حكاية سارة بقلم منال عباس الاول
حكاية سارة بقلم منال عباس
الاول
في بيت كبير في حي قديم في القاهرة كانت سارة عايشة من يوم ما فتحت عينيها وهي عارفة إن ليها دور واحد بس تخدم الكل وتسكت كانت تصحى قبل الكل بساعتين تحضر الفطار وتعمل الشاي وتجهز هدوم أبوها وتكوي قميص أخوها كريم وتلمع الجزمة وتحط المفاتيح في مكانها وبعدها تدخل المطبخ تغسل المواعين اللي محدش فكر يغسلها بالليل
كل يوم كان يبدأ بنفس الطريقة وينتهي بنفس التعب
ولو حد سألها إنتي تعبانة كانت تبتسم وتقول لا الحمد لله
لكن الحقيقة إنها كانت تعبانة من سنين
تعب مش في جسمها بس
تعب في قلبها
أمها كانت دايما تقول قدام الناس
البنت لازم تستحمل
أما الولد فهو سند البيت
ولما كريم كان يغلط كانت تلاقي اللوم كله عليها
ليه مسبتيهوش
ليه مقولتيش
ليه معملتيش
كأنها مسؤولة عن كل نفس بيتاخده في البيت
عدى عليها تلاتة وعشرين سنة وهي شايلة البيت كله فوق كتفها
كانت بتطبخ لأخوها قبل ما يطلب
وتغسل هدومه قبل ما تتوسخ
وترتب سريره وهو نايم
ولما يخرج مع صحابه كانت هي اللي تفضل واقفة في المطبخ تحضر العشا وتستناه يرجع
أبوها كان بيبص لكريم بفخر
وده ابني اللي هيشيل اسمي
أما سارة فكان يقول عليها
البنات مالهمش غير بيت جوزهم
كل كلمة كانت بتنزل عليها زي الحجر
لكنها عمرها ما ردت
اتعودت تبلع وجعها وتسكت
كانت جدتها الحاجة زينب الوحيدة اللي بتحس بيها
كل ما تزورها تبصلها بعين مليانة حنان وتقول
إوعي تسمحي لحد يقنعك إنك قليلة
إنتي أغلى من اللي حواليكي كلهم
وسارة كانت تضحك وتفتكر إن جدتها بتقول كده عشان بتحبها
لكنها مكانتش تعرف إن الست العجوز كانت شايفة كل حاجة
شايفة التعب
شايفة الظلم
وشايفة البنت اللي عمرها ما اشتكت
لحد ما في يوم الحاجة زينب ماتت
البيت كله لبس أسود
والناس دخلت تطلع وتعزي
وأم سارة كانت طول الوقت بتتكلم عن الميراث
وتقول أكيد البيت هيروح لكريم
هو الولد الوحيد
أما سارة فكانت واقفة في المطبخ تعمل القهوة للمعزين
زي عادتها
بعد ست أيام الكل اتجمع في مكتب المحامي
دخل أبوها أول واحد وقعد بكل ثقة
وجنبه كريم اللي كان ماسك موبايله ومشغول يرد على أصحابه ولا كأنهم جايين يقروا وصية ست ربته
أمها بصتلها وقالت بنفس النبرة اللي عمرها ما اتغيرت
يا سارة استني بره
دي قعدة رجالة ومواضيع تخص العيلة
وقفت سارة مكانها
قلبها قال لها تمشي
وده اللي كانت بتعمله كل مرة
لكن قبل ما تتحرك سمعت صوت المحامي
لا
كلهم بصوا له
قال بهدوء
الآنسة سارة هتحضر الجلسة كاملة
دي وصية المرحومة
أمها قالت باستغراب
هي هتعمل إيه هنا
المحامي بص في الورق قدامه وقال
هتسمع اللي لازم تسمعه
الأوضة سكتت
أبوها شد ضهره في الكرسي
وكريم أخيرا رفع عينه من الموبايل
أما سارة فوقفت مش فاهمة
أول مرة في حياتها حد يقول إنها لازم تفضل
أول مرة حد يمنعهم يبعدوها
بصت على الكرسي الفاضي
وكان نفسها ترجع وتقف بره
لكن حاجة جواها قالت لها
اقعدي
خطت خطوة بطيئة
وقعدت
المحامي ابتسم ابتسامة بسيطة وقال
اتفضلي يا آنسة سارة
الكلمة خبطت قلبها
من سنين محدش ناداها باسمها باحترام
يا بنت
يا سارة
يا خدامة البيت
كل الأسماء دي كانت أسهل عندهم
لكن آنسة سارة
دي كانت أول مرة تسمعها
فتح المحامي الملف الكبير اللي قدامه
وقال
قبل ما نبدأ في الوصية فيه رسالة خاصة
أمها قالت بسرعة
رسالة لمين
رد بهدوء
مكتوب عليها اسم الآنسة سارة
اتغير لون وشوشهم كلهم
أبوها قال بعصبية
أكيد في حاجة غلط
المحامي هز راسه
مفيش أي غلط
دي تعليمات الحاجة زينب بنفسها
طلع ظرف قديم لونه أصفر فاتح
وعليه بخط إيد واضح مكتوب
إلى حفيدتي سارة
سارة حسيت إيديها بتترعش
الخط ده كانت تعرفه من بعيد
كم مرة شافته في كروت العيد وفي الورق اللي كانت جدتها تسيبه لها تحت المخدة
أمها قالت بنفاد صبر
افتحه بسرعة
المحامي رفع عينه وقال
هفتحه
لكن هقرأ كل كلمة زي ما اتكتبت بالضبط
وساعتها فقط أدركت سارة إن جدتها حتى بعد وفاتها كانت لسه بتحارب عشانها وإن الرسالة اللي داخل الظرف ده هتغير حياتها كلها للأبد بقلم منال عباس
المحامي فك الورقة ببطء شديد وكأن كل ثانية كان بيديها حقها الكامل وسارة كانت عينيها ثابتة على الخط اللي كانت حافظاه من سنين نفس الحروف ونفس الطريقة اللي كانت جدتها تكتب بيها اسمها على علب الحلوى وعلى العيديات الصغيرة
وبدأ يقرأ
يا سارة
لو الرسالة دي وصلت لإيدك يبقى أنا خلاص سبت الدنيا لكن عايزاكي تعرفي إني عمري ما سبتك ولا يوم حتى وأنا بعيدة عنك كنت شايفة كل دمعة خبتيها وكل مرة بلعتي فيها الكلام عشان محدش يزعل وكل مرة شيلتي حمل مش حملك وسكتي
أنا كنت عارفة إنهم هيحاولوا يبعدوكي عن الوصية عشان كده كتبت بإيدي إنك لازم تكوني موجودة
لأن اللي جاي يخصك قبل أي حد
سارة حسيت دموعها بتتجمع في عينيها لكنها رفضت تنزل
المحامي كمل
أنا شوفتك وإنتي صغيرة وإنتي بتاكلي بعد الكل
وشوفتك وإنتي بتنامي متأخر عشان تجهزي هدوم أخوكي للمدرسة
وشوفتك وإنتي بتتلامي على أخطاء معملتيهاش
ولما كنت أسأل ليه كانوا يقولوا البنت لازم تستحمل
وأنا كنت ساكتة وقتها لأني كنت بجمع الدليل مش بس الكلام
الأوضة كلها اتغيرت
أبوها بص للمحامي وقال بعصبية
إيه الكلام ده
المحامي رفع إيده وقال
لو سمحت متقاطعنيش
دي رغبة المرحومة
رجع يكمل
أنا احتفظت بكل حاجة حصلت في البيت ده سنين طويلة
واحتفظت بأوراق وشهادات ورسائل
ولما حسيت إن عمري بيخلص قررت أحط كل حاجة في مكانها
أم سارة قالت بحدة
هو فيه إيه يعني
المحامي بص لها وقال
هتعرفي بعد ما أخلص
وسكتت لأول مرة
ريان ابتدى يحرك رجله بعصبية وهو مش فاهم ليه جدته بتتكلم عن سارة بالشكل ده
المحامي كمل
يا سارة
أنا فخورة بيكي
مش عشان بتطبخي ولا بتنضفي
لكن عشان قلبك عمره ما اتغير رغم كل اللي شوفتيه
إوعي في يوم تفتكري إن قيمتك كانت في الخدمة
قيمتك كانت في أخلاقك
وساعتها نزلت أول دمعة من عين سارة
دمعة واحدة لكنها كانت شايلة سنين كاملة
أبوها قال بصوت منخفض
خلص بقى الرسالة
المحامي تجاهله تماما
وفي آخر الرسالة طلبت مني أقول قدام الكل إنك عمرك ما كنتي أقل من حد وإن أي قرار بعد الرسالة دي لازم يتنفذ بالحرف الواحد
وبعدين حط الورقة على المكتب
ومد إيده ناحية درج صغير في الشنطة الجلد اللي جنبه
طلع ملف سميك مربوط بشريط أحمر
أمها اتوترت
إيه الملف ده
رد بهدوء
المرحومة سلمتهولي قبل وفاتها وقالت ميتفتحش غير بعد قراءة الرسالة
أبوها قال
افتحه
المحامي فك الشريط وطلع منه عشرات الأوراق
كان بينهم صور قديمة وإيصالات وعقود وخطابات مكتوبة بخط اليد
وفي آخر الملف كان فيه ظرف أصغر
مكتوب عليه
لا يفتح إلا بعد حضور جميع أفراد الأسرة
فتح الظرف
وأخرج مفتاح صغير لونه ذهبي
وكارت مكتوب عليه عنوان
كلهم بصوا لبعض باستغراب
ريان قال
مفتاح إيه ده
المحامي قال
ده مفتاح أمانات في البنك
وأنا مكلف آخد الآنسة سارة بنفسي بعد انتهاء الجلسة
أمها قامت من مكانها بسرعة
ليه هي
أنا بنتها
وأنا أولى
المحامي هز رأسه
لأن المرحومة كتبت بالنص إن محدش يلمس المفتاح غير سارة
أبوها ضرب بإيده على الترابيزة
الكلام ده مش منطقي
كل حاجة تخص العيلة تبقى للعيلة
المحامي ابتسم لأول مرة وقال
ومن قال إن سارة مش من العيلة
سكت أبوها
أما سارة فكانت لسه مش مستوعبة اللي بيحصل
من ساعات قليلة كانت واقفة بره الأوضة مستنية يسمحوا لها تدخل
ودلوقتي كل الأنظار متعلقة بيها
وكل كلمة في الوصية كانت بتقلب ميزان عمر كامل عاشته وهي مقتنعة إنها مجرد ظل في البيت بينما الحقيقة التي أخفتها جدتها كل هذه السنوات كانت على وشك أن تظهر وتغير حياة الجميع بالكامل بقلم منال عباس