سر كيكه العسل حواديت توتا
قبل ما أعرف آسر الدمنهوري حتى بساعة، كنت رميت كيس دقيق في وشه بكل قوتي، لدرجة إن بدلته الكحلي الغامق وجزمته اللامعة اتغطوا بالدقيق من فوق لتحت.
المخبز كله سكت.
وأنا واقفة قدام أخطر راجل في عالم الجريمة في القاهرة، وببص له بثبات وبقوله
يمكن دلوقتي تفهم أخيرًا إن كلمة لأ معناها لأ.
اسمي ملك عبدالسلام، عندي 31 سنة، ومخبز ريحة البيت في مصر الجديدة ملكي أنا.
بصحى كل يوم الساعة تلاتة ونص الفجر، وبقضي يومي بين العجين والفرن والقهوة، فبقيت مرهقة لدرجة إني اكتشفت إن الرجالة المسلحين اللي واقفين بين السينابون وماكينة القهوة بقوا آخر حاجة ممكن تخوفني.
آسر بص لنفسه ببطء، وبعدين رفع عينه عليّا.
إنتِ فاشلة جدًا في التفاوض.
ضحكت بسخرية.
لأ… إنت بس مش متعود إن حد يقولك لأ.
ورا ضهره، عمته سهير الدمنهوري شرقت من الضحك.
بصيت لها بضيق.
كل ده بسببك.
والست كانت مبسوطة بشكل مستفز!
من عشر دقايق بس، كانت سهير بتقول لواحدة من قرايبها إن آسر مش هيقدر يحضر عزومة العيلة عشان جاي هنا مع حبيبته.
وبعدين بكل بجاحة أشارت عليّا.
آسر قال بهدوء
أنا كنت بحاول أشتري كل اللي في الفاترينة عشان ما استناش في الطابور.
بصيت له بحدة.
إنت كنت عايز تشتري المخبز كله عشان ما تقفش خمس دقايق!
واحد من رجاله كتم ضحكته.
آسر بص له.
الراجل بلع ضحكته في ثانية.
وبعدين سهير قررت تبوّظ حياتي أكتر، وأصرت قدام الكل إني فعلًا حبيبته.
استنيت آسر ينفي الكلام.
لكنه قال بمنتهى البرود
بقالنا تلات شهور.
حسيت أعصابي هتنفجر.
ابطل تقول إني حبيبتك!
عمتي صدقت خلاص.
وأنا مالي؟
هتبطل ترتبلي عرايس كل يوم.
مبروك… دور على حبيبة مزيفة غيري.
بص في عيني وقال
أنا أفضل إنتِ.
اتنرفزت أكتر.
ليه؟
سكت ثواني، وبعدين قال
عشان عمتي مصدقاكي.
بصيت له باستنكار.
إجابة غلط.
وأشرت ناحية الباب.
اطلع بره.
لكن آسر بدل ما يمشي، حط كارت بيزنس قدامي على الرخامة.
عندي عرض.
لأ.
إنتِ لسه سمعتيش العرض.
أنا سمعت كفاية من رجالة بيبدأوا كلامهم بالكذب وبيعلنوا إني حبيبتهم من غير إذني.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
مثلي إنك حبيبتي لمدة تلات أسابيع، وأنا هديكي مبلغ محترم مقابل وقتك.
بصيت له بصدمة.
إنت عايز تدفعلي فلوس عشان أمثل إني حبيبتك؟
مقابل وقتك.
وقتي له تمن… إنما كرامتي ملهاش تمن.
وساعتها قال رقم خلاني أسكت للحظة.
لكن بدل ما أوافق…
كيس الدقيق طار في الهوا.
وفي صباح اليوم اللي بعده، الساعة 8 وربع بالظبط، عربيته السودا وقفت قدام المخبز تاني.
قبل ما يوصل للكاونتر قلت
لأ.
قال بمنتهى الهدوء
عايز قهوة بس.
دفع تمن القهوة بالظبط ومشي.
رجع تاني يوم.
وبعده تاني يوم.
وفي اليوم التالت كنت خلاص هطرده بنفسي…
لحد ما شوفت البنت اللي كانت واقفة جنبه.
بنت حوالي 16 سنة، شعرها أسود مربوط في كحكة ملخبطة، ولابسة سويت شيرت رمادي واسع.
لكن اللي شدني مش شكلها…
كان وشها.
البرود اللي على ملامحها كان واضح إنه مش برود عادي.
ده وش بنت اتعودت تخبي وجعها عشان محدش يسألها
مالك؟
آسر فتح لها باب المخبز.
وفي اللحظة دي حصل شيء غريب.
الراجل اللي بيخوف ناس كتير في القاهرة…
اتغير.
كتافه ارتخت، وصوته بقى أهدى.
ملك، دي بنت أخويا… نور.
نور بصتلي شوية، وبعدين قالت
إنتِ بقى الحبيبة المزيفة المشهورة؟
رديت بسرعة
أنا مش حبيبته أصلًا.
ولأول مرة…
نور ابتسمت.
ابتسامة صغيرة جدًا.
لكن آسر شافها.
وأنا شفت آسر وهو شايفها.
والحاجة اللي ظهرت في عينيه وقتها خلتني أسكت.
ارتياح.
أول مرة أشوف الإحساس ده على وش راجل زي آسر الدمنهوري.
فجأة فهمت إن زياراته اليومية للمخبز يمكن ماكانتش بسبب موضوع الحبيبة المزيفة.
يمكن كان بيدور على حاجة تانية.
حاجة تخص البنت دي.
نزلت كيس الدقيق من إيدي ببطء.
نور قربت من الفاترينة، وبصت للحلويات، وبعدين أشارت لصنف معين.
إيه دي؟
قلت
كيكة العسل بالقرفة.
في نفس اللحظة، ابتسامتها اختفت.
وآسر اتجمد مكانه.
نور بصت للكيكة وقالت بصوت واطي
ماما كانت بتعملها زمان…
بصيت لآسر.
وشه كان اتغير تمامًا.
قرب مني خطوة، وقال بصوت منخفض
ملك… في حاجة لازم تعرفيها عن نور.
قلبي دق بسرعة.
لأن في اللحظة دي فهمت حاجة واحدة
آسر الدمنهوري ماجابش بنت أخوه لمخبزي بالصدفة.
والحكاية اللي بدأت بكيس دقيق وحبيبة مزيفة…
كان وراها سر ممكن يغيّر حياة كل واحد فينا.
والأسوأ؟
إني بدأت أحس إن السر ده…
له علاقة بيا أنا كمان.
الفصل الأول سر كيكة العسل
فضلت واقفة مكاني وأنا ببص لآسر.
هو كان واقف قدامي، بس المرة دي مفيش أي أثر للراجل المستفز اللي دخل حياتي من كام يوم وقلب المخبز لساحة معركة.
كان وشه جامد، لكن عينيه كانت بتقول حاجة تانية.
نور كانت لسه واقفة قدام الفاترينة، عينيها معلقة على كيكة العسل بالقرفة.
قلت بهدوء
إيه اللي لازم أعرفه عنها؟
آسر بص لنور.
نور… روحي اقعدي جوه شوية.
البنت هزت راسها.
ليه؟
عشان عايز أتكلم مع ملك.
نور بصتلي، وبعدين بصتله.
هي مش هتقولك لأ؟
حاولت أخبي ابتسامتي.
آسر رفع حاجبه.
نور.
حاضر.
راحت قعدت على ترابيزة في آخر المخبز، بس واضح جدًا إنها كانت بتسمع كل كلمة.
آسر رجع بصلي.
نور فقدت والدتها من أربع سنين.
سكت.
حادثة عربية؟
أيوه.
وأبوها؟
آسر شد فكه.
مات قبلها بسنة.
بصيت لنور.
كانت قاعدة لوحدها، بتحرك المعلقة في فنجان الشوكولاتة من غير ما تشرب.
قلت
يعني إنت مربيها؟
أنا عمها.
فاهمة إنك عمها.
بصلي.
أبوها كان أخويا.
نبرة صوته اتغيرت.
بعد ما مات، نور فضلت مع أمها. وبعد موت أمها… أخدتها عندي.
ومفيش حد تاني من العيلة؟
فيه.
سكت لحظة.
بس مش كل الناس ينفع يتقال عليهم عيلة.
الكلمة دي خلتني أبصله أكتر.
آسر كمل
نور بقالها أربع سنين مش بتتكلم عن أمها.
ليه؟
مش عارف.
مش عارف؟
كل ما أسألها بتقفل الموضوع.
بصيت ناحية نور.
والكيكة؟
آسر اتنهد.
دي أول مرة من أربع سنين تقول حاجة عن أمها من نفسها.
سكتنا.
وبعدين سألته
طب إيه علاقتي أنا؟
وشه اتقفل.
هنا المشكلة.
حسيت حاجة ساقعة نزلت في ضهري.
يعني إيه؟
طلع موبايله وفتح صورة.
مدهولي.
كانت صورة قديمة جدًا.
ست شابة واقفة قدام مخبز صغير.
وفي إيدها صينية كيكة.
قربت الصورة من وشي.
المخبز كان قديم، بس عرفت المكان.
اتنفض قلبي.
ده…
آسر قال
مخبز أبوكي.
رفعت عيني له.
إنت عرفت منين؟
لأن الصورة كانت عند أم نور.
قلبي بدأ يدق أسرع.
إيه اللي يخلي صورة أم نور عند أبويا؟
آسر ما ردش.
بدل كده قال
أنا كنت بدور على إجابة.
لإيه؟
لسبب موت أخويا ومراته.
اتجمدت.
إنت شاكك إنهم ماتوا مقتولين؟
أنا متأكد إن الحادثة ما كانتش حادثة.
فضلت ساكتة.
آسر قرب خطوة.
وأم نور قبل ما تموت بأيام كانت بتدور على شخص اسمه عبدالسلام.
اسمي الكامل.
اسم أبويا.
عبدالسلام.
قلت بصوت متقطع
أبويا مات من خمس سنين.
عارف.
يبقى بتدور على إيه؟
مش عارف.
وأنا مالي؟
آسر بص في عيني.
عشان أم نور كانت بتزور أبوكي قبل موتها.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
رجعت خطوة لورا.
إنت بتقول إيه؟
بقول إن والدك كان آخر شخص اتكلمت معاه قبل موتها.
مستحيل.
ليه؟
عشان أبويا عمره ما قال لي حاجة.
يمكن لأنه كان بيحاول يحميكي.
ضحكت بسخرية.
يحمني من إيه؟
آسر سكت.
وفي اللحظة دي نور قامت فجأة.
عمو.
آسر لف لها.
نعم؟
قالت
ممكن آخد واحدة من كيكة العسل؟
آسر بصلي.
أنا ابتسمت رغم توتري.
طبعًا.
قطعت لها قطعة وحطيتها في طبق.
نور أخدتها وقعدت.
أول لقمة حطتها في بوقها، عينيها دمعت.
قلت
مش حلوة؟
هزت راسها بسرعة.
لأ… حلوة.
وسكتت.
وبعدين قالت
نفس الطعم.
آسر قرب منها.
نفس طعم إيه؟
نور بصتله.
طعم ماما.
آسر غمض عينيه لحظة.
وبعدين سأل
ماما كانت بتجيبلك الكيكة دي من هنا؟
نور هزت راسها.
أيوه.
بصيت لها.
إنتِ فاكرة؟
كنت صغيرة، بس فاكرة.
كانت بتيجي هنا؟
أيوه.
سألتها
كانت بتعرف حد هنا؟
نور بصتلي طويلًا.
كانت بتقول إن صاحبة المخبز هتفهم.
اتجمدت.
صاحبة المخبز؟
أيوه.
كانت تعرفني؟
نور هزت راسها.
لأ.
تنفست براحة.
لكنها كملت
كانت تعرف أبوكي.
قلبي وقع.
آسر مد إيده وخد الطبق من قدامها.
نور، مين قالك الكلام ده؟
ماما.
إمتى؟
قبل ما تموت.
آسر اتوتر.
قالتلك إيه تاني؟
نور سكتت.
نور.
البنت بصتله وقالت
قالت إن لو حصل لها حاجة، ما أثقش في حد من عيلة الدمنهوري.
وش آسر اتغير.
أنا بصيتله.
لأول مرة أشوف الخوف الحقيقي في عينيه.
مش خوف على نفسه.
خوف من الحقيقة.
بعد ما