ميزانية كرامه حكايات منى السيد الاول
يا إلهام، أنا فكرت كويس وخلاص أخدت قراري: مرتبي بتاعي لوحدي. أنا اللي بتعب فيه، وعندي كامل الحق أصرفه زي ما أنا عايز وعلى مزاجي. أروق بيه على نفسي، أدلع بيه العربية، أساعد بيه أمي… واللي جاي نعيش بيه هو مرتبك إنتي. ما هو بالبلدي كده، إنتي المدبرة بتاعة البيت؛ وبسم الله ما شاء الله عليكي شاطرة في لقط العروض في السوبرماركت ومقضياها. من الآخر كده، الليلة دي عليكي إنتي.
أنا فضلت مكاني، بفرك بالسلكة بقعة دهون قديمة لزقة على سيراميك المطبخ، فوق البوتاجاز بالظبط. كنت بفرك بغل وعصبية لدرجة إن ضوافري تحت الجوانتي البلاستيك بدأت توجعني. صوت حكة السلكة كان يقرف ويزعج، وإيدي كانت بتموتني من كتر الضغط، بس مَلِفتّلوش. مناخيري اتملت بريحة منظف الدهون الحامية، مخلوطة بريحة صلصة شايطة؛ المحروس إيهاب نسى تاني يقفل عين البوتاجاز وهو بينقل حلة الطبيخ.
يعني فلوسك لنفسك؟ نطقتها بالراحة ومن غير ما أبطل دعك يا أستاذ إيهاب، إنت شايف إن الكلام ده طبيعي؟ وإحنا علينا قسط شقة هيفضل يقطم في ضهرنا لسنين قدام، ومروان داخل المدرسة السنة دي؟ مصاريف، ويونيفورم، وكتب، وسبوبة السبلايز… إنت عندك ريحة الفكرة الأكل والشرب دلوقتي بقوا بيكلفوا كام عشان ناكل لقمة تشد الطول، من غير ما نعيش على المكرونة بس؟
يووه، ماتبدأيش بقى النكد بتاعك ده! نفخ إيهاب وهو بيعدي من جنبي بخطواته الثقيلة اللي بتهز خشب الأرض إنتي دايماً بتعملي من الحبة قبة وتكتبي سيناريو دراما. أنا مقلتش مش هيدفع خالص؛ لو الدنيا زنقت معاكي ابقي اطلبي مني وهبقى أشوف. بس الأساس إن ميزانية البيت عليكي إنتي. وريني بقى يا ست العاقلة، يا بتاعة الحق والعدل، معجزاتك في الحسابات وتدبير البيت هتوصلنا لفين.
رما جسمه على الكرسي وشغل التلفزيون وعلا الصوت على الآخر. كان شغال برنامج من البرامج المستفزة اللي كلها صريخ وخناق، والصداع دق في نفوخي زي الشاكوش، مع صوت تخبيط الشنيور بتاع الجيران. جيراننا اللي فوقينا، بالمناسبة، مابيفصلوش؛ بقالهم سنتين قالبين الشقة توضيبات، وزن الشنيور ورا الحيطة بقى هو الموسيقى التصويرية لحياتنا… حياتنا اللي كانت بتتفرفط حتة حتة قدام عنيا.
نشفت إيدي في المريلة ولفيت لجوزي. إيهاب كان قاعد بالفانلة الداخلية المبهوقة من كتر الغسيل، بيسلك سنانه بخِلة، وبكل حركة في جسمه بيوصل ببرود إن الموضوع بالنسبة له اتقفل. إيهاب بتاع زمان، اللي كان بيوعدني يهد جبال عشان خاطري، اتمسح وبقى الأستاذ إيهاب: راجل مقتنع إن عشان هو الراجل والكل في الكل يبقى طلباته أولوية وبتيجي الأول، أما طلباتي أنا… فدي تتركن على الرف وتتصرف مع نفسها.
إيهاب، إنت بتتكلم بجد؟ سندت ضهري على الحوض ورطوبة الألوميتال اخترقت هدوم البيت الخفيفة أنا مرتبي كله على بعضه سبعة آلاف جنيه. منهم تلاتة ونص بيروحوا دايركت لقسط الشقة. هيتبقالنا تلاتة ونص. لتلات أفراد! يعني حوالي مية…
أنا فضلت واقفة مكاني ساندة على الحوض، الرطوبة والسقعة بتاعة الألوميتال كانت بتِسرِي في ضهري وتخليني أقشعر، بس البرود اللي في قلبي كان أكبر بكتير. بصيت لإيهاب وهو مِمدد رجله على الكرسي التاني ومِتنّح قدام الشاشة، ولا كأنه لسه رامي قنبلة وهادد بيها السقف فوق نفوخنا. الحسبة كانت بتلف في دماغي زي الساقية، الأرقام مابتكدبش، بس البني آدمين هما اللي مابيفهموش في الأصول.
كملت كلامي وصوتي كان طالع مخنوق، زي اللي بتجري في ملاحقة ومفيش نفس: تلاتة ونص يا إيهاب. تلاتة ونص يعني ألف ومية جنيه في الأسبوع. إنت عارف الألف ومية جنيه دول دلوقتي يعملوا إيه؟ دول مايكفوش عيش وجبنة وبيض وكم باكو مكرونة من بتوع التموين لآخر الأسبوع! ده من غير ما نحسب تمن أنبوبة الغاز لو خلصت، ولا كارت الكهرباء اللي بيموت فجأة ونلاقي الشقة ضلمت، ولا مصاريف مروان وهو رايح الدرس، ولا حتى لقمة لحمة أو فراخ تعدي على البيت ده في الشهر. إنت عايش معانا هنا في المحروسة ولا نازل من كوكب تاني؟
إيهاب مَلفّش راسه ناحيتي حتى، فضل باصص للست اللي بتصرخ في التلفزيون وفاتح بوقه نص فتحة وبيهز رجله ببرود يقهر. مد إيده وخد بوق من كباية الشاي اللي كانت قدامه، وقام هابد الكباية على التربيزة الرخام لدرجة إن الشاي اندلق منها على المفرش، وقال بنبرة كله زيت وزهق: جرا إيه يا إلهام؟ إنتي هتقعدي تعمليلي فيها الخبيرة الاقتصادية بتاعت القنوات الفضائية؟ ما كل الناس عايشة ومقضياها! اشمعنى إنتي يعني اللي هتقعدي تصوتي وتعملي غاغة؟ وبعدين أنا قولتلك ميزانية البيت عليكي، إنتي بقى شاطرة وبتروحي السوق وبتعرفي تشتري من البياعين وتفاصلي وتجيبي الحاجة الرخيصة. اتصرفي! أنا مش عايز وجع دماغ، أنا راجع من الشغل طالع عيني ومش حمل قطم رقبة كل يوم على تافه الأمور.
تافه الأمور؟ الجملة دي نزلت على ودني زي مية النار. تافه الأمور إن ابنك ما يلاقيش تمن الجزمة اللي هيدخل بيها المدرسة بعد شهرين؟ تافه الأمور إننا ننام من غير عشا عشان الباشا عايز يحوش مرتبه لنفسه وعشانه وعشان كمالياته؟
لفيت وشي تاني للحوض وفتحت المية على الآخر عشان أغسل الحلة اللي شاطت فيها الصلصة. المية كانت نازلة شديدة بتطشش في قعر الحلة وتطير رذاذ على وشي، بس مكنتش حاسة بيها. دموعي هي اللي نزلت سخنة ونزلت تِجري على خدودي وتختلط بمية الحنفية. كنت بدعك الألومنيوم بكل عزمي، كأني بحاول أطلع الغل والظلم اللي حاسة بيه في كل حتة في جسمي. هفتكر إيه ولا إيه؟ هفتكر إيهاب زمان لما جه اتقدم لي؟ كان لسه على باب الله، شغال شغلانة على قد حاله في شركة مقاولات صغيرة، وبابا الله يرحمه قاله يا ابني أنا مش هصعبها عليك، أنا شاري راجل. صممنا الشقة دي سوا، وكنت بجمع القرش على القرش معاه، وبدل ما أطلب شبكة دهب وفستان ليلة العمر الشيء الفلاني، قولتله هات دبلة وحتة محبس ونوفر الباقي عشان نوضب عش الزوجية. كنا بنقعد على الطوب الأحمر هنا، في نفس الشقة دي، وناكل كشري في علب كرتون ونضحك، ويقولي بكرة ربنا يفتحها عليا وأشيلك من على الأرض شيل يا إلهام.
أهو ربنا فتحها عليك يا سيدي، وبقيت بتمسك مرتب محترم، وبدل ما تشيلني من على الأرض، جيت تدوس عليا وعلى ابنك بالراحة ومن غير ما يرف لك جفن.
قعدت أكتر من نص ساعة في المطبخ، بمسح وبنظف وبشيل كل حاجة في مكانها، لحد ما المطبخ بقى بيبرق، بس البيت من جوه كان ضلمة وخراب. خرجت وطفيت النور ورايا، ومشيت في الطرقة الطويلة الضيقة بتاعة الشقة. صوت الشنيور بتاع الجيران كان لسه شغال، ززززززز، زن مستمر ورخم بيخترق الحيطان ويدخل في العضم. دخلت أوضة مروان بالراحة وفتحت الباب من غير ما يعمل صوت. كان نايم على سريره الصغير، لابس بيجامته النص كم اللي صغرت عليه وبقت مرفوعة لفوق مبينة بطنه، وشعره الناعم نازل على عينه. قعدت على طرف السرير وبصيت في وشه البريء. مروان لسه مكمل ست سنين، لسه ميعرفش يعني إيه قسط ويعني إيه ميزانية ويعني إيه أب قرر فجأة يتخلى عن مسؤوليته ويسيب أمه تحتاس في ساقية الدنيا لوحدها. مروان كل همه في الدنيا إنه يلعب بالكورة البلاستيك بتاعته في الصالة، ويطلب مني أعمله بطاطس محمرة بالكاتشب، ويسألني كل يوم الصبح: يا ماما هو بابا هيجيبلي العجلة اللي وعدني بيها لما أنجح في الروضة؟
نزلت راسي وبوسته من جبهته، وشديت عليه الملاية الخفيفة عشان التكييف الصحراوي اللي شغال في ركن الأوضة وبيرمي هواء ساقع برطوبة عالية تِكتم النفس. قولت لنفسي: وحياتك عندي يا قلب أمك، ما هخليك تحس بحاجة، ولا هخليك تنام ليلة واحدة وإنت نفسك في حاجة وشايفها في إيد زمايلك. لو هشتغل شغلانة تانية بعد الظهر، لو هبيع هدومي، مش هخليك تِتكسر قدام حد.
خرجت من الأوضة وقفلت الباب ورايا وربطت وسط مريلة المطبخ تاني ووقفت في الصالة. إيهاب كان لسه قاعد في مكانه، بس المرة دي كان ماسك تليفونه وعمال يقلب في الفيس بوك ويضحك بصوت واطي، وصوت التلفزيون لسه شغال بيجيب إعلانات عن كومباوندات جديدة وشاليهات في الساحل، إعلانات لناس عايشة في عالم تاني خالص غير العالم بتاعنا.
مشيت لحد عنده ووقفت فوق راسه، ضلي غطى على الشاشة بتاعة تليفونه. رفع عينه وبصلي بزهق وقالي: في إيه تاني يا إلهام؟ إنتي مش هتنامي بقى وتريحينا؟ ورايا شغل الصبح.
قولتله بنبرة ناشفة، مفيش فيها أي عشم ولا رجاء، صوت واحد أخد قراره وخلاص: أنا مش هجادل معاك تاني يا إيهاب، ولا هقعد أتحايل عليك عشان تقوم بواجبك تجاه بيتك وابنك. مرتبك معاك، اصرفه زي ما إنت عايز، هاته كله سجاير وقهاوي وفسح أو اديه للي تتديهوله. أنا من بكرة الصبح هنزل أرتب دنيتي على السبعة آلاف جنيه بتوعي. هروح المدرسة بتاعة مروان وأشوف لو ينفع أقسط المصاريف على كذا قسط، وهنزل سوق السبت الصبح أجيب الخضار بالكمية وأسبكه وأشيله في الفريزر، وهلغي اشتراك القنوات والنت اللي ملوش لازمة في البيت ده. بس حط في دماغك حاجة واحدة، وحطها حلقة في ودنك كويس.
إيهاب اعتدل في قعدته وقفل التليفون، ونظرة عينيه اتغيرت وبقت فيها حتة لؤم وضيق، وقالي: وحاجة إيه دي بقى إن شاء الله؟ هتهدديني؟
قولتله: لا مش بهددك، أنا بعرفك الأصول اللي إنت نسيتها. البيت ده من بكرة هيمشي بفلوسي أنا، يعني بلقمتي أنا وتدبيري أنا. الأكل اللي هيتطبخ، والشاي اللي هيتعمل، والهدوم اللي هتتغسل في الغسالة بمسحوق مدفوع من شقايا، كل ده مروان وأنا أولى بيه. إنت قولت إنك مش هتدفع، يبقى مالكش طلبات عندي. ما تجيش تطلب مني أعملك لقمة، ولا تقولي فين القميص الأبيض المغسول والمكوي، ولا تقولي اعمليلي كباية شاي أعدل بيها دماغي. فلوسك تشتري بيها حاجتك بره، وتاكل بره، وتغسل هدومك في المصبغة بره. مادام بره البيت في المصاريف، يبقى بره البيت في الخدمات كمان. من النهاردة إحنا اتنين أغراب عايشين تحت سقف واحد، لحد ما ربنا يقضي أمر كان مفعولاً.
إيهاب وشه احمر وعروق رقبتها برزت، وقام وقف فجأة وبقى طوله في طولي، وزعق بصوت هز الصالة لدرجة إن الشنيور بتاع الجيران سكت في لحظتها كأنهم سمعوه: إنتي اتجننتي يا بت؟ إنتي بتلوي دراعي في بيتي؟ إنتي نسيتي نفسك ولا إيه؟ أنا الراجل هنا، واللي أقوله يمشى، وهدومي تتغسل وأكلي يتعمل غصب عن عينك، وإلا وعهد الله هتشوفي مني وش عمرك ما شفتيه!
بصيت في عينيه ومترمشتش. الخوف اللي كان بيموتني زمان اتمسح. مابقاش عندي حاجة أخاف عليها مادام مستقبلي ومستقبل ابني بقوا في الهوا. قولتله بصوت واطي ومسموع، طالع من بين سناني: وريني هتعمل إيه يا إيهاب. أقصى ما عندك اعمله. هتضربني؟ اضرب عشان أطلبلك النجدة وأعملك محضر في القسم وأفضحك وسط أهلك وناسك والشركة اللي إنت شغال فيها وتعمل فيها الباشمهندس المحترم. هتطلقني؟ طلقني، وأهو كده كده الشقة دي إيجار قديم باسم بابا الله يرحمه يعني مش بتاعتك، والتمكين هيجيبهالي في أسبوعين وأقعد فيها أنا وابني معززين مكرمين وأخد منك نفقة وأنت صاغر. وريني بقى طول طولك ووريني الوش اللي هشوفه.
إيهاب اتصدم من كلامي، مكنش متوقع إن إلهام الهادية، المطيعة، اللي كانت بتقول حاضر ونعم وتعيط في المطبخ من أقل كلمة، تقف قدامه بالمنظر ده وترد عليه الكلمة بعشرة وبتحدي. فضل واقف مكانه ينهج وعينيه بتروح وتيجي في الصالة، كأنه بيدور على حاجة يكسرها أو كلمة تانية يقولها يحفظ بيها ماء وجهه، بس ملقاش.
في اللحظة دي، سمعنا صوت الباب بتاع أوضة مروان بيفتح ببطء، وظهر مروان في الصالة، وهو بيفرك في عينيه الصغيرين مخدوض من الصوت العالي، وقدمه الحافية على البلاط الساقع، وقال بصوت خايف ومرعش: ماما… في إيه؟ إنتوا بتتخانقوا ليه؟ هو بابا هيضربك؟
الدموع اللي كنت حساها جفت في عنيا رجعت تاني بغزارة، بس مسحتها بسرعة بظهر إيدي وجريت عليه، أخدته في حضني ورفعت جسمه عن الأرض وضميته لصدري جامد، وقولتله وأنا ببوسه في كل حتة في وشه: لا يا حبيب ماما، مفيش حاجة خالص. بابا وماما مش بيتخانقوا، إحنا كنا بنتكلم بصوت عالي بس عشان صوت التلفزيون والشنيور. تعال يا حبيبي، تعال نام في حضني النهاردة جوه.
أخدت مروان ودخلت بيه الأوضة الكبيرة بتاعتي، وقبل ما أقفل الباب، بصيت نظرة أخيرة على إيهاب اللي كان لسه واقف في نص الصالة زي الصنم، باصص للأرض والغل والغيظ واكلين قلبه. قفلت الباب بالمفتاح من جوه، وخدت ابني في حضني على السرير، ودموعي بتنزل على مخده السرير في الضلمة. كنت عارفة إن اللي جاي صعب، وإن المعركة الحقيقية لسه هتبدأ من بكرة الصبح، بس كنت حاسة بقوة غريبة لأول مرة في حياتي، قوة أم مابقاش عندها حاجة تخسرها غير كرامتها ولقمة ابنها.