشف: ـ خلصي عياطك يا نرجس… الستات مالهاش غير ستر جوزها.
رفعت عينيها المليانة وجع وقالت: ـ أبويا كان بيقول طول عمره إننا كلنا ولاده… وإن حقي محفوظ.
ضحك أخوها التاني “حمدي” بسخرية: ـ حقك؟! حقك خدتيه يوم أبوكي جوزك.
أما أصغرهم “فارس” فكان ساكت، لكنه بيبصلها بنظرة فيها قسوة غريبة ماكنتش تعرفها فيه قبل كده.
بعد العزا بأيام، اجتمعوا في أوضة المكتب القديمة. كانت ريحة السجاير مالية المكان، والأوراق مترمية فوق الترابيزة الكبيرة.
المحامي فتح الملف وقال: ـ الحاج عبد الرحيم سايب أراضي ومحلات وبيت البلد والمخزن الكبير…
قاطعه سالم بسرعة: ـ كله هيتقسم بينا احنا الرجالة.
اتسعت عيون نرجس: ـ وإزاي يعني؟! وأنا؟
حمدي رمى ورقة قدامها: ـ امضي هنا إنك متنازلة عن أي حق ليكي.
بصتلهم مصدومة: ـ إنتوا بتتكلموا بجد؟!
سالم خبط بإيده على الترابيزة: ـ اسمعي الكلام يا نرجس بدل ما تندمي.
صوتها ارتجف: ـ دا شرع ربنا… أنا ليا نصيب.
اقترب منها فارس لأول مرة وقال ببرود: ـ الشرع ما يطعمش عيش… وإحنا تعبنا مع أبونا في التجارة سنين.
دموعها نزلت وهي تبص لكل واحد فيهم: ـ وأنا؟! أنا بنت أبوكم برضه!
لكن محدش رد.روايات منال عباس
فضلت الورقة قدامها كأنها حكم إعدام.
وفي لحظة ضعف، وبعد ضغط وتهديد وكلام جارح عن جوزها الفقير وعيشتها، مسكت القلم بإيد بترتعش… ومضت.
أول ما مضت، سالم ابتسم ابتسامة انتصار وهو ياخد الورقة: ـ كده كل واحد عرف حدوده.
خرجت نرجس من البيت يومها وهي حاسة إن روحها اتدفنت مع أبوها.
جوزها “صبري” كان راجل بسيط بيشتغل سواق نص نقل، لكن قلبه أنضف من الكل. أول ما شافها داخلة منهارة، قام بسرعة: ـ مالك يا نرجس؟!
انهارت في حضنه وهي تبكي: ـ إخواتي أكلوا حقي… طردوني من بيت أبويا.
ربت على شعرها بحنان: ـ طول ما أنا عايش محدش يكسرك.
لكن الدنيا ماكانتشي رحيمة.
بعد شهور قليلة، صبري اتعرض لحادثة بشعة وهو راجع بالليل من السفر. رجعوه جثة هامدة ملفوفة في ملاية بيضا.
في ليلة واحدة، نرجس بقت أرملة ومعاها طفل صغير، ومن غير بيت ولا سند.روايات منال عباس
إخواتها حتى ماوقفوش جنبها.
سالم قال ببرود لما راحت تطلب مساعدتهم: ـ كل واحد يشيل شيلته.
وحمدي قفل الباب في وشها: ـ إحنا مش مسؤولين عنك.
أما فارس فكان واقف بعيد، متردد، لكن في الآخر سابها ومشي.
اشتغلت نرجس في تنظيف البيوت عشان تصرف على ابنها “آدم”. كانت تقوم قبل الفجر، تمشي شوارع البلد الباردة، وإيديها تتشقق من الميه والصابون.
ناس كتير كانوا يبصولها بشفقة، وناس بشماتة.
وفي يوم، وهي بتنضف في فيلا كبيرة بالقاهرة لصاحبة أعمال مشهورة اسمها “ليلى المنشاوي”، وقعت صينية القهوة من إيديها بسبب التعب.
الخدم اتخضوا، لكن ليلى وقفت تبص عليها باهتمام.
قالت بهدوء: ـ اسمك إيه؟
ـ نرجس.
ـ شكلك متعلمة… إيه اللي جابك للشغلانة دي؟
سكتت نرجس شوية، وبعدين قالت بابتسامة مكسورة: ـ النصيب.
فضلت ليلى تبصلها للحظات، وبعدها قالت: ـ من بكرة هتشتغلي جوا الشركة بتاعتي… سكرتيرة في الاستقبال.
اتصدمت نرجس: ـ أنا؟!
ـ أيوه… عينك فيها ذكاء مش شوفتهوش في ناس معاهم شهادات.
ومن اليوم ده، بدأت أول خطوة في طريق عمرها ما كانت تتخيله.
تعلمت بسرعة، وكانت تشتغل ليل نهار. كل يوم كانت تثبت نفسها أكتر، لحد ما بقت أقرب شخص لليلى المنشاوي نفسها.
وفي المقابل…
إخواتها التلاتة بدأت تجارتهم تقع واحدة واحدة.
صفقات خسرانة… ديون… مشاكل… وخيانة من ناس كانوا فاكرينهم أصحاب.
وفي ليلة مطر شديدة، كان سالم قاعد في مكتبه المظلم يعد فلوس قليلة متبقية، لما سمع خبر كالصاعقة:
ـ الشركة الكبيرة اللي اشترت مخازن البلد كلها… صاحبتها ست اسمها نرجس صبري.