حرس الحدود مشيرة محمد

كل يوم كانت ست عجوز تعدّي الحدود بعجلة قديمة جدًا… وفي سلتها كيس رمل.

حرس الحدود فتشوا كيس الرمل ده مئات المرات.

فتحوه…
فضّوا الرمل على الأرض…
فتشوا قاع الكيس…
حللوا الرمل في المعمل…
ودوروا على أي حاجة مخبية.

لكنهم عمرهم ما لقوا حاجة.

سنين طويلة مرت، والجدة لسه بتظهر كل صباح بنفس العجلة ونفس كيس الرمل.

لحد اليوم اللي واحد من الحراس القدامى خرج على المعاش، وقابلها بالصدفة بعد سنين.

وقف قدامها وقال:

ـ يا حاجة… أنا مش هسيبك المرة دي غير لما أعرف الحقيقة.

ابتسمت الجدة، وربتت على عجلة قديمة كانت بتجرها جنبها، وقالت:

ـ الحقيقة كانت قدامكم طول الوقت يا ابني… بس إنتوا كنتوا بتبصوا في المكان الغلط.

وبعدين قالت له جملة خلته يفضل ساكت ثواني طويلة:

ـ إنتوا كنتوا بتفتشوا الرمل… وأنا عمري ما كنت بهرب الرمل أصلًا.

الحكاية بدأت من سنين طويلة، في نقطة تفتيش حدودية بعيدة عن الزحمة.

كان المكان بيصحى بدري جدًا.

قبل شروق الشمس بقليل، الحراس يبدأوا شغلهم، العربيات تقف في طوابير، والمسافرين يطلعوا أوراقهم، وكل واحد يعدّي من الإجراءات المعتادة.

وفي يوم من الأيام، مع أول ساعة من فتح نقطة التفتيش، ظهرت ست عجوز.

كانت تقريبًا في أواخر الستينات أو أوائل السبعينات.

لابسة هدوم بسيطة، وطرحتها مربوطة بإحكام تحت دقنها، وراكبة عجلة قديمة شكلها كأنها عاشت عمر أطول من عمر بعض الحراس الموجودين.

العجلة كانت متهالكة جدًا.

المقود مائل ناحية اليمين.

السلسلة بتطلع صوت.

والدواسات بتصرخ مع كل لفة.

وفي السلة اللي قدام العجلة كان فيه كيس كبير من الرمل.

الكيس كان مربوط كويس جدًا.

وصلت الجدة عند نقطة التفتيش، نزلت من العجلة، وساقت العجلة بإيدها لحد ما وصلت للحارس.

الحارس بص على أوراقها، وبعدين بص على الكيس.

ـ إيه ده؟

قالت بهدوء:

ـ رمل يا ابني.

ضحك الحارس وقال:

ـ واضح إنه رمل.

وسمح لها تعدي.

في اليوم التاني…

ظهرت الجدة تاني.

نفس العجلة.

نفس السلة.

ونفس كيس الرمل.

الحارس اللي كان موجود اليوم ده افتكرها.

ـ إنتِ مش كنتِ هنا امبارح؟

ـ أيوه.

ـ وبرضه معاكي رمل؟

ـ أيوه يا ابني.

ضحك وعداها.

لكن اليوم التالت حصل نفس الشيء.

والرابع.

والخامس.

وبعد أسبوع، بدأ الحراس ياخدوا بالهم.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *