رسالة ما قبل النهايه حصريه الثانى ل منال عباس
الصراخ اللي خرج من أم شيماء كان كأنه بيشق الليل كله.
وقعت على ركبها، وإيديها بتترعش وهي ماسكة طرف الكيس الأسود.بقلم منال عباس
ماقدرتش تشوف كل حاجة مرة واحدة… بس اللي ظهر كان كفاية يخلي عقلها ينهار.
رجعت لورا وهي بتصرخ: ـ لا… لااا… مش بنتي!
صوتها كان بيتهز في المكان المهجور، لكن مفيش حد بيرد.
وقعت على الأرض، وفضلت تضرب في التراب وهي بتعيط: ـ شيماء… قومي يا بنتي… ردي عليا!
لكن السكون كان أفظع من أي رد.
بعد لحظات، بدأت الشرطة توصل للمكان بعد بلاغ من الجيران اللي سمعوا صراخها.
العساكر دخلوا بسرعة، ولقوها منهارة على الأرض.
ظابط قرب منها: ـ هدي نفسك يا حاجة… إيه اللي حصل؟
بصت له بعينين مكسورين: ـ بنتي… بنتي كانت هنا…
أشارت ناحية الكيس بصعوبة.
الظابط أمر الفريق يفتحوا المكان بحذر.
الهواء كان تقيل، ورائحة الحريق لسه موجودة.
ولما اتكشف جزء من الحقيقة… الكل سكت.
حتى أصواتهم اختفت.
واحد من الضباط غطى وشه بسرعة.
والآخر وقف مكانه مش قادر يتحرك.
الأم بصت لهم وهي بتترجف: ـ فين بنتي؟ فين شيماء؟!
لكن محدش قدر يرد.
في نفس الوقت…
على بعد كيلومترات، كانت عربية سودة ماشية بسرعة في طريق مظلم.
ريان كان سايق وهو ساكت.
إيده عليها آثار تراب وحروق خفيفة.
كان بيبص في المراية كل شوية.
وبعدين ابتسم ابتسامة باردة جدًا.
وقف على جنب الطريق، ونزل من العربية.
رمى حاجة صغيرة كانت في جيبه في الترعة القريبة، وكمل طريقه وكأن مفيش حاجة حصلت.
رجع للمدينة عادي.
دخل مقهى صغير، طلب قهوة، وقعد.
كان بيبص للتليفزيون اللي بيعرض خبر عاجل عن “حادثة محطة البنزين”.
الناس حواليه بيتكلموا: ـ يا ساتر… جريمة بشعة. ـ إزاي حد يعمل كده؟
وهو كان قاعد هادي… بيحرك السكر في القهوة ببطء.
بعد شوية، اتفتح باب المقهى…
ودخلت سيدة عجوز بتبكي، وبتسأل كل الناس: ـ حد شاف بنتي؟ حد شاف شيماء؟
ريان رفع عينه عليها لحظة…
وبعدين رجع يبص لكوباية القهوة.
متحركش.
مقالش حاجة.
ولا حتى طرف عينه اتهز.
الأم بدأت تلف على كل واحد في المكان، لحد ما قربت منه.
وقفت قدامه: ـ إنت شفتها؟ أنا بنتي كانت هنا!
رفع عينه لها ببطء، وقال بهدوء مخيف: ـ ما شفتش حد.
لحظة صمت ثقيلة.
وبعدين الأم خرجت وهي بتنهار.
بعد ما مشيت، بص لورا الباب…
وابتسامة صغيرة ظهرت على وشه.
وفي نفس الليلة…
التحقيقات بدأت تتوسع.
الكاميرات بدأت تتراجع.
الموبايلات اتفحصت.
ورسالة واحدة بس كانت هي المفتاح.
رسالة من ريان لشيماء قبل ما تختفي بدقائق.
لكن الغريب…
إن مفيش أي دليل مباشر عليه.
ولا بصمات واضحة.
ولا شهود مستعدين يتكلموا.
كأنه شبح. منال عباس
وفي قسم الشرطة…
الظابط اللي ماسك القضية قفل الملف لحظة، وبص للصورة اللي قدامه.
صورة شيماء وهي بتضحك قبل الحادث بشهور.
همس لنفسه: ـ لازم يطلع الحقيقة… حتى لو كانت مدفونة.
وبينما التحقيقات بتبدأ تاخد طريق جديد…
ريان كان واقف في شقته بالليل، بيبص من الشباك.
والشارع تحت هادي جدًا.
لكن وراه… كان فيه حد بيراقبه لأول مرة.
الظلام كان تقيل في الشارع، وريان واقف عند الشباك كأنه مستني حاجة.
حسّ لأول مرة إن فيه عينين عليه.
ببطء لفّ وراه… لكن مفيش حد.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال لنفسه: ـ كله انتهى.
وفي قسم الشرطة، الضابط المسؤول عن القضية كان قاعد قدام ملف شيماء، وبيراجع كل تفصيلة من جديد.
كل الرسائل. كل المكالمات. كل حركة حصلت في اليوم ده.
وفجأة… توقف عند حاجة صغيرة.
كاميرا محطة البنزين.
اللقطات كانت ضعيفة، لكن واضحة كفاية.
عربية سودا دخلت المكان. شيماء نزلت. ريان نزل بعدها بدقائق.
لكن اللي لفت نظره… إن في لحظة معينة، ريان كان بيرجع خطوة لورا وهو شايل حاجة تقيلة.
الضابط قرب عينه من الشاشة: ـ إيه اللي في إيده؟
أعاد الفيديو أكتر من مرة.
وبعدها قال بصوت منخفض: ـ ده مش تصرف واحد كان بيحاول يهدّي الأمور…منال عباس
بدأت خيوط جديدة تتفتح.
تم استدعاء شهود ماكانوش عايزين يتكلموا قبل كده.
واحدة من الجيران قالت بصوت مرتعش: ـ أنا شفت عربية سودا واقفة وقت طويل… وكان فيه صوت صريخ خافت.
شاهد تاني قال: ـ هو كان راجع بسرعة جدًا بعد ما دخل المكان.
الملف بدأ يتحول.
وفي نفس الوقت…
ريان بدأ يحس إن الدنيا بتضيق عليه.
ناس غريبة بدأت تراقبه من بعيد.
تليفونه اتعمله تتبع.
وكل خطوة بيعملها بقت محسوبة.
في ليلة هادئة، حاول يخرج من المدينة.
ركب عربيته، وساق بسرعة في طريق صحراوي.
لكن بعد مسافة قصيرة…
لقي عربية شرطة قدامه.
قفلت الطريق.
نزل الظابط ببطء، ووجهه ثابت: ـ ريان… انزل من العربية.
سكت لحظة، وبعدين ابتسم: ـ مفيش حاجة تثبت عليا.
الظابط رد بهدوء: ـ الكاميرات قالت غير كده.
لحظة صمت.
الابتسامة اختفت من وش ريان.
ولأول مرة… عينيه فيها ارتباك.
تم تقييده.
واتنقل للتحقيق.
في غرفة الاستجواب، الإضاءة كانت قوية.
الظابط حط الصور قدامه: ـ شيماء راحت فين؟
ريان سكت.
الظابط قرب: ـ كل الأدلة بتقول إنك كنت هناك.
بدأ يتنفس بسرعة.
وبعد لحظات صمت طويلة…
قال بصوت منخفض: ـ أنا ما كنتش عايز كده…
الظابط: ـ إنت عملت إيه؟
سكت تاني.
وبعدين انكسر صوته: ـ حصلت حاجة… خرجت عن السيطرة…
في نفس الوقت، أم شيماء كانت قاعدة في بيتها، ماسكة هدوم بنتها، وما بتتكلمش.
مفيش دموع جديدة… كأن الدموع خلصت.
بس جواها نار ما بتطفيش.
التحقيق استمر أيام.
والاعترافات بدأت تظهر جزء جزء.
القضية اتقفلت رسميًا بعد ما اتأكدت تفاصيل الجريمة، واتحوّل الرأي العام كله لهزة كبيرة في البلد.
وفي آخر جلسة…
القاضي أعلن الحكم.
ريان وقف، مش بيتكلم.
ولا بيبص لحد.
لكن قبل ما يخرج، لفّ لحظة ناحية الجمهور.
وشاف الأم.
كانت قاعدة ساكتة، بتبص له نظرة واحدة بس… مليانة وجع.
هو ما اتحركش.
ما ندمش قدامهم.
بس عينه نزلت للأرض لأول مرة.
بعد الحكم، خرجت الأم من القاعة.
وقفت قدام الشمس.
ومسكت وشها بإيديها.
وقالت بصوت مكسور: ـ يا رب… خدلي حقي.
وبعدها مشت لوحدها.
القضية خلصت في الأوراق…
لكن في قلبها عمرها ما خلصت.
وفي السجن…
ريان كان قاعد في زنزانته لوحده.
ساكت.
بيبص للسقف.
ولأول مرة…
ماكانش فيه ابتسامة.
وفي هدوء الليل داخل الزنزانة، كان ريان قاعد لوحده، السكون حواليه تقيل بشكل يخنق أي فكرة.
مفيش صوت غير خطوات الحراس من بعيد.
كان بيبص في الحيطة قدامه كأنه مستني صورة تتغير… أو وقت يرجع.
لكن مفيش حاجة رجعت.
الماضي كان ثابت مكانه، والنتيجة قدامه واضحة ومقفولة.
وفي الجهة التانية من المدينة، أم شيماء كانت ماشية في شارع طويل قريب من بيتها، شايلة شنطة بنتها القديمة.
كل خطوة كانت تقيلة، بس ثابتة.
مش عشان الألم اختفى… لكن عشان الاستسلام ما بقاش اختيارها.
وقفت لحظة قدام المدرسة اللي كانت شيماء بتحلم تكمل فيها تعليمها. منال عباس
بصت للباب الحديدي بصمت طويل، وبعدين همست: ـ كنتي هتبقي حاجة كبيرة يا بنتي…
دمعة نزلت بس من غير صوت.
ومسحتها بسرعة.
رجعت البيت، وقعدت في أوضة بنتها.
نفس السرير. نفس الدفتر القديم. نفس الريحة اللي لسه ما اختفتش.
فتحت الدفتر، ولقت شيماء كاتبة من زمان: “نفسي أعيش حياة أكون فيها أنا مش نسخة من حد…”
قفلت الدفتر بحذر، وحضنته.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة عمرها ما كانت شايفاها بوضوح قبل كده:
إن الشر أحيانًا ما بيجيش مرة واحدة… لكن بيبدأ بكلمة، بثقة غلط، وبحد بيوهمك إنه الأمان.
وإن الحب اللي مفيهوش احترام ولا أمان… بيتحول لأذى مهما كان شكله في الأول جميل.
وفي آخر اليوم، خرجت الأم وقفت قدام باب البيت، بصت للسماء وقالت بهدوء:
ـ لو كنتي هنا، كنتي هقولك… ما تديش ثقتك للي ما يستاهلهاش… وما تسيبيش حد يبعدك عن اللي بيحبوك.
سكتت لحظة، وبعدين كملت: ـ الرحمة ليكي يا بنتي… والعدالة اللي اتأخرت، مش دايمًا بتداوي القلب… بس بتعلمه يعيش.
ومشت في الشارع بخطوات أهدى من الأول… بس وجعها كان باقٍ، ووعيها أكبر.
وفي النهاية…
القصة ما كانتش عن جريمة بس.
كانت عن ثقة اتسرقت، وعن حب اتشوّه، وعن قرار واحد ممكن يغيّر حياة كاملة.
العبرة: إن أقرب طريق للنجاة… هو الوعي، وإن أي علاقة بلا احترام وأمان… مهما بدأت جميلة، ممكن تنتهي بكارثة لا رجوع منها.
تمت
متابعه ولايك لبيدج روايات منال عباس
ليصلك كل جديد