بناتى التوأم بقلم صافى هانى الثانى
الجزء الخامس: المفاجأة اللي بعد الحفلة
الحفلة خلصت، والناس كلها بدأت تمشي، وكل اللي يعدي من جمبي يطبطب على كتفي ويقولي: “ربنا يباركلك فيهم، أنت بطل”. كنت حاسس إن جبل وانزاح من على كتافي، بس الفرحة مكملتش للاخر..
وإحنا خارجين من بوابة القاعة ورايحين على عربيتنا، لقيت عربية بوليس واقفة بره، وواقف جمبها المدير وكلير والدموع مغرقة وشها بس المرة دي دموع تماسيح، وواقف معاهم ظابط.
أول ما كلير شافتني، شاورت عليا بأصبعها وزعقت للظابط: “هو ده! هو ده اللي خطف بناتي مني من 18 سنة ومنعني أشوفهم وكان بيبعتلي تهديدات لو قربت منهم! أنا عايزة أعمل فيه بلاغ دلوقتي حالا!”.
الظابط بصلي وبص للبنات اللي اتفزعوا واستخبوا ورا ضهري تاني. الظابط قرب مني وقالي بلهجة جادة: “يا فندم، المدام مقدمة بلاغ رسمي وبتتهمك بحرمانها من رؤية أولادها وتزوير أوراق، ولازم تتفضل معانا على القسم عشان نشوف حقيقة الكلام ده”.
بصيت لكلير لقيتها بتبتسملي بخبث من ورا الظابط، كأنها بتقولي: “لو مش هتاخدوني بالذوق، هخرب حياتكم بالقدر”.
بناتي بدأوا يعيطوا وجريس مسكت في بدلتني وقالت: “بابا ملوش ذنب، هي اللي سابتنا!”. بس الظابط قال: “يا آنسة الكلام ده يتفال في المحضر، اتفضل معانا يا فندم”.
ركبت عربية البوكس، وبناتي ورايا في عربيتنا والدموع في عينيهم. طول الطريق للقسم وأنا بفتكر الـ 18 سنة اللي فاتوا، هل ممكن الست دي بفلوسها ونفوذها تهد كل اللي بنيته في لحظة؟
وصلنا القسم، والظابط قعدنا قدامه، وكلير بدأت تطلع من شنطتها أوراق وتقول: “أهو.. دي تقارير طبية تثبت إني كنت بعاني من إكتئاب حاد بعد الولادة، وهو استغل ده وطردني من البيت وغير قفل الباب ومنعني من حقي القانوني!”.
الظابط بص للأوراق، وبعدين بصلي وقالي: “عندك رد على الكلام ده؟ الكلام ده لو صح، دي قض..ية جنائية كبيرة”.
في اللحظة دي، أنا مكنتش خايف.. أنا كنت مستني اللحظة دي من 18 سنة. فتحت شنطتي القديمة اللي دايماً في إيدي، وطلعت منها حاجة واحدة بس.. حاجة كلير مكنتش تعمل حسابها أبداً إنها موجودة..
الجزء السادس والأخير: الصندوق الأسود والصدمة القاضية
طلعت من الشنطة جواب قديم جداً، ورقتة صفرا ومكتوب بخط الإيد، ومعاه “فلاشة”.
حطيت الجواب قدام الظابط وقولتله بمنتهى الهدوء: “ده الجواب اللي المدام سابتهولي على السرير يوم ما مشت، بخط إيدها وبإمضائها، وبتقولي فيه نصاً: (أنا مش عايزة العيال دي، خدها واشبع بيها، أنا عايزة حريتي ومستقبلي، ومتدورش عليا تاني عشان مش هترد عليك)”.
كلير وشها قلب برص، وحاولت تمد إيدها تتخطف الجواب، بس الظابط سحب الورقة بسرعة وبص فيها وبدأ يقارن الإمضاء بإمضائها على البطاقة.
وكملت كلامي: “ومش بس كده يا فندم.. الفلاشة دي عليها تسجيل كاميرا المراقبة بتاعة المستشفى من 18 سنة، وهي خارجة بكامل إرادتها بشنطة هدومها، وبتزق الممرضة اللي كانت بتحاول تمنعها وتقولها سيبيني أنا مش عايزة القرف ده”.
الظابط حط الفلاشة في الكمبيوتر وشاف الفيديو، وبص لكلير اللي كانت بتترعش وبدأت تتراجع لورا. الظابط زعق فيها وقال: “إنتي بتتبلي على الراجل وبتعملي بلاغ كاذب وتزوير في شهادات طبية؟! ده إنتي اللي هتتحبسي الليلة دي!”.
كلير بدأت تصرخ: “لا! أنا معايا فلوس! أنا هخرب بيتكم كلكم!”. بس العساكر مسكوها وبدأوا يسحبوها على الحجز وهي بتصوت وتبصلي بنظرات رعب.
خرجت من الأوضة، لقيت ليلي وجريس مستنييني بره، أول ما شافوني جريوا عليا واضنا بعض تاني. جريس مسحت دموعي وقالتلي: “إحنا أسفين يا بابا.. إحنا السبب في كل التعب ده”.
قولتلهم وأنا ببتسم من قلب لأول مرة من سنين: “أنتو مش سبب التعب.. أنتو سبب الحياة. يلا بينا نروح.. عشان بكره عندكم أول يوم في التقديم للجامعة”.
مشينا وإحنا سايبين ورا ظهرنا الماضي كله، ودخلنا بيتنا وإحنا عارفين إن مفيش قوة في الدنيا تقدر تفرقنا، لأن الحب اللي اتبنى في 18 سنة، متهدوش فلوس ولا مؤامرات في ليلة واحدة.
الجزء السابع: الليلة الأولى بعد العاصفة
رجعنا البيت بالليل متأخر، البيت اللي شهد على كل ضحكة، وكل دمعة، وكل ليلة سهرنا فيها سوا. الدنبا كانت هادية تماماً، بس جوانا كان فيه إحساس غريب.. إحساس بالراحة الممزوجة بالذهول من اللي حصل.
دخلت المطبخ أعملهم حاجة دافية يشربوها عشان يهدوا من توتر القسم، لقيت ليلي وجريس قاعدين على السفرة وحاطين شهادات التخرج قدامهم، بس عينيهم كانت سارحة في الفراغ.
قعدت جمبهم وحطيت المجات، وقولت بابتسامة: “إيه يا بنات؟ المفروض نكون بنحتفل، إحنا قفلنا الصفحة دي للأبد والست دي أخدت جزاءها”.
جريس بصتلي وعينيها مدمعة وقالت: “بابا.. أنت شيلت كل ده لوحدك؟ الجواب اللي كان معاك.. إحنا أول مرة نعرف بوجوده. أنت كنت بتستحمل تبص في وشنا كل يوم وأنت شايل الوجع ده من غير ما تحسسنا بحاجة؟”.
ليلي كملت وهي بتمسك إيدي: “إحنا كنا فاكرين إنها ماتت أو تاهت زي ما كنت بتقولنا وإحنا صغيرين عشان متجرحناش.. بس الحقيقة طلعت أصعب بكتير”.
طبطبت على إيديهم وقولت: “يا بناتي، الأم مش هي اللي بتخلف.. الأم هي اللي بتشيل وتهدهد وتربي. وأنا من 18 سنة خدت قرار إني هكون ليكم الأب والأم، والوجع ده كان بيموت أول ما بشوف ضحكتكم. إحنا كسبنا خلاص، وبكره الصبح هنروح نقدم في الجامعة ونبدأ صفحة جديدة تماماً”.
دخلنا نمنا وإحنا حاسين إننا أحرار بجد لأول مرة.
تاني يوم الصبح، صحيت بدري جهزت الفطار ولبست عشان نروح الجامعة. البنات صحيوا وهما ماليين البيت ضحك وفرحة، ونزلنا ركبنا العربية وإحنا مشغلين أغاني وبنغني وبنضحك من قلبنا..
وصلنا بوابات الجامعة، والمكان كان زحمة جداً بالطلبة الجداد وأهاليهم. وإحنا واقفين في الطابور عشان نقدم الأوراق، لقيت موظف الأمن بتاع الجامعة جاي علينا وبص في وشي وقالي: “حضرتك الأستاذ فلان؟”.
قولتله باستغراب: “آه أنا.. في حاجة؟”.
قالي بلهجة مقلقة: “عميد الكلية طالبك في مكتبه فوراً وموقفين ورق البنات ومش هينفع يقدموا لحد ما حضرتك تطلعله”..
الجزء الثامن: الكابوس المستمر
دمي نشف تاني.. البنات بصوا لبعض بخوف، وليلي مسكت في دراعي وقالت: “هو في إيه يا بابا؟ إحنا ورقنا كامل ومجموعنا عالي جداً!”.
حاولت أبان هادي وقولتلهم: “متقلقوش، يمكن مجرد إجراء روتيني عشان التوأم، خليكم واقفين هنا وأنا هطلع أشوف في إيه”.
طلعت مكتب العميد، وقلبي كان بيدق زي الطبل. دخلت لقيت العميد قاعد ووشه جاد جداً، وقدامه ملف مفتوح. أول ما شافني، شاورلي أقعد وقال بنبرة جافة: “أهلاً يا فندم. للأسف إحنا واجهنا مشكلة كبيرة جداً في سيستم التقديم لـ ليلي وجريس”.
قولتله بتوتر: “مشكلة إيه يا فندم؟ البنات جايبين مجاميع تدخلهم الكلية مستريح، وورقهم كله سليم!”.
العميد تنهد ولف الشاشة ليا وقال: “الورق سليم.. بس جالي أمر رسمي بوقف قيد البنات بناءً على دعوى قضائية مستعجلة مرفوعة من والدتهم بـ (حظر سفر ومنع من التعليم في الجامعات الحكومية)، ومرفق معاها قرار ولاية تعليمية باسمها!”.
وقفت من صدمتي وقولت بصوت عالي: “ولاية تعليمية إيه؟! الست دي لسه مقبوض عليها إمبارح في القسم بتهمة البلاغ الكاذب والتزوير!”.
العميد بصلي بأسف وقال: “أنا ماليش دعوة باللي حصل في القسم يا فندم.. الست دي محاميين بتوعها اتحركوا من الفجر، وبفلوسها ونفوذها طلعت بكفالة على ذمة القض..ية، وقدرت تطلع قرار المحكمة ده بناءً على أوراق قديمة تثبت إنها لسه مسجلة كـ (أم تملك الولاية القانونية) لأنكم متطلقتوش رسمي، وإنت مأخدتش حكم بـ (إسقاط حضانة) رسمي منها قبل كده لأنها كانت هربانة!”.
الدنيا لفت بيا.. كلير مكنتش بتلعب، كلير كانت بتنتقم لكرامتها اللي اتهانت قدام الـ 300 شخص، وقررت تكسر قلبي في أكتر حاجة بتمناها.. مستقبل بناتي.
العميد كمل: “القرار ده معناه إن البنات مش هيدخلوا الجامعة دي، ولا أي جامعة تانية، لحد ما القض..ية دي تتحل في المحاكم.. وده ممكن ياخد سنين، يعني مستقبلهم ضاع”.
نزلت من مكتب العميد وأنا مش شايف قدامي، ورجلي مش شيلاني. البنات أول ما شافوا وشي جريوا عليا.. “في إيه يا بابا؟ طمنا!”.
بصيت في عينيهم الطاهرة ومكنتش عارف أقولهم إيه.. أقولهم إن الست اللي رمتهم وهي عندها ساعات، رجعت عشان تدمر مستقبلهم وهما عندهم 18 سنة؟
وفجأة، وأنا واقف وسط ساحة الجامعة والدموع محبوسة في عيني، لقيت تليفوني بيرن برقم غريب.. فتحت الخط وجالي الصوت اللي بنكرهه:
”أهلاً يا حضرة الأب المثالي.. فكرت إنك كسبت؟ البنات دول بتوعي، ولو مش هيرجعوا تحت طوعي ويجوا يعيشوا معايا في الفيلا بتاعتي ويسافروا معايا برا، مش هخليهم يشوفوا باب جامعة.. قدامك ساعة واحدة تجيبهم وتجيلي، وإلا هتشوفهم وهما بيضيعوا قدام عينك!”.
ساعتها، الغضب عماني.. ومبقاش قدامي غير حل واحد مكنتش عايز أعمله من 18 سنة.. حل هينهي اللعبة دي تماماً.. بس التمن بتاعه غالي جداً..