امى اول واحده كدبتنى.. مشيره محمد

امى اول واحده كدبتنى
قالت وهي بتخبط بالعصايه في الأرض إنت فاكرنا هنصدق إن مراتك بلعت معزه كاملة؟! إنت شكلك شربت حاجة خلت عقلك يطير! غور من وشي يا صالح واتمسى..
الناس اللي كانت واقفة في ساحة البلد انفجرت في الضحك.
فيه اللي شاور عليا وهو بيضحك…وفيه اللي هز راسه بأسف.
حتى العمدة معرفش يخبي ابتسامته.
كنت واقف في نص القرية ، وببص في وشوش ناس أعرفهم من وأنا طفل…رجالة اشتغلت معاهم في الغيط…وستات شافوني وأنا بكبر…ولا واحد فيهم صدق كلمة من اللي قلتها.
لكن لو كانوا شافوا اللي شوفته الليلة اللي فاتت…
كانوا هربوا من البلد قبل ما الشمس تطلع…كل حاجة بدأت بعد تلات شهور من جوازي من يارا…يارا كانت أجمل بنت في البلد كلها بشرتها قمحية صافية…وعيونها واسعة…
ولما تبتسم تحس إن الدنيا كلها هديت كل شباب القرى اللي حوالينا كانوا بيتمنوا إنها توافق على الجواز منهم….ولما وافقت عليا…الناس كلها قالتإنت أكتر واحد محظوظ في الدنيا.
وساعتها صدقتهم…أول كام أسبوع من الجواز كانوا هاديين.
كانت محترمة…وطيبة…وشاطرة في شغل البيت.
حتى أمي…اللي عمرها ما كانت بتمدح أي ست..
كانت كل يوم تقولليحافظ عليها يا حسن… البنت دي نعمة.
وكنت أوعدها إني هعمل كده لكن بعدها…حاجات غريبة بدأت تحصل…كل صباح…الفراخ كانت تبقى مرعوبة وأول ما المغرب يأذن…ترفض تدخل العشة.

كلبنا شفيق بطل ينبح خالص…كل ليلة يستخبى تحت السرير وهو بيرتعش…حتى القطط بقت تعدي من قدام بيتنا وتجري.
في الأول ضحكت قلت أكيد الحيوانات بتتصرف بغرابة وخلاص…لكن بعدها…الأكل بدأ يختفي.
في ليلة…يارا عملت حلة كبيرة محشي وفتة علشان عندنا ضيوف تاني يوم…صحيت الصبح…لقيت الحلة فاضية.
ولا حبة رز ولا لقمة ولا نقطة شوربة افتكرت إن حد قام كل وخلاص سالتها قال مش انا و ابتسمت بهدوء وقالت
يمكن حد كان جعان ردها ضايقني…بعدها بأيام…
اختفت عشر سمكات مملحين…وبعدين شوال بطاطس.
وبعدين فرختين عايشين…الغريب…ولا نقطة د م.
ولا آثار رجلين ولا أي دليل كأن الحاجة كانت بتتبخر.
قفلت البيت كويس…وزودت الأقفال…وبقيت أصحى كل شوية بالليل….وبرضه…..الحاجات كانت بتختفي…في يوم…
جارنا عم رمضان ربط المعزه البيضا بتاعته جنب سور بيتنا.
وقال
يا حسن… أنا رايح اجتماع الجمعية الزراعية… هعدي أخدها الصبح قلتلهمتقلقش نمت أنا ويارا.
ولما الساعة قربت من اتنين بعد نص الليل…
صحيت على صوت غريب شششششش…افتكرته صوت الهوا لكن بعدها سمعت صوت المعزه وهي بتصرخ.
جريت ناحية الشباك وبصيت بره وضوء القمر كان كفاية أشوف…حاجة خلت الد م يتجمد في عروقي.
تعبان ضخم جدًا…..تخين اكبر من جذع الشجرة…
كان ملفوف حوالين المعزة اللي كانت بتحاول تهرب…
لكن مفيش فايدة…وقبل حتى ما
أقدر أصرخ…فتحت الحية بقها…وبقها فضل يكبر…ويكبر…ويكبر…
لحد ما…بلعتها كلها…وقعت على الأرض من الرعب.
جسمي كله بقى بيرتعش. ..وفجأة…
الحية لفت راسها ناحيتي وعيونها كانت بتلمع في الضلمة.
وبصتلي مباشرة…وبعدين…ابتسمت…وفي اللحظة دي…بدأت تزحف بهدوء…في اتجاه باب أوضة نومي… واتحولت واللي اتحولت ليه خلاني رقعت بالصوت من صدمتي…

مشيره محمد
اتسمرت في مكاني، ولساني غرز في حلقي ومبقتش قادر حتى أتنفس. الحية الضخمة دي، اللي لسه بلعة معزة عم رمضان صاحية، بدأت ترفع راسها لفوق.. لفوق قوي لحد ما قرّبت من الشباك. وفي ثواني، الجلد الحُرشفي الأسود بدأ يدوب ويتقشر، والجسم الضخم بدأ يِكش ويقصر، وظهرت من ورا الضلمة ملامح بشرية.. ملامح حفظها قلبي قبل عيني.
دي يارا!
كانت واقفة عريانة في ضوء القمر، رقبتها كانت بتتحرك بحركات مش طبيعية، يمين وشمال، كأن العضم بيعيد تركيب نفسه. وبطنها.. يا نهار أسود على بطنها! كانت منفوخة بشكل مرعب، بارزة لقدام كأنها شايلة قنبلة، وجواها حركة رفص وخبط.. المعزة كانت لسه صاحية وبتتحرك جوة بطن مراتي!
يارا بصلتلي وعيونها كانت واسعة بزيادة، النن الأسود اللي جوه عينها مبقاش مستدير، بقى خط طولي زي عيون القطط أو التاعبين. ابتسمت لي نفس الابتسامة الهادية اللي خطفتني أول ما شفتها، بس المرة دي الابتسامة كانت واصلة لحد ودانها،
وظهرت سنانها المدببة الخفيفة.
قالت بصوت مألوف بس طالع معاه فحيح هادي يِوقف الدم في العروق
صاحي ليه يا حسن؟ مش عوايدك تقلق في وقت زي ده.
رجعت بضهري لورا لحد ما خبطت في الدولاب، ودموعي نزلت من كتر الرعب إنتي.. إنتي إيه؟ إنتي مش بني آدمة.. إنتي إيه اللي بلعتيه ده؟!
ضحكت بصوت واطي، وحطت إيدها القمحية الناعمة على بطنها المنفوخة اللي كانت لسه بتتحرك، وقالت وهي بتقرب مني بخطوات بطيئة وناعمة زي زحف الحية
أنا يارا يا حسن.. يارا حبيبتك اللي البلد كلها كانت بتحسدك عليها. متخافش مني.. أنا بس كنت جعانة.. الجوع ده بيقرصني من جوه ومبقدرش أستحمل. المحشي والفتة والسمك والبطاطس.. كل ده مأكلش معايا عيش. أنا محتاجة لحم دافي.. دم بيجري.
قربت مني أكتر، وريحة الأوضة فجأة بقت ريحة طين مبلول على ريحة زفارة غريبة. نزلت على ركبها قدامي، ولمست رجلي بإيدها اللي كانت ساقعة زي التلج، وقالت بلهجة رجاء مرعبة
اوعى تقول لحد يا حسن.. لو حد عرف، هضطر آكله عشان أداري السر.. وأنا مش عايزة آكل حد من أهلك.. ولا عايزة آذك.. إنت جوزي وحبيبي.
من كتر الرعب، هزيت راسي بالموافقة زي المغيب. فضلت قاعدة جنبي لحد ما الحركة جوه بطنها بدأت تهدأ.. وتهدأ.. لحد ما وقفت تماماً. المعزة ماتت وهُضمت جوة. يارا قامت، وراحت السرير، ونامت في ثواني وراحت في النوم وهي مبتسمة. أما أنا، ففضلت قاعد في ركن الأوضة لحد
ما الشمس طلعت، وجسمي متلج ومش مصدق

لمحة نيوز

إن الكابوس ده حقيقي.
الصبح جه، وصوت عم رمضان وهو بينادي من بره البيت يا حسن.. يا أبا الحاج حسن.. فين المعزة؟ خلاني أنتفض.
خرجت له وأنا وشي أصفر زي الليمونة، وجسمي بيرتعش. عم رمضان بصلي باستغراب وقال مالك يا بني؟ شكلك عامل زي اللي شاف عفريت.. فين المعزة؟ السور فاضي والحبل مقطوع!
مقدرتش أستحمل.. الرعب والكبت خلوني أنفجر. صرخت فيه مراتي كلتها! يارا بلعتها صاحية قدام عيني بالليل! يارا حية كبيرة يا عم رمضان!
عم رمضان تنح، وبصلي من فوق لتحت، وافتكرني بهزر.. بس لما لقى دموعي ونظرة الرعب في عيني، خاف وتراجع لورا وقال جرى إيه لعقلك يا حسن؟ يارا البنت المؤدبة تبلع معزة؟ إنت اتهبلت يا واد؟
ومن هنا بدأت الفضيحة. عم رمضان جري على ساحة البلد يحكي للناس، وأنا جريت وراه زي المجنون عايز أثبت حقيقتي. ولميت الناس، ووقفت في وسط الساحة أصرخ وأقول اللي شفته، لحد ما أمي جت تضرب الأرض بعصايتها وتقوللي غور من وشي يا صالح واتمسى.. إنت شكلك شربت حاجة خلت عقلك يطير! أمي من كتر صدمتها لغبطت في اسمي ونادتني باسم أبويا الله يرحمه صالح.
الناس ضحكت،

والعمدة ابتسم بتهكم، ومشيت من الساحة وأنا حاسس إن الدنيا كلها اسودت في عشي. رجعت البيت وأنا بجر رجلي، والكلب شفيق لسه مستخبي تحت السرير وبيرتعش. دخلت الأوضة، لقيت يارا قاعدة بتمشط شعرها الأسود الطويل قدام المراية، ولابسة جلابيتها البيظا الصعيدي المحتشمة، وتبصلي في المراية وعيونها رجعت طبيعية تماماً.
قالتلي بنبرة عتاب حزينة
كده برضه يا حسن؟ تروح تفضحني في البلد وتقول عليا باكل معيز؟ بقى أنا يارا الرقيقة يحصل مني كده؟ الناس دلوقتي هتقول عليك اتجننت.. وأمك زعلت منك.
قعدت على السرير وحطيت راسي بين إيديا إنتي هتموتينا كلنا.. إنتي إيه بالظبط؟ جِنية؟ سحارة؟ متجوز حية؟!
قربت مني، وقعدت جنبي، وحضنتني. الحضن كان دافي بزيادة المرة دي، وقالت في ودني
أنا من عمار الأرض يا حسن.. أهلي عايشين تحت البيوت القديمة من آلاف السنين. لما شفتك في الغيط من سنة، قلبي حبك.. واتشكلت في صورة بشرية عشان أتجوزك وعشان أعيش معاك. أنا مبأذيش حد.. بس كل كام شهر، لازم الطبيعة الأصلية تغلبني، ولازم آكل أكلة كاملة وصاحية عشان أجدد طاقتي البشيرية وأفضل عايشة
معاك في الصورة دي.
بصيت في عيونها.. الرعب كان لسه جواه، بس كان فيه نظرة حب غريبة وصادقة في عيونها.
سألتها بصوت مرعوب والناس؟ عم رمضان مش هيسكت على معزته.. والبلد كلها بتبصلي على إني مجنون.
ابتسمت وقالت سيب البلد عليا.. أنا هصلح كل حاجة.
تاني يوم الصبح، البلد كلها صحيت على مفاجأة.
عم رمضان لقى في حوش بيته مش معزة واحدة.. لقى تلات معيز بيض، أحسن وأكبر من المعزة اللي ضاعت، وجنبهم كيس قماش فيه عشر تلاف جنيه ذهب قديم! عم رمضان من الفرحة مبقاش يتكلم عن المعزة اللي ضاعت، وبقى يقول للناس حسن ده مبروك.. والظاهر المعزة بتاعته تباركت وحصلتلها معجزة!
أما العمدة، فجاله في بيته بالليل صندوق صغير مقفول، لما فتحه لقى جواه تمثال فرعوني صغير من الذهب الخالص، ومكتوب جنبه ورقة صغيرة خلي حسن في حاله.. والبلد هتعيش في أمان. العمدة من بعدها بقا لما يشوفني في الساحة، يقف يسلم عليا بحرارة ويقول للناس حسن ده عاقل وعينه مليانة، والكلام اللي قاله كان مجرد هلس ليلة فرح.. سيبوا الراجل في حاله.
حتى أمي.. يارا راحتلها البيت، وطبختلها بأيدها، وقدمتلها
غوايش دهب تقيلة وقالتلها دي هدية من أهلي بمناسبة الجواز. أمي لفت في البلد تقول مرات ابني دي ست الشيخان.. دي بركة نزلت علينا من السماء، وحسن ابني كان واكل أكلة ثقيلة الليلة دي وخرفت في الكلام. مشيره محمد
الكل صدق الكدبة.. والكل رضي بالدهب والمعيز.
الوحيد اللي عارف الحقيقة هو أنا.
الآن، عدي سنة كاملة على الليلة دي.
حياتنا ماشية هادية جداً. يارا زوجة مطيعة، جميلة، والبلد كلها بتحسدني عليها أكتر من الأول. بس أنا مبقتش أنام زي الأول.
كل ما الليل يليل، والمغرب يأذن، وأسمع صوت الفراخ وهي بتكاكي برعب بره، والكلب شفيق يدخل يستخبى تحت السرير وهو بيبكي بصوت واطي.. بعرف إن المعاد قرب.
بقعد في السرير، وبص لليارا وهي نايمة جنبي، وبفكر.. يا ترى المرة الجاية الجوع هيقرصها امتى؟ ويا ترى الأكلة الجاية هتكون معزة تانية من بره.. ولا في ليلة من الليالي مش هتلاقي حاجة بره، وتلف راسها ناحيتي في الضلمة، وتفتح بقها وتكبر.. وتكبر.. وتبلعني أنا؟
السر ده عايش معاه، وبموت بيه كل يوم.. ومحدش في البلد هيصدقني لو حكيت، لأن يارا ببساطة.. قفلت بوق
الكل بالدهب.
تمت مشيره محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *