رسالة ما قبل النهاية حصرية الاول ل منال عباس

في ليلة شتوية باردة، كانت “أم شيماء” قاعدة قدام باب البيت الصغير، عينيها معلّقة في آخر الشارع الضيق، تستنى بنتها ترجع زي كل يوم.

الساعة قربت من عشرة بالليل… وده ماكانش طبيعي.

شيماء عمرها ما اتأخرت بالشكل ده.

مسكت تليفونها للمرة العاشرة، واتصلت بيها… لكن الموبايل كان مقفول.

قلبها بدأ يدق بعنف.

خرجت لأخت شيماء الصغيرة وقالت بصوت متوتر: ـ شيماء قالتلك رايحة فين؟

البنت هزّت راسها بخوف: ـ قالت هتقابل صاحبتها وترجع بسرعة يا ماما.منال عباس

لكن الأم كانت حاسة إن فيه مصيبة.

من سنتين تقريبًا، وشيماء رجعت البيت مكسورة… بعد ما هربت مع “ريان”.

وقتها البنت كانت فاكرة إنها بتحبّه.

كان يدخل لها من رسائل الفيسبوك بهدوء: ـ إنتِ مختلفة عن كل البنات. ـ محدش فاهمك غيري. ـ أنا الوحيد اللي بحبك بجد.

كلام بسيط… لكنه دخل قلب بنت صغيرة محرومة من الاحتواء.

ريان كان يعرف يختار كلماته بعناية.

كل يوم يزرع جواها فكرة جديدة: إن أمها قاسية. إن الفقر هو سبب تعاستها. إن أهلها عايزين يتحكموا فيها. وإنه هو طوق النجاة الوحيد.

ومع الوقت… بقت تصدقه أكتر من نفسها.

أم شيماء حاولت تبعدها عنه.

كانت شايفة في عينيه حاجة تخوف.

نظراته ماكنتش مريحة، وكلامه دايمًا فيه تهديد مستخبي.

لكن شيماء وقتها كانت شايفة أمها عدوة لحبها.

وفي ليلة، هربت معاه.

اختفت أيام كاملة.

أمها فضلت تلف الشوارع زي المجنونة، تسأل هنا وهناك، لحد ما عرفوا إنها مع ريان في شقة بعيدة عن الحي.

ولما رجعت…

رجعت نسخة تانية من بنتها.

وشها شاحب. إيديها مليانة كدمات. وعينيها مطفية كأن الروح خرجت منها.

وقتها حضنتها أمها وهي بتعيط: ـ مين عمل فيكي كده يا بنتي؟

لكن شيماء ما ردتش.

فضلت ساكتة ساعات طويلة… لحد ما انهارت فجأة وهي بتصرخ: ـ كان بيضربني… كان بيحب يتحكم فيا… كان بيقولي لو سيبته هيموتني!

الكلمات نزلت على قلب أمها كالسكاكين.

وفي اليوم التالي، راحت القسم وقدمت بلاغ رسمي.

الناس وقتها بدأوا يلوموها: ـ هتفضحي بنتك. ـ اسكتي أحسن. ـ دي سمعة بنات.

لكن الأم ما سكتتش.

وبعد شهور من التحقيقات، اتحكم على ريان بالسجن.

يومها شيماء لأول مرة تنام مرتاحة.

بدأت تحاول ترجع لحياتها.

بقت تساعد أمها في البيت، وتضحك أحيانًا، وتحلم تكمل تعليمها.

لكن كل ما تسمع اسمه… كانت ترتعش.

وفي أحد الأيام…

خرج ريان من السجن.

الحي كله عرف الخبر.

والأم قلبها وقع.

في نفس الليلة، كانت شيماء واقفة قدام المراية، تحاول تسرّح شعرها المرتبك، لكن إيديها كانت بتترعش.

دخلت أمها الأوضة بسرعة: ـ ماتنزليش لوحدك اليومين دول.

شيماء حاولت تبان قوية: ـ خلاص يا ماما… الموضوع انتهى.

لكن الأم قربت منها وهمست بخوف: ـ الناس اللي زي ده عمرهم ما بينسوا.

مرت أيام قليلة…منال عباس

وفي عصر يوم خانق من صيف 2020، خرجت شيماء من البيت بعد ما وصلتها رسالة على تليفونها.

قرأت الرسالة واتغيّر لون وشها.

أمها لاحظت: ـ في إيه؟

شيماء ارتبكت بسرعة وقفلت الموبايل: ـ مافيش… هروح أجيب حاجة وراجعة.

ـ استني آخدك.

ـ لا يا ماما… خمس دقايق بس.

ونزلت.

كانت ماشية بسرعة وكأنها خايفة حد يشوفها.

وفي آخر الشارع… كانت عربية سوداء واقفة.

والشخص اللي جوّاها كان بيراقبها بصمت.
شيماء وقفت لحظة قدام العربية.

قلبها كان بيخبط بعنف، ورجليها شبه متجمدة.

الزجاج الأسود نزل ببطء… وظهر وجه ريان.

نفس النظرة الباردة. نفس الابتسامة اللي كانت تخوفها أكتر ما تطمنها.

قال بهدوء: ـ اركبي… عايز أتكلم معاكي بس.

شيماء رجعت خطوة لورا: ـ مافيش بينا كلام.

ريان ضحك بسخرية: ـ بعد اللي حصل كله؟ حتى فرصة أشرح؟

ـ أنا مش عايزة أسمعك.

حاولت تمشي، لكنه نادى عليها بصوت منخفض: ـ أمك هتدفع التمن.

وقفت مكانها فورًا.

لفت له بعينين مرتعبتين: ـ تقصد إيه؟

ريان سند بإيده على باب العربية: ـ اركبي… ومحدش هيحصله حاجة.

الخوف غلبها.

ركبت وهي بتحاول تتحكم في رعشة إيديها.

العربية اتحركت بسرعة وسط الشوارع الضيقة، وشيماء حاسة إنها داخلة لنفق أسود ملوش نهاية.

بعد دقائق طويلة، وصلوا لمكان مهجور على أطراف المدينة.

محطة بنزين قديمة، مهملة، مفيهاش غير لمبة مكسورة بتنور وتطفي.

شيماء بصت حواليها بخوف: ـ جبتني هنا ليه؟

ريان نزل من العربية بهدوء، وقفل الباب وراه.

ـ علشان نتكلم براحتنا.

ـ أنا عايزة أرجع البيت.

قرب منها ببطء: ـ ليه عملتي فيا كده يا شيماء؟

ـ أنا؟!

صوته بدأ يعلى: ـ دخلتيني السجن! خلتيني أضيع!

شيماء رجعت لورا وهي تبكي: ـ إنت اللي ظلمتني… إنت اللي كنت بتضربني!

ريان قبض على دراعها بعنف: ـ كنت بحبك!

صرخت وهي تحاول تبعده: ـ الحب مش كده!

لكن عينيه كانت مليانة غضب مرعب.

فجأة رن تليفون شيماء.

ريان خطفه بسرعة.

كانت أمها.

بص للشاشة ثواني… ثم قفل الخط.

شيماء شهقت: ـ رجعهولي!

لكنه رماه بعيد.

وبص لها نظرة طويلة مخيفة: ـ إنتِ السبب في كل اللي حصلي.

وفي نفس الوقت…

كانت أم شيماء تلف البيت بقلق.

كل دقيقة تبص للساعة.

كل دقيقة تتصل.

لكن الموبايل مقفول.

خرجت تجري للشارع تسأل الناس: ـ حد شاف شيماء؟!

الجيران بدأوا يتجمعوا.

واحدة قالت: ـ شوفت عربية سودا واقفة هنا من شوية.

الأم حسّت ببرودة في جسمها.

همست بخوف: ـ يا رب…

وفجأة… وصلت رسالة على موبايلها من رقم غريب.

“لو عايزة بنتك… تعالي محطة البنزين القديمة لوحدك.”

إيديها بدأت ترتعش بعنف.

الجيران حاولوا يمنعوها: ـ ماتروحيش لوحدك!

لكنها كانت خارجة تجري وكأن روحها بتسحبها هناك.

الطريق كان مظلم.

وكل خطوة كانت تخنقها أكتر.

ولما وصلت…

المكان كان ساكت بشكل مرعب.

لا صوت. لا حركة.

فقط ريحة دخان قوية مالية الجو.

الأم نادت بصوت متقطع: ـ شيماء!

محدش رد.

مشت وسط الظلام لحد ما لمحت نار صغيرة لسه بتطلع دخان من جنب المحطة.

قربت ببطء…

وفجأة تجمدت مكانها.

كان فيه كيس أسود كبير مرمي على الأرض.

وحوله آثار حريق.

الأم قربت أكتر، وقلبها بينهار.

وبيد مرتعشة… فتحت طرف الكيس.

وفي اللحظة دي… طلع منها صراخ هز المكان كله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *