صفا وسليم حكايات منال عباس الاول
كان صوت الزغاريد مالي بيت الحاجّة زينب، والنسوان متجمعين حوالين “صفا” وهي قاعدة بخجل في ركن الصالون الصغير، لابسة فستان بسيط سماوي، وعينيها مليانة فرحة حاولت تخبيها طول السنين.
بعد تعب وشقى وخدمة في البيوت، أخيرًا ربنا رزقها بعريس محترم… “حسام”، ابن تاجر أدوات كهربائية في الحارة المجاورة.
الحاجّة زينب رفعت الشبكة قدام الكل بفخر: “بصوا يا ناس… بنتي صفا تستاهل الدهب ده كله.”
ابتسمت صفا بخجل وهي تبص للسلسلة والغويشة والخاتم، بينما أختها “سمر” كانت واقفة بعيد، ملامحها جامدة وعينيها مليانة نار.
سمر كانت الأجمل… والأجرأ… لكن محدش اتقدملها زي صفا.
ومن يوم ما الشبكة دخلت البيت وهي حاسة إن الدنيا ظلمتها.
ليلتها… بعد ما الضيوف مشيوا، دخلت صفا أوضتها وهي حاضنة علبة الشبكة بسعادة.
سمر دخلت وراها بابتسامة مصطنعة: “مبروك يا صفا.”
صفا حضنتها بحب: “عقبالك يا رب.”
لكن سمر ما ردتش… بس بصت للعلبة الطويلة اللى فوق السرير، وعينيها لمعت بطريقة خوفت أي حد يشوفها.
—
تاني يوم الصبح…
صفا قامت مفزوعة وهي بتقلب الأوضة بجنون.
“الشبكة فين؟!”
الحاجّة زينب دخلت بسرعة: “في إيه؟!”
صفا بصوت متقطع: “الشبكة… اختفت!”
خلال دقائق البيت كله اتقلب. دوّروا تحت السرير، في الدولاب، في المطبخ… مفيش.
وفجأة…
سمر طلعت من أوضتها وهي ماسكة تليفونها وقالت بتردد متعمد: “أنا… يمكن أعرف حاجة.”
الكل بصّلها.
قالت وهي بتبص لصفا بنظرات اتهام: “امبارح وأنا راجعة من البقال… شوفت صفا واقفة مع عربية سوداء فخمة، وكان فيها راجل غني معروف.”
شهقت الأم: “راجل مين؟!”
“البيه سليم الدمنهوري.”
الاسم نزل على البيت زي الصاعقة.
سليم الدمنهوري… أكبر رجل أعمال في المنطقة. صاحب شركات ومزارع ومصانع. رجل الكل بيهابه.
متكبر… قاسي… وما بيختلطش بحد.
صفا اتسمرت مكانها: “إنتِ بتقولي إيه؟!”
سمر كملت بخبث: “يمكن هو اداها فلوس… أو أخد الشبكة.”
“كدب!” صرخت صفا والدموع مالية عينيها.
لكن الباب اتفتح فجأة… وكان حسام داخل.
ملامحه كانت متغيرة، والغضب مالي عينيه.
“الكلام ده بجد؟”
صفا قربت منه بسرعة: “والله ما حصل!”
لكن سمر طلعت الضربة الأخيرة: “طيب قوليلنا ليه عربية سليم بيه كانت واقفة عند آخر الشارع؟”
سكتت صفا…
لأن الحقيقة؟ إن العربية فعلًا وقفت.
لكن مش علشانها.
هي كانت مجرد خدامة مؤقتة في قصر الدمنهوري، بتنضف مرة كل أسبوع مع الستات.
وحصل إن سليم لمحها امبارح وهي خارجة، وسأل الحارس عن اسمها… بس.
حسام ضحك بسخرية: “يعني أنا كنت فاكرني هتجوز بنت محترمة!”
“حسام بالله عليك اسمعني—”
“الشبكة راحت… والناس بتقول عليكي ماشية مع غني؟! لا يا صفا… أنا مش مغفل.”
وخلع الدبلة من إيدها بعنف.
الحاجّة زينب انهارت في العياط، بينما صفا كانت واقفة كأن روحها خرجت منها.
أما سمر… فكانت مخبية ابتسامة انتصارها.
—
بعد يومين…
صفا راحت قصر الدمنهوري تشتغل وهي مكسورة.
القصر كان ضخم بشكل مرعب. رخام أبيض… نجف كريستال… وهدوء يخوف.
الكل بيتحرك فيه بخوف من سليم بيه.
الستات كانوا بيبصولها وهمسهم واصل لودنها:
“هي دي البنت اللي اتفسخت خطوبتها؟” “بيقولوا كانت ماشية مع راجل غني.” “أكيد مش سهلة.”
صفا نزلت دموعها وهي بتنضف الأرض.
وفجأة…
صوت رجولي جه من وراها: “مين سمحلكم تتكلموا أثناء الشغل؟”
الكل اتجمد.
سليم الدمنهوري كان واقف بهيبته المعتادة. بدلة سودا فخمة… ساعة غالية… ونظرة باردة تخوف.
الستات نزلوا راسهم فورًا.
أما صفا… فأول ما رفعت عينيها عليه، اتوترت.
هو نفسه… الرجل اللى قلب حياتها جحيم من غير ما يقصد.
سليم قرب بخطوات هادية، وعينيه ثبتت عليها بشكل غريب.
“اسمك صفا؟”
هزت راسها بخوف: “أيوه يا بيه.”
فضل ساكت ثواني، كأنه بيقرأ وشها.
ثم قال: “إنتِ مش شبه الكلام اللى بيتقال عنك.”
صفا اتصدمت وبصتله بسرعة.
لكنه لف ومشي، قبل ما يقول للحارس: “أي حد يضايق البنت دي… يترفد فورًا.” حكايات منال عباس
الكل سكت.
أما صفا… فقلبها بدأ يدق لأول مرة بخوف مختلف.
وفي آخر القصر… كان سليم واقف قدام الشباك، ماسك صور كاميرات المراقبة اللى وصلته من بيته القديم…
وفيها… ظهرت سمر بوضوح وهي بتفتح علبة الشبكة في نص الليل.