روحت اعمل ميكب الثاني والاخير

نزلت درجات السلم بخطوات ثابتة وسريعة، كعب جزمّتي كان بيعمل رنة عالية في المدخل الرخام، رنة بتعلن نهاية حكاية قديمة وبداية حساب ملوش آخر. ورايا كان صوت الجري بيتصاعد، وأحمد بينادي باسمي برعب وهو بينهج نادين! استني يا نادين، أرجوكي افهميني، اقفي بس دقيقة واحدة أفهّمك، والله العظيم إنتِ فاهمة الموضوع غلط خالص!
وقفت قبل ما أخرج من باب العمارة للشارع، ولفيت له ببطء شديد. كان منظره يوجع القلب من كتر الشفقة والمهانة؛ رابطة العنق بتاعته مفكوكة على جنب، قميصه الأبيض متبهدل، وبوكيه الورد الأبيض رماه على درجات السلم وداست عليه رجليه وهو بيجري ورايا. وشه كان شاحب كأنه ميت طالع من قبره.
فاهمة غلط إيه يا أحمد؟ الشقة شقتي، ولا العروسة عروستك، ولا اليوم ده هو عيد ميلادي؟ قولي حاجة واحدة بس أنا فهمتها غلط من المشهد الرخيص اللي كنت لسه شايفاه بعيني فوق؟ سألته بصوت واطي جداً بس النبرة كانت حادة زي الموس، عينيا في عينيه ومفيش فيهم دمعة واحدة.
قرب مني وهو بيمد إيديه بيترجاني، صوابعه كانت بتترعش بطريقة تفضح ضعفه نادين، اسمعيني.. سمر دي كانت مجرد صفقة، باباها مقاول كبير وعنده مشاريع بملايين، وأنا كنت غرقان في ديون وخساير إنتِ ماتعرفيش عنها حاجة.. كنت هكتب عليها وأخلص مصلحتي وأطلع بقرشين يرفعونا لفوق، والله ما حبيت حد غيرك،
إنتِ مراتي وحبيبتي وأم عيالي اللي كنت مستنيهم!
ضحكت.. ضحكة سخرية طلعت من قاع قلبي وصدت في مدخل العمارة أم عيالك؟! ده إنت بقالك سنتين تقولي ناجل الخلفة عشان الدنيا ضيقة والظروف مش سامحة، وأتاريك بتجهز عشك التاني بفلوسي وشقتي! صفقة؟ تسرق شقة أمي اللي كتبتهالي قبل ما تموت، وتوهمني إنك مأجرها بملاليم وبناخد الإيجار نصرفه على علاجك ومشاريعك الفاشلة، عشان تيجي تفرشها لغيري وتعيش فيها دور البيه المقاول؟ إنت مش بس خاين، إنت نصاب وحرامي يا أحمد.
في اللحظة دي، سمعنا دوشة فوق على السلم، مامت سمر كانت نازلة وهي بتزعق بصوت يملى الشارع، وخال سمر وراها، وسمر ماسكة ديل الفستان ومنهارة من العياط. يا نصاب يا واطي! بقا جاي تضحك على بنتي وتقولها أنا مليونير والشقة دي تمليك من حر مالي؟ مرار طافح يطين عيشتك! والله لأفضحك وأوديك في ستين داهية وأعملك محضر في القسم دلوقتي!
أحمد لف وشه ناحيتهم برعب وبقى محتار يبصلي ولا يبصلهم، زي الفار اللي اتحبس في مصيدة من كل اتجاه. انتهزت اللحظة دي وخرجت للشارع. الشارع كان مليان عربيات المعازيم، زينات، وناس مستنية تزف العريس، لكن العريس كان جوة بيتفضح وأنا كنت خارجة برة كابوسه تماماً.
ركبت تاكسي، وأول ما الباب اتقفل، حسيت فجأة ببرد قارص بيهز عظامي. قولت للسواق اطلع على الدقي، لو سمحت.
طول الطريق، التليفون مابطلش رن، أحمد بيرن، رسايل بتنزل ورا بعضها نادين أنا آسف، هعملك كل اللي عايزاه، همسحها من حياتي، متخربيش بيتنا، تعالي نلم الموضوع قبل ما أهلي يعرفوا، ردي عليا أرجوكي. قفلت التليفون تماماً، رميته في قاع الشنطة، وبصيت من شباك العربية على شوارع القاهرة والأنوار اللي بتجري ورا بعضها. افتكرت أول يوم اتقابلنا فيه، لما جه اتقدملي وكان لابس قميص بسيط ومعهوش حتى تمن شبكة معتبرة، ووقفت قصاد أهلي كلهم وقولت راجل محترم وهيصوني، الفلوس بتروح وتيجي. خمس سنين كنت بصحى قبله أعمله فطاره، اشتغل صبح وليل عشان اساعد في مصاريف البيت، ابيع دهبي حتة ورا حتة بحجة أزمة الشغل اللي عمرها ما خلصت، وأتاريه كان بيلم الفلوس دي عشان يشتري بيها سلاسل دهب وأطقم لغيري في نفس اليوم اللي اتجوزنا فيه.
وصلت بيت أهلي، فتحتلي أختي نهى، أول ما شافت وشي اتخضت نادين! مالك يا بنتي؟ وشك عامل كده ليه؟ هو مش أحمد قال مسافر؟
دخلت وقفلت الباب، وقعدت على الكنبة، ومسكت كوباية المية اللي جابتها نهى وشربتها على بؤ واحد. حكيت ليها كل حاجة من أول ما جالي أوردر الميك أب لغاية ما نزلت من العمارة وسبته في قبضة أهل العروسة. نهى وقفت مصدومة وبتخبط على صدرها يا نهار أسود ومنيل! أحمد يعمل كده؟! الواطي الخسيس اللي كنا بنشيله فوق راسنا؟ والله ما نسيبه، إحنا نكلم عمك ونجيب حقك بالقانون ومن غير القانون!
لا يا نهى، بالقانون بس.. ومفيش دوشة، الهدوء هو اللي هيكسره، أحمد جبان، وأنا هعرف أوجعه في أكتر حاجة بيحبها.. مصلحته وفلوسه.
الساعة كانت معدية تلاتة الفجر، اتصلت بأستاذ عاصم، المحامي اللي كان صديق والدي الله يرحمه وماسك كل أوراق عيلتنا. حكيتله الموضوع باختصار شديد، صوته كان هادي وفاهم متقلقيش يا نادين، الشقة عقدها الأصلي وصحته ونفاذه مسجلين باسمك في الشهر العقاري من سنين، وجوده فيها أو تزويره لأي ورق عقد إيجار أو بيع وهمي دي جناية توديه ورا الشمس. ثانياً، الدهب اللي بعتيه، إنتِ محتفظة بفواتيره اللي كانت باسمك ولا لأ؟ أيوة يا أستاذ عاصم، كل الفواتير القديمة معايا في علبة الأوراق اللي في البيت. عظيم، بكرة الصبح تكوني عندي في المكتب، ونبدأ أول خطوة.
تاني يوم الصبح، مكنتش قادرة أنام ولا دقيقة، بس الغريب إني مكنتش حاسة بضعف، كان في قوة غريبة متولدة من الوجع. لبست ونزلت لمكتب المحامي. وأنا قاعدة قدامه، بدأ يجهز كل الدعاوي دعوة طرد للغاصب من الشقة واستردادها فوراً بقوة القانون، بلاغ بالاحتيال واستغلال توكيل قديم كان معايا وهو لغاه بدون علمي لتأجير الشقة، وقضية طلاق للضرر مع المطالبة بكامل حقوقي الشرعية من مؤخر ونفقة ومتعة وقايمة المنقولات كاملة.
وأنا لسه في مكتب المحامي، الباب
لمحة نيوز