حماتي كانت بتناديني باسم طليقة جوزي
حماتي كانت تتعمد تناديني باسم طليقة جوزي
وفي كل مرة كنت أبتسم وأسكت.
كنت أقنع نفسي إنها بتتلخبط.
لكن بعد فترة فهمت
إنها عمرها ما كانت بتغلط.
كانت بتعملها عمد.
كل ما يبقى عندنا ضيوف تقول
يا ندى أقصد يا هبة.
وتضحك.
والناس تضحك معاها.
وأنا أبلع الإهانة.
جوزي كان يقول
كبري دماغك أمي كبرت في السن.
لكن الغريب
إنها كانت بتفتكر أسماء الجيران كلهم.
وأسماء ولادهم.
وأرقام تليفوناتهم.
بس اسمي أنا؟
دايمًا يتنسي.
لحد يوم عيد ميلاد جوزي.
كنت مجهزة كل حاجة.
الأكل.
والتورتة.
والبيت.
ولما الضيوف وصلوا
حماتي وقفت وسطهم وقالت بصوت عالي
ربنا يخليلك مراتك الأولى آه قصدي الحالية.
الضحك ملأ المكان.
وأنا حسيت إن الأرض بتبلعني.
لكن المرة دي
ما سكتش.
ابتسمت.
وبصيت لها بهدوء.
وقلت
ولا يهمك يا طنط الغلط وارد.
وسكت.
الكل افتكر إني عدّيت الموضوع.
لكن بعد نص ساعة
وأنا بوزع التورتة
وقفت قدامها وقلت بابتسامة
اتفضلي يا أم محمد.
اتكشرت.
وقالت
أنا اسمي أم أحمد.
ابتسمت أكتر وقلت
آسفة أصل اللي بيغلط مرة،
ممكن يغلط مرتين.
الصالة كلها سكتت.
وجوزي بص لأمه.
وأول مرة يشوف بعينه إنها ما كانتش بتتلخبط.
حماتي احمر وشها وقالت بعصبية
إنتِ بتتريقي عليا؟!
قلت بمنتهى الهدوء
لا خالص افتكرت إننا بقينا كلنا بننادي بعض بأسامي ناس تانية.
الجو اتقلب في ثانية.
لكن اللي قلب الدنيا بجد
إن جوزي قام من مكانه.
وبص لأمه وقال
خلاص يا أمي.
اسم مراتي بسمة ومن النهارده لو نطقتي اسم غيره، هتمشي من بيتي.
حماتي شهقت.
وقالت
علشانها بتكلمني كده؟!
رد عليها وهو ماسك إيدي
لأ علشان أنا اكتشفت إنك بتهينيها بقالك سنتين وأنا كنت بصدق إنك بتتلخبطي.
ولأول مرة
خرجت حماتي من بيتنا وهي ساكتة.
لكنها ما كانتش تعرف
إن اللي كشف حقيقتها ما كانش ردي.
كان تسجيل صوتي.
كانت هي بنفسها بعتته بالغلط في جروب العيلة.
وهي بتقول لأخت جوزي بصوت عالي ومليان غل وحقد
أيوه يا سلوى، ما تشغلي بالك، أنا عارفة أعمل إيه. كل ما أسمع اسمها بسمة، كأني بحس نار بتشتعل في قلبي. إيه يعني؟ هي جت مكان ندى؟ اللي كانت بنت الناس والأصل الطيب؟ دي جت من بره، ما لها أصل ولا فصل، وأنا من أول يوم قلت له ما تتجوزها، لكنه ما سمعش الكلام. فأنا هفضل أناديها باسم ندى، لحد ما تزهق وتمشي برجليها، ولا تفضل تعيش هنا وهي حاسة إنها مش قد المقام، وإن المكان ما كانش ليها أصلاً. وكل ما حد يقول لي يا طنط غلطتي، أضحك وأقول والله ما أنا عارفة، الذاكرة بقت تخونني، وكله بيصدق، حتى هو نفسه بيقول كبري دماغك أمي كبرت في السن. ههههه، ولا عمره هيشك إنها مقصودة، ولا هي حتفهم غير لما يفوت الأوان وتمشي وتخلينا في حالنا.
الرسالة دي وصلت الجروب كله خالاتي، أعمامي، كل أهل جوزي. الكل قراها، وسكتوا أول الأمر، مستغربين، لحد ما شافوا الموقف قدام عينهم في عيد الميلاد.
بعد ما مشت حماتي ساكتة، فضل الضيوف واقفين حايرين، واحد بيبص للتاني، محدش عارف يقول إيه ولا يروح فين. جوزي أحمد فضل ماسك إيدي بسمة جامد، كأنه بيقول لها بعينه حقك عليّ، سامحيني، ما كنتش عارف ولا كنت مصدق. سحبها شوية لبعيد عن الكل وقال لها بصوت مبحوح من الغضب والندم
بسمة، والله ما كان في بالي ولا مرة إنها بتعمل كده عمد. كل مرة كنت أسمعها ألوم نفسي وأقول دي أمي كبرت، والذاكرة مش زي الأول، وإنك قوية وتقدري تتحملي، لكن النهارده لما شفتك بتردي عليها بنفس أسلوبها، ولما شفت رد فعلها وإنها اتكشرت واتعصبت، عرفت إن كل كلامي كان غلط، وإنك كنتِ بتكتمي جواكِ إهانة سنتين كاملين.
ابتسمت بسمة له ابتسامة حزينة، ومسحت دمعه حبستها من ساعة ما بدأت الحكاية، وقالت له
يا أحمد، أنا كنت قلت لنفسي ألف مرة، يمكن تكون فعلاً ناسية، يمكن اللي مرت بيه في حياتها خلّاها تتلخبط، وكل مرة كنت ألاقي نفسي أضحك وأقول المهم إني معاك وأنت عارف قيمتي. بس تعرف إيه اللي كان بيكسرني أكتر؟ إنها بتفتكر أسماء كل الناس، أسماء الجيران، أسماء ولادهم، حتى أرقام تليفوناتهم بتحفظها زي ما هي، بس اسمي؟ كأنه مش موجود في الدنيا أصلاً. كنت حاسة إني ضيفة مش مرات ابنها، وكل ما كنت أشوفك تقول لي كبري دماغك، كنت أتساءل هو شايفني ولا شايف بس أمه وكلامها؟
حط أحمد إيده على كتفها وقال بجدية ما شافتها من قبل
من النهارده ما يحصلش كده تاني أبداً. أنا وعدتك قدام الكل، وهاوفي بوعدي. أمه أمي طبعاً،
لمحة نيوز
لكنك أنتِ مراتي ورفيقة عمري، وحقك مقدس عندي، ومش هسمح لحد مهما كان يهينك ولا يقلل منك.
رجعوا مع بعض للضيوف، اللي بدأوا يتكلموا بصوت واطي، وكل واحد بيقول كلام يثبت إنهم فهموا الحقيقة أخيراً. عمي سليم، اللي هو أكبر أخو حماتي، بص لأحمد وقال بصوت عالي يسمعه الكل
يا ولدي، الحق معاك، وكل كلامك في محله. أنا من أول مرة شفتها بتعمل كده كنت مستغرب، قلت لنفسي أكيد غلطة، لكنها كترت وزادت، وقلت استنى يمكن تتغير، لكن لما وصلت الرسالة دي في الجروب، عرفت إن الموضوع مش غلطة ولا نسيان، إنها قصد وإصرار. وإنك يا بسمة صبرتِ صبر جميل، وما رديتِ إلا باللي يرد الغل بالحسنى لحد ما فاض الكيل وظهر الحق.
واحدة من خالات أحمد، خالتها فاطمة، قربت من بسمة ومسكت إيدها بحنية وقالت
يا بنتي، ربنا يثبتك ويبارك فيكِ، كنتِ كتير صابرة وأعرف إن قلبك كان بيتقطع كل مرة، بس ربنا ما بيضيعش حق حد، وفضحها زي ما هي قالت في رسالتها، وجعل كلامها اللي هي بعتته غلطان سبب لانكشاف كل حاجة. ولا تزعلي نفسك، هي بتعاند بس لأنها كانت متعلقة بندى أكتر من اللازم، وبتشوفك بدالها، ومش قادرة تتقبل إن الدنيا بتتغير، وإن اللي راح ما بيرجعش، وإنك أنتِ اللي هتفضلي جنب ابنها طول العمر.
بسمة ردت عليها بابتسامة هادئة زي ما هي عادتها
يا طنط، أنا مش حاملة في قلبي كره ولا حقد، بس اللي كنت عايزاه بس إنها تحترمني زي ما أنا بحترمها، وإن تناديني باسمي زي ما بناديها باسمها. ولا عايزة شيء أكتر من كده.
بعد ما مشى كل الضيوف، فضل أحمد وبسمة في البيت، وهدأت الدنيا شوية، بس القصة ما خلصتش هنا. بعد يومين، جت حماتي البيت تاني، بس المرة دي مش بنفس الهيبة والغرور اللي كانت تمشي بيه دايماً. دقت الباب، ولما فتحت لها بسمة، لقتها واقفة، وشها محمر، وعيونها مكسورة، وقالت بصوت واطي متردد
ممكن أدخل يا بسمة؟ عايزة أكلمك وأكلم أحمد.
بسمة ابتسمت وردت بكل هدوء
أكيد يا طنط، اتفضلي.
دخلت، وقعدت جنب أحمد اللي كان قاعد في الصالة، وسكتت شوية، بعدين بدأت تتكلم بصوت فيه ندم واضح
يا أحمد، يا بسمة، جيت أعتذر. أعرف إن اللي عملته كان غلط كبير، وإن كلامي اللي كتبته في الرسالة وصل الكل، وإن الحق كان عليّ طول الوقت. كنت بحب ندى بجد، ومش قادرة أتقبل إنها راحت وإن مراتك غيرها، وكل ما كنت أشوفك مع بسمة، كنت أتذكر الماضي وأعاند، وأعمل كده عمد عشان أضايقها، وأقول في نفسي إنها مش هتفهم ولا هترد، وإنك هتقف في صفّي دايماً. بس النهارده عرفت إن اللي عملته كان بيزيد الفجوة بيني وبينك، وإن بسمة ما عملت لي شيء وحش طول السنين دي كلها، بالعكس كانت تحترمني وتخدمني وتصبر عليّ أكتر من أي حد تاني.
بصت لبسمة وكملت
سامحيني يا بنتي، حقك عليّ، ما كنتش عارفة إن الصبر اللي عندك ده كلو، وإنك بتكتمي في قلبك إهانات كتير لحد ما وصلنا لهنا. وأنا وعد من النهارده، ما ينطق لساني غير اسمك، وإن شاء الله نعيش مع بعض زي ما المفروض يكون، أم ومرات ابنها، ومش أعدّي أي كلمة تضايقك أبداً.
قامت بسمة من مكانها، قربت منها وحضنتها بحنية، وقالت لها بكل صدق
أنا سامحتك من زمان يا طنط، ولا كان في قلبي غير الخير ليكِ، بس كنت محتاجة بس نوقف الحاجة دي عند حدها، ونرجع كل واحد مكانه الطبيعي. وإن شاء الله من اليوم نبقى عيلة واحدة ومفيش بينا أي حاجة تانية.
أحمد ابتسم واتنفس الصعداء، وحس إن الدنيا رجعت طبيعية أخيراً. من اليوم ده، حماتي فعلاً غيرت معاملتها تماماً، ما سمعش حد ينادي بسمة باسم غير اسمها أبداً، وكل ما كانت تشوفها تقول لها بكل حب يا بسمة يا بنتي، تعالي شوفي كده، وبدأت بسمة تحس إنها فعلاً مرات البيت، وإنها اخدت مكانها الحقيقي واللي تستحقه بجد.
وبعد فترة، جت خالتها فاطمة مرة تانية البيت، وقالت لهم بضحكة
شفتوا؟ ربنا كشف الحق باسلوب غريب، رسالة غلط في الجروب، ورد حكيم من بسمة، ووقف من أحمد في
وقته الصح، وكل ده خلى الحق يظهر ويعم السلام، وإن شاء الله تفضلوا كده طول العمر، ما يفرقكم شيء أبداً.
وهنا عرفت بسمة أخيراً إن الصبر مش معناه الضعف، وإن الرد الحكيم في وقته هو اللي بيغير كل شيء، وإن الحق مهما اتأخر، لازم يظهر في النهاية، وإن كل إهانة كانت بتاخدها كانت بتزيدها قوة وثبات، لحد ما وصلت لليوم اللي الكل فيه اعترف بحقها، واحترمها، وحبها بجد بجد.
