بقالهم اربع سنين الاول
بقالهم أربع سنين، أبويا وأمي مفهمين الناس كلها إني كنت في السجن… بس الحقيقة إني كنت بخدم برا البلد في الجيش. ولما رجعت أخيراً البيت بالزي العسكري، اتصلوا بالشرطة وقالوا لهم إن في مجرم خطير واقف عندهم.
عم هولواي قال لي بهدوء: “خليكي جوه العربية”، وهو بيقفل الأبواب وإيده بترتعش. “أمك لسه مكلّمة النجدة حالا، وقالت لهم إن في مسجون هارب واقف في جنينة بيتها.”
أنا اتسمّرت في مكاني.
من ورا الزجاج الأمامي، كنت شايفه البيت اللي حلمت بيه لأربع سنين طوال.
المدخل الأبيض.
المشاية المتكسرة.
نافورة العصافير القديمة اللي جنب صندوق البوسطة.
أنا في البيت.
أو على الأقل… اللي كان بيتي في يوم من الأيام.
كنت لسه لابس لِبْس الجيش بتاعي بعد ما رجعت من الخدمة برا. شنطتي القماش كانت على رجلي، والتراب لسه مالي بيادتي، وورق الإعفاء والتسريح متطبق بعناية جوه جيب الجاكيت.
لسنين، كنت متخيل اللحظة دي بشكل تاني خالص.
كنت فاكر أمي هتعيط من الفرحة.
كنت فاكر أبويا هياخدني في حضنه.
كنت فاكر إن في حد هيبقى فخور إني رجعت عايش.
بدل كل ده، صوت سرينات الشرطة كان بيرن في الشارع.
وصلت تلات عربيات بوكس في الأول.
وبعدها الجيران بدأوا يتجمعوا.
مدرسين من مدرستي القديمة.
ناس من المسجد والكنيسة اللي في المنطقة.
وفي الآخر وصلت عربية قناة أخبار محلية، والمصور نازل يجري في النجيله كأنه شامم ريحة سبوبة أو مصيبة.
بصيت لعم هولواي وأنا مش مصدق.
”هي أمي قالت لهم إيه بالظبط؟”
بلع ريقه بصعوبة قبل ما يرد.
”قالت إنك خطر. وقالت إنهم أفرجوا عنك بدري من السجن.. وقالت إن اللبس العسكري ده مزيف.”
حسيت كأن الهوا اتقطع عن الرئتين عندي.
وفجأة، الباب الأمامي للبيت اتفتح ببطء.
خرجت أمي ولابسة جاكيت بيج، وماسكة صدرها بشكل دراماتيكي كأنها بتمثل قدام الجمهور.
ووقف وراها أبويا، وشه أحمر ومشدود، ومثبت جنزير الباب.
أمي زعقت بصوت عالي عشان الشارع كله يسمع: “يا سارة، أرجوكي بلاش تصعبي الأمور أكتر من كده!”
المصور وجه الكاميرا عليا فوراً.
الظابط ووكر قرب مني بحذر.
وقال: “كله يهدى في مكانو”.
صوتي اتهز وأنا برد عليه.
”أنا الرقيب أول سارة ميتشل. أنا لسه راجعه حالا من الخدمة برا البلد.”
الهمس والوش بدأ ينتشر بين الناس في ثانية.
أبلة دونيلي – مدرستي القديمة في الإعدادي – حطت إيدها على بقها من الصدمة.
الشيخ جلين طلع لقدام ووشه مخطوف تماماً.
هنا أمي شاورت عليا صُباعها بالظبط.
وقالت ببرود: “اللبس ده جزء من ألاعيبها وتمثيلها! هي كدابة طول عمرها.”
مديت إيدي لجيب الجاكيت ببطء.
”يا فندم، أنا ممكن أوريك كارنيه الجيش بتاعي—”
”إياك تلمس أي حاجة هي بتطلعها!” أبويا صرخ فجأة من عند الباب.
الشارع كله حط مية في بقه وسكت.
وفجأة، حصلت حاجة غير متوقعة.
عم هولواي نزل من العربية.
وقال بصوت فيه رعشة: “البنت دي كانت بتبعت رسائل للبيت كل شهر، وأنا اللي كنت بوصلهم بنفسي بعد ما أبوها وأمها رفضوا يستلموا البوسطة.”
في ثانية واحدة، وش أمي اتقلب.
ما كانش ندم.
ولا كان حزن.
ده كان غل.
غل صافي.
وبعدها أبويا رزع الباب الأمامي.
تكة أول قفل.
وبعدها التاني.
وبعدها التالت.
أبويا وأمي حبسوا نفسهم جوه البيت، وأبويا زعق من ورا الباب:
”لو كانت عايزة الناس كلها تعرف الحقيقة أوي كده… يبقى فرجيهم على اللي إنتي دفنتيه!”
وفجأة، الشارع كله لف وشه وبص لي ووو
وفجأة، الشارع كله لف وشه وبص لي، والهمسات رجعت تاني بس المرة دي كانت مليانة رعب وشك.
الظابط ووكر بص لي، وبعدين بص للباب المقفول، وملامحه اتغيرت من الحذر للجدية التامة. قرب من عربية عم هولواي وهو حاطط إيده على جراب مس*دسه، وقال بصوت جهوري:
“الرقيب أول سارة ميتشل، انزلي من العربية ببطء، وإيديكي تكون في مكان واضح.”
عم هولواي بص لي والدموع في عينه: “أنا آسف يا بنتي.. أنا ما كنتش أعرف إن الموضوع هيوصل لكده.”
نزلت من العربية والتراب بيتحرك تحت بيادتي. الهوا كان ساقع، ونظرات الناس كانت بتخترقني. المدرسين بتوعي، وجيراني اللي كبرت وسطهم، كلهم كانوا بيبصوا لي كأني مسخ. المصور بتاع القناة المحلية كان بيقرب بالعدسة من وشي، بيحاول يلقط أي لقطة تبيع في الأخبار.
“يا فندم”، قلتها وصوتي ثابت رغم البركان اللي جوايا، ومديت إيدي بالراحة وطلعت المحفظة العسكرية العريضة وجواها الكارنيه الرسمي، وورقة التسريح المختومة بختم القوات المسلحة. “دي أوراقي الرسمية. تقدر تتأكد من العمليات المركزية حالا.”
الظابط ووكر خد الأوراق، فتحها وبص فيها بتركيز، وبعدين بص لشارتي العسكرية اللي على صدري. ملامح وش الصرامة اللي فيها بدأت تفك، وبص لي بنظرة تعجب وذهول. أخد اللاسلكي وتواصل مع المديرية: “بلاك-1 يطلب الاستعلام عن الرقم العسكري…”
في اللحظة دي، الشيخ جلين قرب خطوتين وقال بصوت هادي وفيه لوم: “يا سارة.. أبوكي قصده إيه باللي دفنتيه؟ أنتوا مخبيين إيه؟”
أبلة دونيلي، مدرستي القديمة، صرخت فجأة وهي بتبص على جنينة البيت: “بصوا هناك! النجيله المحفورة جنب النافورة القديمة!”
كل العيون اتجهت للناحية اللي شاورت عليها. جنب نافورة العصافير المتكسرة اللي حلمت بيها لأربع سنين، كان في حتة أرض النجيل ميت فيها، والتراب مقلوب وكأن في حاجة اتدفنت هناك قريب، ومش من أربع سنين.. دي محفورة من كام يوم بس!
الظابط ووكر قفل اللاسلكي بعد ما جاله الرد اللي أكد هويتي بنسبة 100%. بص لي باحترام وقال: “سيادة الرقيب، أوراقك سليمة وأنتِ فعلاً كنتِ في الخدمة برا البلد. بس في بلاغ رسمي اتقدم دلوقتي قدام كل الشهود دول من أصحاب البيت.. لازم نعرف إيه اللي مدفون هنا.”
أنا نفسي ما كنتش فاهمة حاجة. أبويا وأمي مش بس كدبوا على الناس وقالوا إني في السجن عشان يداروا سفر الجيش، دول كمان رتبوا لمصيبة تانية تدفني بالحيا وتثبت التهمة عليا فور رجوعي.
الظابط ووكر شاور لاثنين من العساكر معاه: “هاتوا الجاروف من عربية الدورية، وابدأوا حفر هنا.”
المصور بتاع القناة بدأ يبث مباشر، والناس بدأت تقرب أكتر من السور الخشبي للبيت. كل تكة جاروف وهي بتنزل في التراب كانت بتضرب في قلبي. كنت واقفة وزي الجيش عليا بيحميني من برا، بس من جوايا كنت بنهار.
بعد خمس دقايق من الحفر المتواصل، الجاروف خبط في حاجة ناشفة. صوت الخبطة خلى الشارع كله يكتم أنفاسه.
“يا فندم! في صندوق حديد هنا!” العسكري زعق وهو بيشيل التراب بإيده.
العساكر طلعوا الصندوق، كان صندوق ذخيرة قديم من بتوع الجيش، ومقسوم بقفل صلب. الظابط ووكر بص لي وقال: “تعرفي عن الصندوق ده حاجة؟”
هزيت راسي بالنفي: “عمرى ما شفته.”
الظابط طلع آلة حادة وكسر القفل بقوة. فتح غطا الصندوق الحديدي، وفجأة تراجع خطوة لورا وهو بيمد إيده على س*لاحه تلقائياً، والناس اللي واقفة ورا بدأت تصرخ وتجري لورا برعب.
