رفضوا ترقيتى فى المصنع الثاني

مرت ساعتان على إغلاق الباب في وجه “سامر” و”ريم”. كان الصمت في منزلي يتناقض تمامًا مع الضجيج الذي أتخيله داخل أروقة المصنع.

فجأة، اهتز هاتف “ياسين” ابني. كان المتصل هذه المرة ليس سامر، بل “الحاج عبد الحميد”، صاحب المصنع وكبير العائلة التي تملكه، الرجل الذي لم يظهر في المصنع منذ سنوات بسبب مرضه، وفوض الإدارة لصهره سامر.

أشار لي ياسين بهاتفه، فأومأت له بالرد وفتح مكبر الصوت.

جاء صوت الحاج وهنًا لكنه حاد كالسيف:

“يا ياسين.. قل لوالدتك أنني أمام باب بيتها.. وأني لم أقطع هذه المسافة وأنا في حالتي هذه إلا لأني أعرف من هي أمينة.”

نظرتُ إلى ياسين بذهول. لم أتوقع أن تصل الأمور إلى صاحب الشأن الكبير.

فتحتُ الباب، فوجدتُ الرجل العجوز يجلس في سيارته، وبجانبه سامر وريم يقفان كالتلاميذ الموبخين، ورؤوسهما في الأرض.

نزل الحاج عبد الحميد بصعوبة، متوكئًا على عصاه. أشرتُ له بالدخول إكرامًا لشيبته وتاريخه، فهو الوحيد الذي كان يقدرني قديمًا.

جلس في الصالون، ونظر إلى سامر وقال بغضب مكتوم:

“قالوا لي إنكِ استقلتِ لأنكِ تعبتِ.. لكنني اكتشفتُ الآن أن هذا الغبي أراد استبدال العقل الذي بنى المصنع بـ ‘ديكور’ للمكتب.”

ثم التفت إليّ وقال بنبرة هادئة:

“أمينة.. المصنع الآن متوقف تمامًا. الوفد الخليجي رفض الانتظار وغادر للمطار، لكنهم تركوا رسالة واحدة: (إذا لم يتم شحن الطلبية الطبية خلال أربع ساعات، فالعقد ملغى والشروط الجزائية ستقصم ظهر الشركة). أنا لا أطلب منكِ العودة من أجل سامر أو ريم.. أنا أطلب منكِ إنقاذ شقى عمري.”

قلتُ له بمرارة:

“يا حاج عبد الحميد.. سامر قال أمام العمال إن وجهي يخيف العملاء.. وريم عرضت عليّ وظيفة ‘عاملة بوفيه’ بعد ٢٢ سنة من الكفاح.”

احمرّ وجه الحاج غضبًا، ونظر إلى سامر الذي كان يتصبب عرقًا، وقال بصوت هز جدران الغرفة:

“سامر.. اعتذر لها الآن.. اعتذارًا يليق بمقامها. وأنتِ يا ريم.. سلمي مفاتيح مكتب الإدارة لأمينة، فأنتِ من اليوم تعودين لمكتب السكرتارية تحت اختبارها هي.”

صعقت ريم وتراجعت خطوة للخلف، بينما بلع سامر ريقه وقال بصوت منكسر:

“أنا آسف يا أستاذة أمينة.. لم أقدر قيمتكِ كما يجب، وكان كلامي طائشًا.”

لم أنظر إليهم، بل نظرت إلى الحاج وقلت:

“الاعتذار لا يكفي يا حاج. المصنع يحتاج لهيكلة كاملة. النظام الذي أغلقته لن يفتح بكلمة سر فقط، بل يحتاج لإعادة صلاحيات. وأنا لن أعود بصفة ‘مديرة إنتاج’ فقط.. أنا أعود بشراكة في الإدارة التقنية، وبضمان أن ابني ياسين لن يمسه أحد في مستودعه.”

وافق الحاج دون تردد: “لكِ ما شئتِ.. المهم أن ينبض قلب المصنع من جديد.”

وقفتُ وسحبتُ معطفي، ونظرتُ إلى ريم التي كانت تنظر إليّ بحقد مكتوم، فقلتُ لها بهدوء:

“جهزي أوراق الشحنة يا ريم.. وتذكري، الجمال قد يفتح الأبواب، لكن العقل هو الذي يبقيها مفتوحة.”

ركبنا السيارات وانطلقنا نحو المصنع في سباق مع الزمن. حين دخلتُ من البوابة، كان العمال يتراصون في الممرات، ساد صمت رهيب.. ثم فجأة، بدأ أحدهم بالتصفيق، وتبعه الجميع في تظاهرة حب لم أتوقعها.

توجهتُ مباشرة إلى الحاسوب القديم. كانت الشاشة لا تزال تومض باللون الأحمر. أصابعي بدأت تتحرك على لوحة المفاتيح بسرعة لم تفقدها السنوات.

لكن، وبينما كنتُ على وشك إدخال “كود الإنقاذ”، توقفتُ فجأة.

رأيتُ شيئًا غريبًا في لوحة التحكم.. شيء لم أفعله أنا.

همستُ لياسين الذي كان يقف خلفي:

“ياسين.. هناك اختراق خارجي حدث في الساعتين الماضيتين.. شخص ما حاول كسر الحماية وتسبب في تشفير قاعدة البيانات بالكامل!”

في تلك اللحظة، رن جرس المصنع معلنًا وصول سيارة سوداء فخمة.. لم يكن الوفد الخليجي، بل كان شخصًا لم نكن نتوقعه أبدًا.

 

ترجّلت من السيارة السوداء شخصية لم أتوقع رؤيتها هنا أبدًا؛ إنه “ياسر”، المهندس الذي طردته الشركة قبل ثلاث سنوات بتوصية من سامر بتهمة “عدم الكفاءة”، رغم أنه كان أذكى مساعد عملتُ معه يوماً.

كان ياسر يبتسم ابتسامة غامضة، وبيده جهاز حاسوب محمول (Laptop). تقدم نحو الحاج عبد الحميد الذي كان ينظر إليه باستغراب، بينما شحب وجه سامر تماماً وكأنه رأى شبحاً.

قال ياسر بصوت واثق:

“مساء الخير يا حاج.. سمعت أن ‘القلب البرمجي’ للمصنع توقف، فقلت آتي لأعرض خدماتي، بما أنني الآن أملك شركة متخصصة في حلول الأمن السيبراني.”

التفتتُ نحو شاشتي مجدداً. الآن فهمت! الاختراق الذي رأيته لم يكن عشوائياً، كان ياسر يراقب النظام من بعيد، وبمجرد أن أغلقتُ أنا حسابي الشخصي، ثغرات النظام التي كنتُ أرقعها يدوياً أصبحت مكشوفة، فاستغلها هو ليضع يده على المصنع بالكامل.

اقترب مني ياسر وهمس:

“أستاذة أمينة.. أنتِ قمتِ بإنزال الستار، وأنا قمتُ بقفل المسرح. لا أحد غيري وغيركِ يستطيع إعادة هذه الماكينات للحياة. لكن الفرق بيني وبينكِ، أنني لا أريد اعتذاراً.. أنا أريد حصة من هذا المصنع الذي طردني كالأجانب.”

نظر الحاج عبد الحميد إليّ بعينين حائرتين: “ماذا يحدث يا أمينة؟ هل هذا الشاب هو من عطّل كل شيء؟”

قبل أن أجيب، اندفعت ريم بتهور وقالت: “بالتأكيد هما متفقان! أمينة مهدت الطريق، وياسر نفذ الهجوم! يجب إبلاغ الشرطة الآن!”

ضحكتُ بقوة، ضحكة هزت كيان ريم المهزوز، وقلت:

“الشرطة؟ إذا دخلت الشرطة الآن وصودرت الأجهزة للفحص، ستتوقف الشحنة ليس لأربع ساعات، بل لأربعة أشهر.. وعندها سيعلن المصنع إفلاسه رسمياً قبل الفجر.”

ساد الصمت. كان سامر يرتجف، والحاج ينظر إلى حطام إمبراطوريته.

نظرتُ إلى ياسر وقلت له بصرامة المعلمة:

“ياسر.. أنت تعلم أنني أستطيع كسر تشفيرك في ساعة، لكننا لا نملك إلا دقائق. المصنع ليس مجرد جدران وماكينات، هؤلاء العمال خلفك بيوتهم مفتوحة من هذا المكان. انتقامك من سامر لا يجب أن يحرق الجميع.”

تردد ياسر، فتابعتُ بقوة:

“اسحب اختراقك الآن، وسأضمن لك عقداً رسمياً لشركتك لتأمين المصنع بالكامل وبالمبلغ الذي تطلبه.. هذا وعد ‘أمينة’.”

نظر ياسر إلى الحاج، فأومأ الحاج برأسه بالموافقة، وهو ينظر لسامر باحتقار وكأنه يرى سبب كل هذه المصائب.

بدأ ياسر بالعمل بجانبي. كانت أصابعنا تتسابق على لوحة المفاتيح في سيمفونية تقنية مذهلة. وفي غضون عشر دقائق، تحولت الشاشات من الأحمر إلى الأخضر.

فجأة، انطلقت الصافرة الطويلة..

بدأت السيور في الحركة.

دوّت الماكينات في أرجاء العنبر كزئير الأسد الذي عاد للحياة.

صاح عامل الشحن من بعيد: “النظام يعمل! البوليصات تُطبع الآن!”

بينما كان الجميع يحتفل، اقترب مني الحاج عبد الحميد وهمس في أذني:

“أمينة.. غداً صباحاً، أريدكِ في مكتبي ومعكِ ياسين. هناك أوراق يجب أن تُوقع، ليس فقط لشغل منصب مدير الإنتاج.. بل لإعادة كتابة عقد ملكية الإدارة بالكامل.”

نظرتُ إلى ريم وسامر؛ كانا يقفان بعيداً، معزولين تماماً عن الفرحة، كأنهما قطع غيار تالفة لم يعد لها مكان في الماكينة الجديدة.

لكن، وبينما كنتُ أغلق النظام لتأمين الشحنة الأخيرة، ظهرت رسالة غريبة على شاشتي لم يلاحظها أحد غيري. رسالة ليست من نظامي، وليست من اختراق ياسر.

كانت الرسالة تقول: **”العملية تمت بنجاح.. شكراً لكِ على المساعدة يا أمينة.”**

تسمرتُ في مكاني. هل كان هناك طرف ثالث يراقبنا؟ ومن هو الذي ساعدته دون أن أعلم؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *