حقى لا يضيع الثانى ل منال عباس

وقع الخبر على سالم كأنه طعنة في قلبه.

رفع راسه ببطء وهو يبص للراجل اللي واقف قدامه: ـ قولت مين؟! روايات منال عباس

رد الموظف بتوتر: ـ ست اسمها نرجس صبري… جاية من القاهرة ومعاها رجال أعمال كبار.

حمدي اللي كان قاعد على الكنبة قام بسرعة: ـ مستحيل… نرجس أختنا؟!

أما فارس ففضل ساكت، لكن وشه شحب فجأة، كأن الماضي كله رجع يخبط في دماغه مرة واحدة.

في نفس الوقت…

كانت نرجس نازلة من عربية سوداء فخمة قدام المخازن القديمة اللي كانت ملك أبوها زمان. لبسها الراقي ونظارتها السودا خلو أهل البلد يهمسوا باستغراب.

ـ دي نرجس بنت الحاج عبد الرحيم؟! ـ معقول دي الست الغلبانة اللي كانت بتنضف البيوت؟!

نزلت بهدوء، وشالت النظارة عن عينيها. كانت ملامحها أقوى… لكن جواها وجع السنين لسه عايش.

مدير أعمالها قرب منها: ـ تحبي نبدأ الاجتماع؟

بصت للمخازن وقالت بصوت هادي: ـ أيوه… المكان دا لازم يرجع أقوى من زمان.

دخلت وسط مجموعة رجال الأعمال، وكل واحد فيهم بيتعامل معاها باحترام واضح، لدرجة خلت أهل البلد واقفين مذهولين.

أما سالم، فكان واقف من بعيد يراقبها بعين مليانة صدمة وغل.

همس حمدي: ـ دي جاية تنتقم.

فارس لأول مرة اتكلم: ـ يمكن جاية تاخد حقها وبس.

بصله سالم بعصبية: ـ إنت هتتعاطف معاها دلوقتي؟!

لكن فارس ما ردش.

الليل نزل على البلد، ونرجس كانت قاعدة في أوضتها بالفندق الكبير، تبص من البلكونة على الشوارع القديمة. فجأة سمعت صوت صغير: ـ ماما… هو دا بيت جدو؟

لفت بسرعة لابنها آدم، اللي كبر وبقى عنده عشر سنين.

ابتسمت بحنان: ـ أيوه يا حبيبي.

ـ ليه ماعشناش فيه؟

سكتت للحظة، وبعدين نزلت لمستواه: ـ لأن مش كل البيوت اللي بنخرج منها تبقى بيتنا… البيت الحقيقي هو المكان اللي فيه أمان.

حضنها الطفل وهو يقول: ـ أنا كفاية عليا أكون معاكي.

دمعت عيونها، لكنها مسحت دموعها بسرعة.

في اليوم التالي، البلد كلها كانت بتتكلم عن المشروع الضخم اللي هتعمله نرجس. مصانع، مخازن جديدة، وتشغيل لأهالي البلد.

لكن أكتر حاجة كسرت سالم إنه عرف إن الأرض اللي اشترتها نرجس كانت الأرض اللي اضطر يبيعها بسبب الديون.

دخل البيت بعصبية وهو يزعق: ـ بسببها الناس بقت تبصلنا بشفقة!

حمدي ضرب بإيده على الحيطة: ـ لازم نوقفها.

فارس قال بهدوء: ـ وهي عملت فينا إيه؟! إحنا اللي ظلمناها.

سالم قرب منه بعين حمراء: ـ إوعى تنسى إنك كنت معانا.

رد فارس بصوت منخفض مليان ندم: ـ وأنا عمري ما نسيت.

وفي الليل…روايات منال عباس

وصل لنرجس ظرف من غير اسم.

فتحته بحذر، ولقت جواه صورة قديمة ليها مع أبوها وهي صغيرة، وخلف الصورة مكتوب بخط مرتعش:

“سامحيني… إحنا دمرناكي.”

عرفت فورًا إن الخط لفارس.

لكن قبل ما تستوعب، رن تليفونها.

ردت بهدوء: ـ ألو؟

جالها صوت راجل غريب: ـ لو عايزة تعيشي انتي وابنك بخير… ابعدي عن البلد وبيعي المشروع.

اتجمدت ملامحها: ـ مين معايا؟

لكن الخط اتقفل.

وفي نفس اللحظة…

كان سالم قاعد مع راجل معروف بخطورته في البلد، وقال ببرود: ـ أنا مش هسمح لواحدة ست تاخد كل حاجة مننا… حتى لو كانت أختي.
الهواء كان تقيل في أوضة الفندق، ونرجس واقفة ماسكة التليفون بإيد مرتعشة بعد المكالمة الغامضة.

آدم خرج من الأوضة وهو يفرك عينيه بنعاس: ـ ماما… في حاجة؟

خبّت خوفها بسرعة وابتسمت: ـ لا يا حبيبي… ادخل نام.

لكن أول ما قفل الباب، اختفت ابتسامتها.

كانت حاسة إن في خطر بيقرب… خطر أكبر من مجرد كره إخواتها.

في صباح اليوم التالي، راحت الشركة الجديدة اللي بتتبني على أطراف البلد. العمال كانوا شغالين بحماس، والكل بيتكلم عن الست اللي رجعت البلد بعد سنين وفتحت بيوت ناس كتير.

لكن فجأة…

صوت انفجار دوّى في المكان.

العمال جريوا في كل اتجاه، والدخان طلع من المخزن الخلفي.

صرخت واحدة من الموظفات: ـ حريق! الحريق ماسك في المخزن!

نرجس جريت بسرعة ناحية النار رغم صريخ الحراس. قلبها كان بيدق بعنف وهي تشوف العمال محاصرين جوا.

وفي اللحظة اللي كانت داخلة فيها، إيد قوية شدت دراعها بعنف: ـ إنتِ اتجننتي؟!

لفت بسرعة ولقت فارس قدامها.

كان نفسه مقطوع ووشه مليان تراب، واضح إنه وصل يجري أول ما سمع.

صرخت فيه: ـ سيبني! في ناس جوا!

من غير كلام، دخل فارس وسط النار، وبعد دقائق طويلة خرج شايل عامل فاقد الوعي.

الناس اتجمعت حوالينهم، ونرجس بصتله بذهول.

أول مرة من سنين تشوف في عينيه نفس الأخ اللي كان بيحميها وهي صغيرة.

لكن سالم كان واقف بعيد يراقب المشهد بغضب مرعب.

همس للراجل اللي جنبه: ـ مين قالهم يكتفوا بالحريق؟! أنا قولت تخوفوها بس!

الراجل رد بقلق: ـ النار خرجت عن السيطرة.

اتجمد سالم للحظة… كأنه أدرك إنه بدأ يلعب لعبة أكبر منه.

في المساء، الشرطة حققت في الحادث، لكن مافيش دليل واضح.

نرجس كانت قاعدة في مكتبها، وفارس قدامها ساكت.

قالت أخيرًا: ـ إنت اللي بعتلي الصورة؟روايات منال عباس

هز راسه بالإيجاب.

ـ ليه؟

بلع ريقه بصعوبة: ـ لأني كل يوم بصحى حاسس إني خسرت نفسي يوم وقفنا ضدك.

ضحكت ضحكة موجوعة: ـ بعد إيه يا فارس؟ بعد ما ضاع عمري؟

خفض عينيه: ـ عارف إن مافيش كلام هيصلح اللي حصل… بس سالم مش هيسيبك.

اتوترت ملامحها: ـ يعني إيه؟

بصلها مباشرة: ـ سالم عليه ديون كبيرة… وداخل مع ناس خطر. لو المشروع نجح، كل الناس هتعرف إنه فشل، وهو مستحيل يستحمل دا.

وفي نفس اللحظة، دخل الحارس بسرعة: ـ يا مدام نرجس… ابن حضرتك مش موجود!

قلبها وقع.

وقفت فجأة: ـ يعني إيه مش موجود؟!

ـ كان بيلعب في الجنينة… وفجأة اختفى.

شحبت ملامحها وهي تجري برا الفندق بجنون: ـ آدم! آآدم!

كانت بتلف الشوارع وهي تصرخ باسمه، لحد ما تليفونها رن.

ردت بأنفاس متقطعة: ـ ابني فين؟!روايات منال عباس

جاها نفس الصوت الغامض: ـ قولتلك ابعدي عن البلد… المرة دي مجرد تحذير.

صرخت بانهيار: ـ لو ابني حصله حاجة هقتلكم!

لكن المتصل ضحك وقفّل الخط.

وقفت نرجس وسط الشارع والناس حواليها، وعينيها مليانة رعب لأول مرة من سنين.

أما فارس، فكان واقف بعيد، قبضته مشدودة بعنف، وهو يهمس: ـ سالم… إنت عملت إيه؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *