الساعة 2
الساعة كانت 2:27 بعد نص الليل لما موبايلي رن.
لقيت اسم أبويا على الشاشة.
أول ما رديت، سمعته بيعيط بصوت عمري ما سمعته منه قبل كده.
قال وهو نفسه مقطوع:
“يا بنتي… أنا في القسم.”
“مرات أخوكي ضربتني بعصاية بيسبول… ولما الناس اتلمت راحت قالت للظباط إني أنا اللي اعتديت عليها، وإن عندي مشاكل نفسية ومش طبيعي… وأخوكي كان واقف بيتفرج ولا كأنه شاف حاجة.”
فضلت ساكتة ثانيتين…
مش مصدقة اللي سمعاه.
أنا اشتغلت 12 سنة في جهة أمنية سيادية.
حققت مع أخطر المجرمين.
وفككت عصابات كبيرة.
وشفت بلاوي عمر ناس ما تتخيلها.
لكن…
ولا قضية عدت عليا كانت أصعب من إني أشوف أبويا بالشكل ده.
وصلت القسم قبل الساعة تلاتة الفجر بشوية.
أول ما دخلت من الباب الزجاج…
قلبي وقع.
أبويا كان قاعد لوحده على كرسي بلاستيك قديم.
ضهره محني…
وإيده بترتعش.
الإضاءة البيضا القاسية كانت مخلية وشه باين كأنه كبر عشر سنين في كام ساعة بس.
على الناحية التانية…
كانت منى، مرات أخويا، عاملة العرض اللي تستحق عليه أوسكار.
ماسكة منديل…
وعمالة تمسح دموع مش موجودة أصلاً.
وبتشاور على احمرار بسيط في كتفها وهي بتقول للضابط بصوت عالي:
“حضرتك مش متخيل حصل إيه!”
“فجأة خرج عن شعوره!”
“لازم يتحجز في مستشفى أمراض نفسية قبل ما يأذي حد!”
ساعتها فهمت اللعبة كلها.
هي وأخويا مرتبنها من الأول.
عايزين يثبتوا إن أبويا مختل.
ولو ده حصل…
يبقى يقدروا يتحكموا في أملاكه وكل حاجة باسمه.
بس كان في مشكلة صغيرة…
إنهم نسوا
أنا بشتغل إيه.
بصيت لها ولا كأنها موجودة.
ورحت على مكتب الاستقبال.
قلت للظابط بهدوء:
“من اللحظة دي… كل كلمة الست دي هتقولها تتسجل رسمي، لأنها هتتحاسب عليها لو طلعت كدب.”
الظابط رفع عينه بالعافية.
واتكلم باستهزاء:
“يا مدام… اقعدي بس وسيبي القسم يتعامل مع خناقة عائلية بسيطة.”
ما رديتش.
ولا دخلت معاه في جدال.
مديت إيدي جوه الجاكيت…
وطلعت الحافظة الجلد.
فتحتها قدامه.
البطاقة الرسمية والشعار المعدني لمعوا تحت نور القسم.
قلت وأنا ببصله في عينه:
“أنا ما طلبتش منك.”
“أنا بلغتك بالإجراء اللي هيتعمل… وأوقف المهزلة دي حالًا.”
وشه اتغير في ثانية.
قام واقف بسرعة.
مسك اللاسلكي.
وفجأة افتكر إن في إجراءات لازم تتعمل.
سيبته…
وجريت على أبويا.
حطيت إيدي حوالين كتفه عشان أساعده يقوم.
لكن أول ما حاول يقف…
رجله خانته.
صرخ من الوجع.
ولحقته قبل ما يقع.
وأثناء ما بمسكه…
كم الجاكيت اترفع.
وساعتها…
شوفت حاجة خلت الدم يتجمد في عروقي.
كدمات سودة.
جروح لسه جديدة.
وآثار صوابع متغرزة حوالين دراعه.
إصابات مستحيل تكون من وقعة عادية.
في اللحظة دي…
الموضوع مبقاش خلاف بين أهل.
بقى قضية اعتداء كاملة.
ولو كانوا فاكرين إنهم هيعدوا منها بسهولة…
يبقى لسه ما يعرفوش أنا مين.
وقفت وبطء شديد نزلت كم جاكيتي عشان أداري الكدمات عن عيون العساكر اللي بدأت تتجمع، لكن عيني كانت بتلمع بنظرة مرعبة. نظرة محقق قديم شاف بلاوي الدنيا، وعرف تماماً إزاي يربط الخيوط ببعضها في ثواني.
بصيت لمنى اللي كانت لسه ممثلة دور الضحية، وأخويا “طارق” اللي دخل القسم في اللحظة دي، واخد جنب بعيد، بيلعب في موبايله ببرود وعصبية مصطنعة، ولا كأن الراجل العجوز اللي قاعد بيترعش ده أبوه اللي رباه وسهر على تعليمه.
”خير يا فندم؟ في إيه؟” — طارق دخل بصوت عالي وعريض، بيحاول يعمل راجل قدام الضابط: — “أختي مفكرة نفسها عشان اشتغلت كم سنة في الحكومة هتعمل علينا دولة؟ الراجل ده خطر على نفسه وعلينا، و…”
قاطعته بهدوء قاتل، صوتي كان واطي لكنه رن في القسم كله لدرجة إن الكل سكت:
”خلصت عرض المسرحية الرخيص ده يا طارق؟ ولا لسه في فصول تانية؟”
منى اتجننت وقالت بصراخ مصطنع:
”أنتِ بتقولي كده ليه؟ أخوكِ خايف عليا وعلى البيت! أبوكي ضربني بعصاية البيسبول وشوفي كتافي…”
قربت منها خطوة واحدة بطول قامتي وثباتي، لدرجة إنها رجعت لورا خطوتين وهي مرعوبة من نظرة عيني:
”عصاية بيسبول؟ غريب أوي يا منى إن الراجل اللي ضهرها محني ومش قادر يقف على رجله من الخشونة والضعف، يقدر يمسك عصاية بيسبول ويضربك بيها… ده غير إن البصمات الوحيدة اللي على العصاية دي في البيت هي بصماتك أنتِ وطارق، لأنكم لسه شارينها امبارح من متجر الأدوات الرياضية اللي في أول الشارع.”
وشها جاب ألوان، وبصت لطارق برعب.
في اللحظة دي، الضابط — اللي كان لسه من دقايق بيستهزئ بيا — جه بسرعة وقال باحترام شديد بعد ما شاف البطاقة والشعار:
”يا فندم.. تحت أمرك، القسم كله ملكك، تأمري بإيه؟ نحجزهم فوراً؟”
”لا يا فندم.. الحجز خسارة
فيهم، والخناقة العائلية اللي كنت بتقول عليها دي.. هتحول دلوقتي حالا لـ ‘محضر جنائي متكامل’.” — بصيت لطارق وكملت: — “تزوير، إبلاغ كاذب، ترويع مسن، وتخطيط مسبق لحجز حريته والاستيلاء على ممتلكاته بالقوة.”
طارق اتهستر وبدأ يصوت:
”أنتِ بتجنني؟! ده أبونا! هتحبسي أخوكِ ومراته عشان حتة شقة وأرض؟!”
”أبونا؟!” — صرخت في وشه بكل الغضب اللي كان محبوس جوه قلبي طوال السنين اللي فاتت وأنا شايفة جحوده: — “أنت ما تستاهلش تقف قدامه أصلاً! أبويا اللي أفنى عمره عشان يربينا، تيجوا أنتم في آخر أيامه تضربوه وتهددوه عشان التوقيع على عقود التنازل؟!”
التفت للضابط وأمرته بصوت حاسم:
”اتفضل يا فندم.. فرّغ كاميرات المراقبة اللي في الشارع قدام بيت أبويا، وفوراً ابعت قوة تجيب عصاية البيسبول من تحت السرير في غرفة النوم.. وبصمات منى عليها هتكفي تكشف الكدبة كلها في خمس دقايق.”
العساكر اتحركت فوراً كأنها في مناورة عسكرية. طارق رمى نفسه على الكرسي وبدأ يعيط بجد لما حس إن الحبل بيضيق رقبته، ومنى قعدت على الأرض تلطم بعد ما عرفت إن اللعبة اتكشفت وانتهت تماماً.
نزلت على ركبي قدام أبويا اللي كان بيمسح دموعه بطرف جلبابه المتبهدل، مسكت إيده الباردة وبستها قدام الكل، وقلت بصوت حنون طمأنه:
”قوم معايا يا بابا.. الحق رجع لك، ومحدش في الدنيا دي كلها هيقدر يقربلك تاني طول ما أنا عايشة.”
سندته وطلعنا من باب القسم، وعربيات الشرطة كانت بتدخل عشان تقبض على طارق ومنى بتهمة الاعتداء والابتزاز.
وفي العربية، وأنا
سايقة بمدخل البيت، حسيت إنها أثقل قضية عدت عليّ في حياتي المهنية.. مش بس لأنها كانت في بيتي، بل لأنها علمتني إن أقذر المجرمين مش بس اللي بنقابلهم في الشوارع المظلمة.. دول ساعات بيكونوا قاعدين معانا على نفس الترابيزة.