حكاية سارة بقلم منال عباس الثاني والاخير
حكاية سارة بقلم منال عباس
الثاني والاخير
سارة فضلت قاعدة مكانها وهي باصة للمفتاح الذهبي كأنه مش حقيقي كانت طول عمرها متعودة إن أي حاجة حلوة تبقى من نصيب غيرها وإن نصيبها هي يبقى الشغل والتعب والسكوت لكن المرة دي كل حاجة كانت ماشية بعكس اللي اتعودت عليه
أمها قربت من المكتب وقالت بصوت حاولت تخليه هادي
أكيد أمي كانت تقصد إننا كلنا نروح البنك
المحامي هز رأسه وقال
لا
الوصية واضحة جدا
تذهب الآنسة سارة وحدها وبرفقتها المحامي فقط
ولو رفض أي شخص تنفيذ ده تعتبر الوصية كلها متعطلة ويتم اللجوء للمحكمة
وش أبوها احمر من الغضب
وقال
يعني أمي كانت شاككة فينا
المحامي بص له بثبات
أنا مش هفسر كلام المرحومة
أنا بنفذ اللي كتبته
ريان ضحك بسخرية
يمكن جوه المفتاح ده شوية صور قديمة ولا خاتم دهب
كل القصة دي عشان كده
المحامي سحب ورقة من الملف وحطها قدامه
وقال
المرحومة كتبت كمان إن لو حد استهان بالمفتاح أو حاول يمنع سارة من الوصول للأمانات يتم إثبات ده في المحضر
ريان سكت فجأة
وأم سارة بدأت تحرك صوابعها بتوتر
أما سارة فكانت لسه مش قادرة تستوعب
هي ليه
ليه جدتها اختارتها هي
المحامي بص لها وقال
فيه كمان جزء من الرسالة
ورجع فتح الورقة
وقرأ
يا سارة
عارفة إنك دلوقتي مستغربة
ويمكن تكوني فاكرة إني ظلمت الباقيين
لكن الحقيقة إني بقالي سنين براقب كل واحد فيهم
وشوفت مين كان بياخد
ومين كان بيدي
مين كان بيتعب
ومين كان عايش على تعب غيره
ولقيت إن أكتر واحدة اتحرمت في البيت ده هي إنتي
ولما جيه وقت العدل كان لازم الحق يرجع لصاحبه
سارة غمضت عينيها للحظة
افتكرت وهي عندها عشر سنين لما كانت نفسها تروح رحلة المدرسة
وأبوها قال
الفلوس دي أولى بيها كريم
وافتكرت وهي عندها خمستاشر سنة لما نجحت بتفوق
وكل اللي خدته كان كلمة
برافو
لكن بعدها قامت تعمل الغدا للكل
وافتكرت أول مرتب قبضته
إدته كله لأمها
وقالت لنفسها
أكيد هي محتاجاه أكتر
ومحدش حتى قال لها شكرا
المحامي كمل القراءة
أنا عارفة إنك عمرك ما طالبتي بحاجة
وعشان كده أنا هطلبلك حقي بنفسي
بعد ما تفتحي الأمانات هتفهمي كل حاجة
وهتعرفي ليه فضلت ساكتة السنين دي كلها
وليه كنت مستنية اللحظة دي بالذات
خلص القراءة وقفلت الرسالة
الأوضة غرقت في صمت غريب
الصمت المرة دي مكانش خوف
كان انتظار
أبوها قال بعصبية
طيب نخلص ونروح البنك
المحامي رد
لسه مخلصناش
فيه مستندات لازم تتقري
فتح الملف الكبير
وطلع دفتر صغير قديم
غلافه بني ومتآكل من كتر السنين
قال
دي مذكرات المرحومة
وأوصت إنها تتقري بعد الرسالة مباشرة
أمها اتنهدت بضيق
هي كتبت كل حياتها يعني
المحامي تجاهلها تماما
وفتح أول صفحة
وكان مكتوب بخط واضح
اليوم اللي قررت فيه أكتب الحقيقة
وبدأ يقرأ
أنا الحاجة زينب بكتب الكلام ده وأنا بكامل قوايا العقلية
لأن بعد سنين طويلة من السكوت عرفت إن السكوت ساعات بيكون ظلم
ومن النهارده هكتب كل حاجة حصلت قدامي بالاسم والتاريخ
كل مرة شفت فيها سارة وهي بتتظلم
وكل مرة سمعت فيها كدبة اتقالت عليها
وكل مرة حد خد حقها وهي سكتت
أنا كتبت كل ده
ولو الرسالة دي بتتقري دلوقتي يبقى الوقت جه إن الحقيقة تخرج للنور
المحامي قلب الصفحة
كانت مليانة تواريخ
تاريخ ورا تاريخ
وسطور طويلة
وفي أول سطر قرأه بصوت واضح
يوم خمسة سبتمبر سنة ألفين وخمسة
النهارده سمعت ابني يقول إن تعليم كريم أهم من تعليم سارة عشان هي بنت
وساعتها قررت من جوايا إن البنت دي لازم في يوم تاخد حقها كامل حتى لو أنا مش هكون عايشة وقتها
سارة رفعت رأسها ببطء
وعيونها اتحركت بين أبوها وأمها
لأول مرة شافت الارتباك الحقيقي على وشوشهم
ولأول مرة فهمت إن جدتها مكانتش بتكتب مجرد ذكريات
كانت بتجمع أدلة وسطورها كانت بداية كشف أسرار أخفوها عنها طول عمرها ومازالت الصفحات التالية تحمل ما هو أخطر بكثير مما يتخيله أي واحد منهم بقلم منال عباس
المحامي قفل دفتر المذكرات وبص لسارة وقال
دلوقتي جه وقت آخر خطوة
يلا بينا على البنك
خرجت سارة معاه وهي لسه حاسة إن اللي بيحصل أكبر من قدرتها على الفهم
أما أبوها وأمها وكريم فخرجوا وراهم بعربيتهم
كان كل واحد فيهم بيحاول يتوقع اللي مستخبي جوه الأمانات
وصلوا البنك
دخل المحامي وسلم الورق للموظف
وبعد دقائق رجع الموظف وهو شايل صندوق حديد صغير
حطه قدام سارة وقال
اتفضلي
إنتي صاحبة الحق
إيديها كانت بتترعش وهي بتحط المفتاح في القفل
ولما فتحته لقت ملف كبير وعلبة خشب صغيرة
ورسالة أخيرة
المحامي قال
اقريها
فتحت الرسالة
وكان أول سطر فيها
يا سارة
لو وصلتي للرسالة دي يبقى أنا نجحت أحافظ على حقك
الملف اللي قدامك فيه كل العقود اللي تثبت إن البيت اللي كنتوا عايشين فيه باسمي أنا
وقبل وفاتي نقلته كله باسمك
وكمان فيه شهادات استثمار كنت بشتريها باسمك من وإنتي عندك تمن سنين
كل عيدية كنت الناس بيدهالك وإنتي تديهالي عشان تحافظي عليها كنت بزود عليها من عندي
ومقولتش لحد
ولا حتى ليكي
لحد ما يكبر حقك مع الأيام
فتحت سارة الملف
ولقت العقود فعلا باسمها
وشهادات بمبالغ كبيرة
وأوراق تثبت إن جدتها كانت بتحوش لها سنين طويلة
أمها صرخت
مستحيل
دي كانت فلوس العيلة
المحامي طلع ورقة أخيرة وقال
دي شهادة من الشهر العقاري
والبيت اتنقل باسم سارة قبل الوفاة بسنتين
والإجراءات كلها قانونية
أبوها وقع على الكرسي
كان أول مرة يحس إن الأرض بتتهز من تحته
أما كريم فبص لأخته وقال
يعني هتطردينا من البيت
سارة بصت له بهدوء
وسكتت شوية
كل الذكريات عدت قدامها
كل مرة نامت وهي جعانة
كل مرة اتحرمت
كل مرة اتكسر قلبها
كان سهل جدا تنتقم
كان سهل تقول لهم يخرجوا في نفس اللحظة
لكنها افتكرت جدتها
وافتكرت كلامها
قيمتك في أخلاقك
رفعت رأسها وقالت
لا
مش هطرد حد
البيت هيفضل مفتوح
بس من النهارده مفيش حد هيعاملني كإني خدامة
ولو حد مش قادر يحترمني يبقى هو اللي يختار يمشي
أنا مش هرد الظلم بظلم
لكن كمان مش هسمح بيه تاني
سكتوا كلهم
لأنهم أول مرة يسمعوا سارة وهي بتتكلم بثقة
مرت الشهور
وسارة سابت شغل البيت اللي كان مفروض عليها
وفتحت مشروع صغير كانت بتحلم بيه من سنين
ومع الوقت المشروع كبر
وبقى شركة ناجحة
وكانت بتوظف بنات كتير اتعرضوا لنفس اللي اتعرضت له
وتقول لكل واحدة فيهم
إوعي تصدقي إن تعبك من غير قيمة
أما كريم فاضطر يشتغل لأول مرة في حياته
وعرف يعني إيه يعتمد على نفسه
وأبوها بقى كل يوم يشوف نجاح بنته ويحس بالندم
وفي يوم وقف قدامها وقال
سامحيني
أنا ظلمتك
سارة ابتسمت وقالت
أنا سامحت من زمان
لكن يا بابا فيه فرق بين السماح وإن الإنسان يرجع يعيش بنفس الطريقة القديمة
الاحترام لازم يفضل موجود
هز رأسه وهو عارف إنها عندها حق
أما أمها فقعدت تبكي وهي بتفتكر كل مرة فرقت فيها بين ولادها
وعرفت بعد فوات الأوان إن العدل بين الأبناء مش اختيار
ده واجب
وفي ذكرى وفاة الحاجة زينب بسنة كاملة وقفت سارة قدام قبرها وحطت وردة بيضا وقالت
إنتي أول واحدة شافتني
وأول واحدة آمنت بيا
ووعد مني أفضل أعمل الخير زي ما علمتيني
ومشت وهي رافعة رأسها لأول مرة في حياتها
لأنها فهمت إن الإنسان لما يسكت على الظلم سنين ممكن يخسر نفسه
لكن لما يختار كرامته من غير ما يظلم غيره وقتها بس بيكسب الدنيا والآخرة
وأثبتت الأيام إن اللي يفرق بين ولاده بيزرع الندم في قلبه
أما اللي يعدل بينهم ويقدر تعب كل واحد فيهم فهو اللي يسيب بعده ذكرى طيبة ودعوة صادقة لا تنقطع أبدا بقلم منال عباس
تمت
