سر الوحمة بقلم منال عباس الرابع
الرابع
تجمدت جنى مكانها وهي تنظر إلى فارس.
كانت الكلمات التي انتظرتها طويلًا تتردد في أذنيها.
أما هو فظل واقفًا أمامها وكأنه ألقى حملًا ثقيلًا كان يحمله منذ شهور.
همست بصوت مرتعش:
ـ وأنا كمان…
رفع رأسه بسرعة.
فابتسمت وسط دموعها.
ـ وأنا كمان بحبك يا فارس.
لأول مرة منذ سنوات طويلة…
ظهرت ابتسامة حقيقية على وجهه.
ابتسامة جعلت قلبها يخفق بقوة.
لكن تلك اللحظة الجميلة لم تدم طويلًا.
—
في الجهة الأخرى من القصر…
كان رافت يتسلل بين الممرات المظلمة.
يعرف المكان جيدًا.
فقد أمضى سنوات طويلة فيه قبل طرده.
تحرك بصمت حتى وصل إلى المكتب القديم.
أخرج مجموعة مفاتيح.
وبعد ثوانٍ فتح أحد الأدراج السرية.
ابتسم بخبث.
ـ لسه زي ما هو.
أخرج مجموعة أوراق قديمة.
ثم بدأ يقلبها بسرعة.
حتى عثر على ما يبحث عنه.
وثائق وأسرار لو ظهرت للعلن ستقلب حياة الكثيرين.
—
وفي الوقت نفسه…
كان الجد عزيز يجلس في غرفته حين سمع صوتًا غريبًا.
نهض ببطء.
ثم ضغط زر استدعاء الحراسة.
لكن أحدًا لم يأتِ.
عبس بقلق.
ـ غريبة.
—
أما فارس وجنى…
فكانا يسيران في الحديقة.
ولأول مرة شعرت جنى بالطمأنينة.
قالت مبتسمة:
ـ عمرك ما قلت كلمة حلوة بالشكل ده قبل كده.
رد وهو ينظر إليها:
ـ لأنك أول حد يخليني أقولها.
ضحكت بخجل.
لكن فجأة…
دوى صوت تحطم زجاج من داخل القصر.
توقف الاثنان.
ثم تبعه صراخ إحدى الخادمات.
اتسعت عينا فارس.
ـ جنى… ادخلي أوضتك فورًا.
ـ في إيه؟
ـ بسرعة.
لكنها لم تتحرك.
وفي اللحظة التالية…
ظهر أحد الحراس وهو يركض نحوهم.
ـ فارس بيه!
ـ خير؟
ـ في حد اقتحم القصر.
تغيرت ملامحه فورًا.
—
داخل المكتب…
كان رافت يضع الأوراق داخل حقيبته حين سمع خطوات تقترب.
اختبأ بسرعة خلف المكتبة.
ودخل سليم إلى الغرفة.
توقف فجأة.
نظر حوله.
ثم لمح الدرج المفتوح.
ـ مين هنا؟
ساد الصمت.
ثم فجأة خرج رافت من مخبئه ودفعه بقوة.
اصطدم سليم بالمكتب وسقط أرضًا.
لكن قبل أن يتمكن رافت من الهرب أمسكه سليم من ساقه.
فسقط الاثنان على الأرض.
ودار بينهما عراك عنيف.
—
في الخارج…
وصل فارس وكريم والحراس إلى المكتب.
لكنهم وجدوا الباب مغلقًا.
صرخ كريم:
ـ افتحوا الباب!
ودفعوه بقوة حتى انكسر.
دخل الجميع.
ليجدوا سليم يحاول السيطرة على رجل ملثم.
أسرع الحراس نحوه.
وأمسكوا به بقوة.
حاول المقاومة.
لكن عددهم كان أكبر.
وأخيرًا سقط القناع عن وجهه.
شهقت جنى التي وصلت للتو.
أما الجد عزيز الذي دخل خلفها…
فشحب وجهه تمامًا.
همس بصوت مخنوق:
ـ رافت…
رفع الرجل رأسه وابتسم بسخرية.بقلم منال عباس
ـ وحشتني يا عزيز.
—
ساد الصمت في الغرفة.
حتى الحراس تبادلوا النظرات باستغراب.
أما جنى فحدقت فيه.
ـ أنت اللي خطفتني؟
نظر إليها طويلًا.
ثم قال ببرود:
ـ أيوه.
شعرت أن الأرض اهتزت تحت قدميها.
ـ ليه؟
ضحك ضحكة باردة.
ـ علشان جدك دمر حياتي.
فدمرت حياته.
ـ كنت طفلة!
ـ وده كان أكتر شيء وجعه.
ارتفعت دموع الغضب في عينيها.
أما الجد فقبض على عصاه بقوة.
—
لكن قبل أن يتحدث أحد…
ابتسم رافت فجأة.
ابتسامة غريبة أقلقت الجميع.
ثم قال:
ـ أنتم فاكرين إن ده كل السر؟
نظروا إليه بدهشة.
فأضاف:
ـ لسه ما عرفتش الحقيقة كلها يا جنى.
اتسعت عيناها.
ـ أي حقيقة؟
نظر نحو الجد مباشرة.
ثم قال بصوت مرتفع:
ـ اسألي جدك عن سبب موت أبوكي وأمك الحقيقي…
لأن الحكاية أكبر بكتير من مجرد خطف طفلة.
وتحولت أنظار الجميع نحو عزيز الدمنهوري الذي بدا وكأن صدمة جديدة ضربته بقوة.بقلم منال عباس
ساد الصمت في المكتب بعد كلمات رافت.
كانت الأنظار كلها متجهة نحو الجد عزيز.
أما جنى فشعرت بقلبها يخفق بعنف.
نظرت إلى جدها بذهول.
ـ جدو… هو بيقول إيه؟
أطرق عزيز رأسه للحظات.
وكأن سنوات طويلة من الألم عادت لتثقل كتفيه من جديد.
أما رافت فابتسم بسخرية.
ـ قولهم الحقيقة.
صرخ فارس بغضب:
ـ اخرس!
لكن رافت واصل النظر إلى عزيز.
ـ ولا خايف يعرفوا؟
تنهد الجد ببطء.
ثم رفع رأسه.
كانت عيناه ممتلئتين بالحزن.
ـ في جزء من كلامه صحيح.
شعرت جنى بأنفاسها تتسارع.
ـ يعني إيه؟
جلس عزيز على أقرب مقعد.
وكأنه لم يعد قادرًا على الوقوف.
ثم بدأ يتحدث.
—
قبل عشرين عامًا…
كان والد جنى، يوسف الدمنهوري، يدير معظم أعمال العائلة.
وكان شابًا نزيهًا ومحبوبًا.
لكنه اكتشف وجود عمليات فساد وسرقة كبيرة داخل بعض الشركات.
وبعد أشهر من التحقيق…
اكتشف أن المسؤول عنها كان رافت.
وحين واجهه بالأدلة…
هدده رافت.
لكن يوسف رفض التراجع.
وأصر على كشف الحقيقة.
وبالفعل تم طرد رافت وخسر كل شيء.
ومنذ ذلك اليوم أقسم على الانتقام.
—
سألت جنى بصوت مرتجف:
ـ وأبي وأمي؟
أغمض الجد عينيه.
ـ بعد اختفائك بسنتين…
تعرضت سيارتهم لحادث.
والشرطة وقتها قالت إنه حادث عادي.
لكن يوسف كان قبلها بأيام بيجمع أدلة جديدة ضد رافت.
تجمد الجميع.
حتى فارس وسليم وكريم نظروا إلى بعضهم بصدمة.
همست جنى:
ـ تقصد إن…
ـ كنت شاكك طول السنين دي إنه مش حادث.
أكمل الجد بصعوبة.
ـ لكن ما كانش عندي دليل.
—
ضحك رافت ضحكة قصيرة.
ـ وأخيرًا اعترفت.
ثم نظر إلى جنى.
ـ أبوكي كان عنيد زيك.
كلمات رافت أشعلت غضب فارس.
فاندفع نحوه.
لكن الحراس أمسكوا به قبل أن يضربه.
صرخ فارس:
ـ أنت السبب في كل اللي حصل!
ابتسم رافت ببرود.
ـ وأنا فخور بده.
—
اقتربت جنى من الرجل الذي دمر حياتها.
كانت الدموع تملأ عينيها.
لكنها لم تبكِ.
نظرت إليه بثبات.
ـ ضيعت طفولتي.
حرمتني من أهلي.
ويمكن قت*لت أبويا وأمي.
ليه كل الحقد ده؟
للحظة قصيرة…
اختفت الابتسامة من وجه رافت.
ثم قال:
ـ لأني خسرت كل حاجة.
ـ والخسارة خلتك وحش؟
ـ يمكن.
ثم أدار وجهه بعيدًا.
—
أخذت الشرطة رافت لاحقًا.
لكن قبل أن يغادر…
التفت نحو جنى.
وقال:
ـ في حاجة لسه ما تعرفيهاش.
تجمدت في مكانها.
ـ إيه؟
ابتسم ابتسامة غامضة.
ـ في شخص جوه القصر كان بيساعدني طول السنين دي.
شهق الجميع.
أما هو فأكمل:
ـ ولو كنتوا فاكرين إن اللعبة انتهت…
تبقوا غلطانين.
ثم غادر مع الشرطة.
—
وبعد ساعات…
اجتمعت العائلة في القاعة الكبرى.
كان التوتر يملأ المكان.
قال سليم:
ـ لو كلامه صح يبقى في خائن بينا.
أجاب كريم بقلق:
ـ والسؤال مين؟
نظر فارس حوله.
ثم قال:
ـ من النهارده محدش يثق في أي حد بسهولة.
—
في تلك الليلة…
لم تستطع جنى النوم.
خرجت إلى الشرفة.
وكان القمر يضيء الحديقة.
سمعت خطوات خلفها.
التفتت.بقلم منال عباس
فوجدت فارس.
اقترب منها بهدوء.
ـ لسه صاحيه؟
هزت رأسها.
ـ مش قادرة أنام.
نظر إليها بحنان.
ـ هتعدي.
ابتسمت ابتسامة ضعيفة.
ـ طول عمري كنت فاكرة إني بنت مالهاش حد.
وفجأة اكتشفت إن عندي عيلة.
وبعدين اكتشفت إن في حد سرق عمري كله.
أمسك يدها برفق.
ـ المهم إنك هنا دلوقتي.
ونظر في عينيها.
ـ ومش هسمح لحد يأذيكي تاني.
شعرت جنى بدفء كلماته.
ولأول مرة منذ أيام…
هدأ قلبها قليلًا.بقلم منال عباس
—
لكن في الجهة الأخرى من القصر…
كانت إحدى الشخصيات تقف داخل غرفة مظلمة.
وأمامها هاتف محمول.
وصلتها رسالة قصيرة.
“تم القبض على رافت.”
ابتسمت ببطء.
ثم همست:
ـ أحمق…
وقع لوحده.
أغلقت الهاتف.
وفتحت درجًا صغيرًا.
أخرجت منه صورة قديمة لجنى وهي طفلة.
ثم مزقتها ببطء.
وقالت بصوت بارد:
ـ لكن أنا لسه هنا…
ولسه محدش عرف مين الخائن الحقيقي.