رفضوا ترقيتى فى المصنع الثالث
تجمدت الدماء في عروقي وأنا أقرأ تلك الرسالة الغامضة. نظرتُ حولي بسرعة؛ ياسر كان مشغولاً بجمع أجهزته، والحاج عبد الحميد يتحدث في الهاتف ليبشر المطار بتحرك الشحنة، وسامر وريم يتجرعان مرارة الهزيمة في زاوية بعيدة.
من الذي أرسل هذه الرسالة؟ ومن هو “الطرف الثالث” الذي اعتبر خروجي واختراق ياسر “مساعدة” له؟
لم تمضِ دقائق حتى دخلت سيارة فخمة أخرى إلى ساحة المصنع، لكن هذه المرة كانت تحمل شعار “هيئة الرقابة والتفتيش الصناعي”. نزل منها رجل بملامح صارمة، يحمل في يده أمراً رسمياً بالتفتيش.
ارتبك الحاج عبد الحميد وقال: “يا فندم، نحن أصلحنا العطل، والشحنة في طريقها الآن.. لا يوجد داعٍ لهذا.”
رد المسؤول ببرود: “نحن لسنا هنا من أجل العطل الفني. نحن هنا بناءً على بلاغ مدعوم بملفات مسربة تفيد بوجود ‘مواد أولية منتهية الصلاحية’ تُستخدم في الشحنة الطبية المتوجهة للخليج.”
سقطت الكلمات كالصاعقة. نظرتُ إلى ريم، فرأيت وجهها يتحول من الشحوب إلى بياض الموت. تذكرتُ فجأة “ملف التشغيل” الخاص بي الذي استعارته ريم ولم تعده.. ذلك الملف لم يكن يحتوي على أكواد البرمجة فقط، بل كان يحتوي على سجلات المخازن السرية التي كان سامر يخفيها عني!
أدركتُ في تلك اللحظة اللعبة القذرة. ريم لم تكن تريد مكاني فقط، بل كانت “كبش فداء” جهزه سامر ليغطي على جريمته في تزوير الخامات. والرسالة التي ظهرت على شاشتي؟ كانت من شخص في الداخل، شخص يعرف أن تعطيل النظام سيكشف المستور.
تقدم المسؤول نحو “ريم” وقال: “أستاذة ريم، بصفتكِ مديرة الإنتاج الحالية والموقعة على كشوف الاستلام الأخيرة، أنتِ مطلوبة للتحقيق.”
صرخت ريم بهستيريا وهي تشير إلى سامر: “أنا لم أفعل شيئاً! هو من أمرني! هو من قال لي إن هذه الخامات موفرة للميزانية! سامر هو المسؤول!”
نظر سامر إليها باحتقار وقال ببرود: “أنا مجرد مدير إداري، أنتِ من وقعتِ على جودة الإنتاج يا ريم.. الأوراق تثبت ذلك.”
هنا تدخلتُ. مشيتُ نحو المسؤول وقلت بصوت هادئ ورزين:
“سيادة المفتش.. الأستاذة ريم تولت الإدارة منذ ساعات فقط. لكن إذا أردت معرفة الحقيقة، فانظر إلى سجلات ‘الأوامر الملغاة’ في النظام الذي أصلحته الآن. هناك أوامر شراء تم مسحها يدوياً قبل شهر، ولم يكن يملك صلاحية مسحها إلا المدير الإداري.. المهندس سامر.”
ارتبك سامر وصاح: “أنتِ تكذبين! أنتِ حاقدة لأنني رفضت ترقيتك!”
ابتسمتُ وقلت له: “تنسى دائماً يا سامر أنني من كتب الكود.. النظام لا ينسى، والملفات التي ظننت أنك حذفتها، كانت تُحفظ تلقائياً في نسخة احتياطية (Mirror) لا يعرف مكانها غيري.”
التفت المسؤول لرجاله وقال: “تحفظوا على المهندس سامر وعلى كافة الأوراق في مكتبه.”
بينما كان رجال الأمن يقتادون سامر وريم للخارج وسط ذهول العمال، اقترب مني الحاج عبد الحميد ودموعه تنهمر: “يا أمينة.. هل وصل به الغدر أن يغش في دواء الناس؟ هل كنتُ سأقضي آخر أيامي في السجن بسببه؟”
أمسكتُ يده وقلت: “المصنع سيتطهر يا حاج.. لكن الضربة القادمة ليست من الداخل.”
في تلك اللحظة، اهتز هاتف المسؤول عن التفتيش، وبعد أن أجاب، تغيرت ملامحه تماماً ونظر إليّ بنظرة غريبة، ثم قال بصوت مسموع للجميع:
“جاءنا بلاغ الآن.. الوفد الخليجي لم يغادر للمطار كما ظننتم. هم الآن في طريقهم للعودة للمصنع، ومعهم (المشتري الجديد) الذي اشترى أسهم الشركة المتعثرة في البورصة قبل ساعة واحدة فقط.”
اتسعت عينا الحاج عبد الحميد: “مشتري جديد؟ من يجرؤ على شراء شركة تحت التفتيش؟”
انفتح باب المصنع مرة أخرى، ودخل شاب في الثلاثينات، يرتدي بدلة عصرية بسيطة، لم يكن غريباً عليّ.. كان هو “الطرف الثالث”.
توقف أمامي، ونظر إلى شاشة الحاسوب القديم ثم إليّ، وقال بابتسامة هادئة:
“شكراً لأنكِ لم توقعي على الاستقالة يا أمينة.. لو وقعتِ، لما استطعتُ إثبات التلاعب الذي كنتُ أراقبه منذ شهور.”
قلتُ له بذهول: “من أنت؟”
قال وهو يمد يده: “أنا ‘خالد’.. الابن الذي لم يخبركم الحاج عبد الحميد عنه، والذي كان يعمل في صمت بعيداً عن صراعات العائلة.. والآن، أنا المالك الجديد لأغلبية الأسهم.. وأنتِ، شريكتي الأساسية.”
لكن فرحة “خالد” لم تدم طويلاً، فقد قاطعه صوت “ياسين” ابني وهو يركض نحونا وهو يصرخ:
“أمي! المخزن رقم ٤! هناك حريق بدأ يلتهم شحنة المواد الكيميائية.. والمنظومة ترفض فتح أبواب الطوارئ!”
نظرتُ إلى الشاشة.. الرسالة الغامضة اختفت، وظهر مكانها عد تنازلي باللون الأسود. الأزمة لم تنتهِ، بل بدأت للتو.
انخلعت القلوب مع صرخة “ياسين”، وتحول مشهد النصر إلى كابوس في ثوانٍ معدودة. كان الدخان الأسود الكثيف قد بدأ يتسرب من تحت أبواب المخزن رقم 4، وهو المخزن الذي يحتوي على المواد الكيميائية القابلة للاشتعال التي كان “سامر” يخفيها.
ركض “خالد” نحو لوحة التحكم اليدوية، لكنها كانت معطلة. صرخ في الفنيين: “افتحوا الأبواب يدويًا! سيتسبب الحريق في انفجار المصنع كله!”
عدتُ إلى حاسوبي، كانت أصابعي تطير فوق لوحة المفاتيح، لكن الصدمة شلت تفكيري للحظة؛ العد التنازلي على الشاشة لم يكن مجرد عطل، كان “فيروسًا مدمرًا” (Logic Bomb) زرعه سامر كخطة بديلة إذا ما كُشف أمره. كان قد صمم النظام ليغلق جميع مخارج الطوارئ ويوقف مضخات الحريق إذا تم الدخول إلى سجلات المحذوفات.
قلت بصوت جهوري قطع ضجيج الذعر: “ياسين! ابتعد عن الباب فورًا! الأبواب لن تفتح ميكانيكيًا، النظام قام بتعشيق الأقفال المغناطيسية بقوة الضغط العالي!”
التفت إليّ “خالد” وعيناه تملؤهما الريبة والهلع: “أمينة، هل يمكنكِ إيقاف العد التنازلي؟”
أجبتُ وعيني لا تفارق الشاشة: “سامر لم يكن يعمل وحده.. الكود الذي أمامي الآن مكتوب بلغة احترافية، هذا ليس عمله الطائش. هناك جهة أخرى أرادت مسح المصنع من الخريطة بمجرد كشف التلاعب.”
في تلك اللحظة، تعطلت مراوح التهوية، وبدأ الأكسجين يقل في العنبر الرئيسي. ساد الهرج والمرج، والعمال يتدافعون نحو البوابات الخارجية التي أُغلقت هي الأخرى فجأة.
أمسك “ياسر” (مهندس الأمن السيبراني) بجهاز المحمول الخاص به وحاول الاتصال بالخادم الرئيسي، لكنه صرخ: “لقد عزلوا المصنع عن العالم! لا إنترنت، لا إشارات هواتف.. نحن في سجن تقني!”
نظرتُ إلى ياسين، كان يحاول مع زملائه كسر الزجاج المقوى، لكن دون جدوى. تذكرتُ وقتها شيئًا كنت قد أخفيته في قلب النظام منذ عشر سنوات، “بابًا خلفيًا” ماديًا لا يعتمد على البرمجيات، بل على تذبذب التيار الكهربائي.
صرختُ في “خالد”: “خالد! اقطع التيار عن القسم (ب) فقط، ثم أعِده ثلاث مرات متتالية في أقل من خمس ثوانٍ! هذا سيفجر الفيوزات المغناطيسية للأبواب!”
تردد خالد: “هذا قد يحرق اللوحة الأم للمصنع بالكامل!”
صرختُ فيه بحدة: “المصنع سيحترق بكل الأحوال بعد دقيقتين! افعل ما أقوله لك!”
ركض خالد نحو غرفة القواطع الرئيسية. وفي تلك الأثناء، كنتُ أحاول يائسة تأخير العد التنازلي عبر إغراق المعالج بعمليات حسابية وهمية لأشتت الفيروس.
واحد.. اثنان.. ثلاثة!
دوى صوت انفجار كهربائي مكتوم، واهتزت الأضواء، وفجأة.. “تكة” الأقفال المغناطيسية أعلنت الحرية. انفتحت الأبواب، واندفع العمال للخارج، بينما سارع فريق الإطفاء الداخلي للتعامل مع الحريق قبل وصوله للخزانات الكبرى.
سقطتُ على مقعدي، وأنا ألهث. دخل “خالد” إلى العنبر وهو يمسح وجهه الملطخ بالشحام، ونظر إليّ بامتنان لا يوصف. لكنني لم أكن أنظر إليه، كنت أنظر إلى الشاشة التي توقفت عند الثانية “00:01”.
ظهرت رسالة أخيرة على الشاشة، لكنها لم تكن نصية هذه المرة.. كانت صورة.
صورة قديمة جدًا، تعود لليوم الذي افتُتح فيه المصنع قبل اثنين وعشرين عامًا. كنتُ فيها أقف بجانب “الحاج عبد الحميد” وشخص آخر تم قص وجهه من الصورة.
وتحت الصورة كُتبت جملة واحدة:
**”الماضي لا يحترق يا أمينة.. هو فقط ينتظر اللحظة المناسبة ليعود.”**
انقبض قلبي. الشخص المقصوص من الصورة.. أنا أعرفه. إنه الشخص الذي ظن الجميع أنه مات في حادث الحريق الأول للمصنع منذ عقدين، الشخص الذي كان يمتلك نصف الأسهم قبل أن تؤول للحاج عبد الحميد.
التفتُّ إلى الحاج عبد الحميد الذي كان يقف بعيدًا، يراقب المشهد بوجه شاحب كالأموات، وسألته بصوت يرتجف:
“يا حاج.. من الذي قصصته من صورة الافتتاح؟ ومن الذي أخبرك أن ‘عثمان’ مات فعليًا في ذلك الحريق؟”
سقطت العصا من يد الحاج، وبينما كان يحاول الكلام، اقتحم أحد رجال الأمن المكان وهو يصرخ:
“يا فندم! المهندس سامر وريم.. لقد اختفيا من سيارة الترحيلات! هناك سيارة سوداء مجهولة اعترضت الطريق وهربتهما!”
أدركتُ حينها أن الحرب لم تكن مع سامر وريم.. هؤلاء كانوا مجرد أحجار شطرنج. الحرب الحقيقية بدأت الآن، مع شبح من الماضي عاد ليطالب ليس فقط بالمصنع، بل برأسي أنا والحاج عبد الحميد.