خمس رصاصات

خمس رصاصات اخترقوا جسم الدكتورة الغلبانة في ثانية واحدة عشان تحمي أم الكينج.. ومكنتش تعرف إنها هي اللي مطلوبة بالاسم!
عمرها داليا ما تخيلت إن دعوتها لعشاء بسيط في قصر السيوفي هتكون السبب في إن اسمها يتصدر مانشيتات الجرايد ومواقع التواصل. هي أصلاً مكنتش من العالم ده، مكانش عندها فساتين سواريه غالية، ولا ألماظ بيلمع تحت نجف الكريستال، ولا حرس واقفين مستنيينها برا عيادتها المتواضعة. داليا كانت دكتورة علاج نفسي، بنت ممرضة طيبة ومدرس لغة عربية علمها إن كرامة البني آدم مش بفلوسه، لكن بطريقته في التعامل مع الناس الغلابة. على مدار سنين، داليا اشتغلت مع ناس شافت الويل؛ ستات بتترعش من الخوف، وأطفال مكسورة، ورجالة حاطة هموم الدنيا فوق كتافها. عشان كدة، لما الحاجة فاطمة دخلت عيادتها أول مرة، داليا مشافت الخوف اللي الناس بتشوفه، شافت ست مسنة إيدها بترتعش على شنطتها، عينيها مطفية، وشايلة حزن قديم عايش تحت جلدها.
الحاجة فاطمة كانت أم سليم السيوفي، الملياردير صاحب الشركات الكبيرة، وملك السكوت. في العلن، الناس بتقول عليه رجل أعمال ناجح، وفي السر ووشوشة البيوت، بيقولوا عليه الكينج. محدش كان بينطق اسم عيلته

من غير ما يلتفت وراه الأول. سليم مكنش بيثق في مخلوق، ومكنش طايق فكرة إن أمه تروح لدكتورة نفسية. أول مرة جاب أمه العيادة، فضّل واقف جمب الباب؛ طول وعرض، بدلة سودا مظبوطة ع الشعرة، ونظرة عين تقطع النفس من الخوف. بص لداليا وقال بنبرة تهديد لو زعلتيها يا دكتورة، مش هيكون فيه حيطة في البلد دي كلها تستخبي وراها مني. داليا رفعت راسها وبصت في عينيه من غير ما ترمش وقالت ببرود يا سليم بيه، لو كنت بتهدد كل الناس اللي بتحاول تساعد والدتك، يبقى العيب مش عندي، العيب عندك أنت. الحاجة فاطمة ضحكت ضحكة خفيفة من قلبها، ودي كانت أول مرة سليم يسمع ضحكة أمه من شهور.
من اللحظة دي، كل حاجة اتغيرت. أسبوع ورا أسبوع، الحاجة فاطمة بدأت تتكلم؛ عيطت على جوزها اللي مات، وعلى عيالها اللي كبروا وسط العز والخوف، وعلى الليالي اللي قضتها صاحية مستنية سليم يرجع لها عايش. داليا محكمتش عليها، مألحتش في أسئلة، ولا دورت ورا أسرار؛ هي بس علمتها إزاي تتنفس من غير ذنب، وتفتكر إنها لسه تقدر تختار السلام حتى لو كانت عايشة وسط حرب. بعد ٣ شهور، الحاجة فاطمة صممت تعزمها على العشاء في بيتها، وقالت لها ليلة واحدة يا بنتي، عاوزة ابني يشوف إن لسه فيه ناس طيبة في الدنيا وملهاش تمن. داليا ترددت؛ كانت عارفة إن دخولها قصر السيوفي خطوة خطرة، بس نظرة الرجاء في عين الست خلتها توافق.
الليلة دي، السفرة كانت ملكية؛ مفارش بيضاء مطرزة، كاسات كريستال، وورد أبيض في كل مكان. سليم كان قاعد على رأس التربيزة كأنه ملك تعبان من حكمه، ورجالته بيتحركوا زي الإشباح حوالين القاعة. الحاجة فاطمة كانت طايرة من الفرحة، لابة فستان أزرق هادي وقعدت داليا جمبها كأنها بتحميها من هيبة المكان. سليم بص لداليا وقال بصوته الرخيم أمي بتتكلم عنك كأنك رجعتي لها الروح من جديد.. ولسه الكلمة مكملتش، ونور القصر كله انطفى، وصوت ضرب نار زي الرعد هز الحيطان، وخمس رصاصات اخترقوا الصمت وجسم داليا الغرقان في دمه!
يا ترى مين اللي خطط لضرب النار ده جوه قصر سليم السيوفي والرجالة محاصرين المكان؟ وإيه السر المرعب اللي الدكتورة داليا عرفته من غير ما تقصد وهيقلب حياتها وحياة سليم وعيلته كلها؟ وإزاي سليم السيوفي هيحارب طوب الأرض عشان ينتقم للدكتورة بعد ما عرف إن الرصاص كان مقصود ليها هي بالذات؟

أول رصاصة دخلت في كتف داليا.
التانية خرمت جنبها وهي بتحاول تقوم.
أما التالتة والرابعة والخامسة
فكانوا هيدخلوا في صدر الحاجة فاطمة مباشرة، لولا إن داليا رمت نفسها عليها بكل جسمها.
صرخة الحاجة فاطمة شقت القصر
دالياااا!
القاعة اتقلبت جحيم.
الكراسي اتكسرت، الحرس سحبوا أسلحتهم، والضيوف جريوا يستخبوا تحت الترابيزات.
لكن سليم السيوفي
مكانش شايف غير الدم.
دم داليا.
الدكتورة الغلبانة اللي دخلت بيته عشان تساعد أمه، دلوقتي مرمية على الرخام الأبيض وجسمها بيتنفض من النزيف.
سليم جرى عليها لأول مرة في حياته بقلب راجل مرعوب مش كينج.
ركع على الأرض، شال راسها بإيده، ولما لمس الدم الغرقان في شعرها حس إن روحه بتتسحب منه.
داليا فتحت عينيها بالعافية وهمست الحاجة فاطمة كويسة؟
سليم صوته اتكسر إنتِ اللي بتموتي يا دكتورة!
الحاجة فاطمة كانت بتعيط بهستيريا هاتوا الإسعاف! بسرعة!
لكن سليم كان خلاص بقى وحش.
رفع عينه للحرس وزعق اقفلوا كل أبواب القصر محدش يخرج حي.
بعد ٢٠ دقيقة
القصر كان متحاصر بالكامل.
والدنيا كلها بدأت تعرف إن إطلاق نار حصل جوه قصر السيوفي.
داليا دخلت العمليات بين الحياة والموت.
أما سليم
فكان واقف قدام شاشة الكاميرات، وشه جامد بطريقة تخوف.
شاف النور وهو بيقطع.
شاف القناص فوق المبنى المقابل.
وشاف حاجة خلت الدم يتجمد في عروقه
القناص قبل
لمحة نيوز

ما يضرب، كان ماسك صورة.
صورة داليا.
مش أمه.
مش هو.
داليا هي الهدف.
الموضوع قلب هوس.
مين عايز يقتل دكتورة نفسية غلبانة؟
سليم قلب القاهرة فوق بعض.
رجالته نزلوا الشوارع.
المواني.
المخازن.
الأسماء القديمة.
كل أعداؤه اتراقبوا.
بس الإجابة مكانتش عند أعداؤه
كانت مستخبية في ملف صغير على مكتب داليا.
بعد يومين
داليا فاقت.
وشها كان أصفر، وأنابيب الأجهزة طالعة من جسمها.
أول حاجة شافتها كانت سليم قاعد جنب السرير، دقنه طالعة وعينيه حمرا من السهر.
فضلوا ثواني ساكتين.
وبعدين داليا همست أمك كويسة؟
سليم ضحك ضحكة موجوعة إنتِ أخدتي خمس رصاصات عشان تنقذيها ولسه أول سؤال عنها.
داليا حاولت تقوم من الألم مين كان عايز يقتلني؟
سليم سكت.
لكن قبل ما يرد
الحاجة فاطمة دخلت الأوضة وهي بتبكي.
حضنت داليا وباست راسها إنتِ بنتي وربنا كتب لك عمر جديد.
وفجأة
وشها اتغير.
بصت لسليم بخوف حقيقي وقالت قولها الحقيقة.
الأوضة كلها بردت.
سليم فكه اتشنج مش دلوقتي.
الحاجة فاطمة صرخت بسبب سكوتك البنت كانت هتموت!
داليا بصتلهم بعدم فهم.
وسليم أخيراً اتكلم
أنتِ من ٢٧ سنة أبوكي الحقيقي كان شريك أبويا.
داليا اتسمرت.
الحاجة فاطمة قعدت تبكي أبوكي اتقتل واتقال إنه حادث.
سليم كمل بصوت كله ذنب لكن الحقيقة إن عمي كامل هو اللي قتله عشان يسيطر على شغل العيلة.
داليا نفسها اتخطف إيه؟
سليم قرب منها أمك هربت بيكي وربتك بعيد عن عالمنا كله وغيرت اسمك.
الحاجة فاطمة همست لكن كامل عرف توصلك.
الدنيا لفت بداليا.
كل حياتها
كل طفولتها
كل خوف أمها القديم
كان حقيقي.
وسليم كمل القناص كان مبعوت من كامل لأنه عرف إنك آخر وريثة قانونية لنص إمبراطورية السيوفي.
في نفس الليلة
سليم اختفى.
ولأول مرة من سنين، رجع الكينج الحقيقي.
مش رجل الأعمال.
لا
الوحش.
طلع على مخزن مهجور في الميناء بعد ما عرف مكان عمه كامل.
الرجالة كانت واقفة بالسلاح.
لكن أول ما شافوا سليم
الخوف دخل في عينيهم.
سليم دخل ببطء، والهدوء اللي فيه كان أرعب من الرصاص.
كامل كان قاعد بيشرب سيجار.
ابتسم البنت لسه عايشة؟ خسارة.
سليم قرب أكتر.
وقال أنت ضربت داليا.
كامل نفخ الدخان دي كانت غلطة أبوها إنه خلفها.
وفي ثانية
صوت الرصاصة دوّى في المخزن.
كامل وقع من الكرسي والدم نازل من رجله.
سليم قرب منه ومسكه من هدومه دي عشان خلتها تنزف.
ورماه على الأرض.
كامل كان بيصرخ أنا ربيتك يا سليم!
سليم عينه كانت ميتة وأنا اللي هنهيك.
لكن قبل ما يقتله
صوت داليا جه من وراه
لو قتلته هتبقى زيه.
سليم لف.
داليا كانت واقفة متسندة على الحرس، لسه تعبانة، والغرز في جسمها بتشدها من الألم.
لكنها جات.
قربت منه، ومسكت إيده اللي ماسكة السلاح.
وقالت بعين مليانة دموع أنا قضيت عمري بعالج الناس من الوحوش اللي جواهم متبقاش واحد منهم.
سليم فضل باصص لها.
لأول مرة
حد يوقفه.
ولأول مرة
يسمع.
السلاح وقع من إيده.
والشرطة دخلت بعدها بلحظات.
وكامل السيوفي اتقبض عليه بكل جرائمه القديمة.
بعد شهور
القضية قلبت البلد.
إمبراطورية كامل وقعت.
وداليا أخدت حق أبوها واسم عيلتها الحقيقي رجع.
أما سليم
فاتغير.
بقى يزور أمه كل يوم.
ويتعالج هو كمان.
لأن لأول مرة اعترف إنه تعبان.
وفي يوم هادي
داليا كانت قاعدة في جنينة صغيرة قدام مركز علاج نفسي جديد فتحته باسم أبوها.
سمعت صوت خطوات وراها.
لفت
لقت سليم ماسك ورد أبيض.
ابتسم وقال المركز ناقصه حاجة.
داليا رفعت حاجبها إيه؟
سليم بص لها بنفس النظرة اللي كانت كلها قسوة زمان، لكنها المرة دي دافية
ناقصة شريك حياة للدكتورة اللي أنقذتني من نفسي.
داليا ضحكت لأول مرة من قلبها.
والحاجة فاطمة كانت بتراقبهم من بعيد ودموعها بتنزل في هدوء.
لأن البنت اللي دخلت بيتهم غريبة
بقت أخيراً من العيلة.
بس مش عيلة الدم والخوف.
عيلة اختارت الرحمة بدل الرصاص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *