روحت اقدم لابنى فى المدرسه لانجى الخطيب
روحت اقدم لابني في المدرسة الابتدائي، وهناك اكتشفت مصيبة.. اكتشفت إني مش متجوزة اصلاً! واالي عرفته بعد كده كان العن واحىقر الف مره !!!!أنا اسمي “منى”، بنت عادية جداً وطول عمري في حالي. من حوالي سبع سنين، اتعرفت على “طارق”. طارق كان شخص يدخل القلب من أول دقيقة.. هادي، كريم، وبيتكلم بأسلوب يخليكي تحسيه أرجل راجل في الدنيا. ارتحنا لبعض جداً، وحسيت إنه العوض اللي ربنا بعتهولي.
لما جه اتقدم لبابا، جه هو ووالدته بس.. ست طيبة وهادية ولابسة أسود. طارق وقتها قعد مع بابا وقال بأسف: “يا عمي، أنا والدي اتوفى من كام شهر بس، وأنا ماليش إخوات، ومباقيش ليا في الدنيا دي غير أمي.. عشان كده أنا مش قادر أعمل فرح وزيطة احترماً لوفاة ابويا، وإحنا هنعمل كتب كتاب في البيت على ضيق، وآخد منى على شقتنا على طول”.
بابا الله يرحمه طيب، وبص للراجل ولقاه شاري وعايز يستر بنته، فوافق وقال: “يا ابني إحنا بنشتري راجل، والمظاهر دي متهمناش”. وبالفعل، جاب المأذون وعملنا كتب الكتاب في صالون بيتنا، ومضيت وبصمت على الدفتر، وخدني على شقته وأنا طايرة من السعادة.
عدت السنين، وجبت ابني “أدم” اللي ملا عليا الدنيا. بس لو رجعت بذاكرتي لورا، هكتشف إن كان فيه علامات كتير أنا غميّت عيني عنها بدافع الحب والثقة.
طول فترة جوازنا، أهلي مشافوش من أهله غير والدته بس، اللي كانت بتيجي تزورنا كل فين وفين وتقعد ساكتة. لما كنت بسأله: “يا طارق، مفيش أي أعمام؟ ولاد عم؟ أي حد من ريحة أبوك؟” كان يتقلب وشه ويقولي: “مقاطعينهم من زمان عشان مشاكل ورث، ريحي نفسك يا منى ومتقلبيش عليا المواجع”. وأنا طبعاً كنت بسكت عشان مضايقوش.
والأغرب من كده؟ كل ما نيجي نطلع ورقة، نجدد بطاقة، أو نعمل شهادة ميلاد لأدم لما اتولد، كان طارق ياخد الأوراق ويقولي: “خليكي أنتِ متبهدليش في الطوابير والمصالح الحكومية، أنا هخلص كل حاجة لوحدي”.. وأنا كنت بشوف ده قمة الحنية والشهامة! كان بيرجع بالشهادة متقفلة ومختومة بالنسر، فكنت بأخدها وأنا مطمنة ومرتاحة ومبروزاها في الدوسيه.
لحد ما جه ميعاد التقديم للمدرسة الابتدائي. التقديم فتح، وأنا بقيت أقوله كل يوم: “يا طارق، ميعاد المدرسة هيروح، يلا بينا نروح نقدم لأدم”.
وكان كل يوم يتحجج بحجة شكل:
”النهاردة عندي تسليم شغل مهم في الشركة”
”بكرة المدير طالبنا في اجتماع”
”استني بس يا منى، هخلص اللي ورايا الأسبوع ده وأنا هروح بنفسي أقدم له وأظبط كل حاجة”.
الأيام بتجري، والتقديم هيقفل، وأنا قلبي أكلني على مستقبل ابني. في يوم الصبح، بعد ما نزل الشغل، قولت لنفسي: “طب وأنا قاعدة مستنية إيه؟ ما أروح أنا أقدم للولد وأفاجئه، وأهو بالمرة أخفف عنه الضغط والشغل اللي هو فيه”.
لبست ولبست أدم، وخدت الدوسيه الكحلي اللي فيه “كل حياتنا” ونزلت.
وصلت المدرسة، ودخلت مكتب التقديم. كانت قاعده موظفه اربعينيه لابسه نظارة طبية، بتبتسم في وش الناس وتاخد الملفات. جه دوري، قعدت على الكرسي وبادلتها الابتسامة وطلعت الأوراق:
“اتفضلي يا فندم، دي أوراق أدم طارق.. شهادة الميلاد، وقسيمة الجواز، وصور البطايق”.
الموظفة خدت الورق، وبدأت تفرز. فجأة، الابتسامة اختفت من على وشها.. ملامحها اتصلبت. مسكت شهادة الميلاد وبقت تبص لها بتركيز غريب، وبعدين جابت قسيمة الجواز وبقت تقلبها يمين وشمال، وترفعها في النور.. وبقت تبصلي بشك مريب ونظرات غامضة خوفتني.
أنا قلقت، قولت لها: “خير يا أستاذة؟ فيه حاجة ناقصة في الورق؟”
الموظفة بلعت ريقها، وبصتلي وحاولت تبتسم بـ “لطف مصطنع” وقالتلي بصوت هادي: “لا أبداً يا مدام.. بس السيستم هنج معايا شوية، هروح أراجع البيانات من الدفتر الرئيسي في المكتب اللي جمبنا.. ارتاحي أنتِ بس واشربي بؤ مية”.
قعدت.. دقيقة.. اتنين.. عشرة.. والوقت بيمر كأنه سنين. أدم بدأ يزهق ويمسك في إيدي، وأنا قلبي بدأ يدق بسرعة من غير سبب. ليه غابت كل ده؟
وفجأة.. الباب اتفتح. بس مش الموظفة اللي دخلت لوحدها.
دخل راجل طويل، لابس بدلة ميري، وورا اتنين عساكر.. وبالمعنى الأصح: البوليس!
الموظفة كانت واقفة وراهم، وشاورت عليا بصباعها وهي بتقول:
”هي دي يا حضرة الظابط.. هي دي الست اللي معاها الورق!”
أنا اتسمرت مكاني. الدم هرب من عروقي، ووقفت بصدمة وذهول وأنا بضم أدم لحضني وبسأل بصوت متقطع: “فيه إيه؟ أنتوا مين؟ وبتشاوروا عليا كدة ليه؟! أنا عملت إيه؟”
الظابط قرب مني، ملامحه كانت حادة وصارمة جداً، وبصلي بنظرة خلت ركبي تخبط في بعضها، وقال بلهجة جافة وصادمة:
”فيه إن جيلنا بلاغ من الموظفة هنا.. إن كل الأوراق اللي أنتِ شايلاها دي، من شهادة ميلاد الولد لقسيمة الجواز.. كلها أوراق مزورة تزوير كلي! اتفضلي معانا على القسم من غير شوشرة.”
في اللحظة دي، حسيت الأرض بتتهز من تحتي وأنا مش مستوعبة اللي بسمعه.. عقلي وقف كلياً… بس الصدمة دي مكنتش النهاية.. لأن اللي عرفته بعدها كان أسوء وأبشع بكتير من مجرد ورق مزور!!!!!!!
………
الدنيا اسودت في عيني، والظابط بيتكلم وأنا حاسة إن صوته جاي من حتة بعيدة أوي.. أدم بدأ يصرخ ويمسك في رجلي، وأنا مش قادرة أقف على طولي، دموعي نزلت مغرقة وشي وأنا بزعق بانهيىار: “تزوير إيه يا فندم؟! أنت بتقول إيه؟! ده جوزي، وده ابني، والورق ده كله مأذون اللي عامله في بيتنا! والله العظيم أنا ماليش دعوة بالحاجات دي!”
الظابط بصل لدموعي بنظرة شك، بس نبرته هديت سنة صغيرة وقال: “يا مدام الكلام ده مش هنا، اتفضلي معانا في الهدوء عشان الولد اللي مرعوب في إيدك ده”.
مشيت معاهم وأنا رجلي بتجرجر على الأرض، ركبنا البوكس والناس في الشارع بتبصلي كأني مجرمة.. أدم كان دافن رسه في حضني وبيموت من الخوف، وأنا عقلي شغال زي المكنة: طارق فين؟ معقول طارق ضحك عليا؟ طب ليه؟ طب والمأذون؟ طب وأمه؟!
وصلنا القسم، ودخلوني مكتب رئيس المباحث، راجل هادي وذكائه باين في عينه. قعدت على الكرسي وأنا بترعش، والظابط حط الأوراق قدامه على المكتب وقال: “يا فندم، دي الست اللي اتمسكت في المدرسة بأوراق مزورة.. قسيمة الجواز تزوير كلي، والشهادة متسجلة برقم قومي بتاع طفل متوفي من ست سنين!”.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. طفل متوفي؟! يعني أدم ملوش وجود في الدولة؟! يعني أنا مش متجوزة أصلاً؟!
رئيس المباحث بصلي وقال بجمود: “اسمك إيه يا مدام؟”
رديت بصوت مبحوح: “منى.. منى عبد الرحمن”.
”وتعرفي منين اللي اسمه طارق ده؟”
حكيت له كل حاجة من سبع سنين لحد النهاردة، وبقيت أحلف بأي حاجة في الدنيا إني ضحية ومش فاهمة حاجة. الراجل سمعني للآخر، وبعدين سحب قسيمة الجواز وبص فيها، وقال للظابط اللي واقف: “اطلبلي طارق ده فوراً، وهاتلي برينت كامل عن الرقم القومي بتاعه”.
ساعتين وأنا قاعدة على نار، لحد ما العسكري دخل ومعاه ورقة. رئيس المباحث خدها وبص فيها، وفجأة لقيت ملامحه اتقلبت تماماً.. بصلي بنظرة شفقة وعجز عمري ما هنساها.. نظرة رعبتني أكتر من نظرة الظابط في المدرسة.
قرب بالكرسي بتاعه وقال بصوت واطي: “يا مدام منى.. أنا عايزك تتماسكي.. الصدمة مش في الورق المزير وبس”.
مسكت في حرف المكتب وقولت برعب: “في إيه تاني يا فندم؟ قولي ماله طارق؟”
رئيس المباحث اتنهد وقال: “طارق اللي أنتِ عايشة معاه بقالك سبع سنين، ومخلفة منه.. اسمه الحقيقي مش طارق أصلاً.. اسمه ‘مسعد’، ومفيش حد في عيلته بالأسماء اللي قالها لك.. والست اللي جت معاه وقالت إنها أمه، دي واحدة مسجلة آداب ومأجرها بالفلوس عشان تعمل الدور ده”.
جسمي كله سقع، وحسيت إني مش قادرة أتنفس: “يعني إيه؟ يعني هو مين؟!”
الظابط كمل وجلدني بالحقيعة المرة: “مسعد ده مسجل خطر، هربان من حكم مؤبد في قض..ية قت..ل وسرقة بالإكراه من تسع سنين! هو انتحل شخصية ‘طارق’ ودور ورق عشان يختفي من عيون الحكومة.. وعشان يكمل الحبكة، اتجوزك بجواز صوري، وجاب واحد صاحبه لبس لبس مأذون وعملكم الحفلة دي في بيتكم.. أنتِ بالنسبة له كنتِ مجرد الستار اللي بيستخبى وراه من حبل المشنقة.. بيت هادي، وزوجة من عيلة محترمة، وطفل يثبت بيه وجوده الجديد في المنطقة.. أنتِ عيشتي سبع سنين مع قاتل وهربان من العدالة!”.
الدموع نشفت في عيني.. حسيت إن روحي بتتسحب مني.. السبع سنين اللي فاتوا مروا قدام عيني في ثانية.. الراجل الحنين، الكريم، اللي كان بيخاف عليا من الهوا، طلع وحش بشري.. طلع قاتل.. ومستخدمني لافتة عشان يداري قرفه! وابني.. ابني ملوش اسم، ملوش أب، ملوش ورق.. أنا ضعت، وضيعت ابني معايا عشان غميت عيني باسم الحب.
رئيس المباحث قاطع صدمتي وقال: “دلوقتي يا مدام منى، أنتِ هتمضي على أقوالك وتعملي بلاغ ضده، وإحنا هنطلع قوة على الشقة نجيبه.. ولازم تدلينا على أي مكان ممكن يهىرب فيه”.
هزيت راسي زي المجنونة وقولت: “هاتوه.. هلوتوه ارجوكم.. ده دمرني.. ده دب..حني ودب..ح ابني!”.
وفعلاً، القوة طلعت.. وفضلت أنا وأدم في القسم مستنيين.. بس الغدر مكنش واقف لحد هنا.. بعد ساعة، التليفون رن على مكتب رئيس المباحث، رد، ولقيته وشه اتخىطف وبصلي وقال: “الشىقة فاضية يا فندم؟.. يعني إيه؟.. طب دوروا في المنطقة!”.
قفل السكة وبصلي وقال بخيبة أمل: “مسعد فص ملح وداب.. الجيران قالوا إنه جه جري من ساعة، لّم كل الفلوس والدهب اللي في الشىقة، وهرب.. تليفونه اتمسك في المدرسة وعرف إنك اتمسكتِ!”.
في اللحظة دي، انهرت تماماً ووقعت على الأرض وأنا بصرخ، وأدم بيعيط ويحضن فيا.. أنا بقيت في الشارع.. برقم قض,,ية، وابن ملوش وجود، وشرف متهان، ومستقبل ضاع بين إيدين مجىرم هىرب وسابني أشيل الليلة لوحدي.
………
لمىيت ابني في حضىني وخرجت من القسم وأنا مش شايفة قدامي، الخطوة بطول سنة، والناس اللي بتبصلي برأفة واليجري ورايا بنظرات شك. ركبت تاكسي وروحت على شىقة أبويا الله يرحمه.. الشىقة اللي اتقفل بابها من يوم ما خرجت منها عروسة، أو كنت فاكرة نفسي عروسة!
فتحت الباب وإيدي بترتعش، دخلت ورمىيت نفسي على الكرسي في الصالون.. نفس الصالون اللي قعد فيه “مسعد” مع بابا، نفس المكان اللي المأذون المزيف كان قاعد فيه وبيكتب شهادة وفاتي بإيده وهو بيضحك!
أدم نام من كتر العياط والتعب على الكنبة، وأنا فضلت صاحية.. عيني في السقف، وكل دقيقة بتعدي بتشرح في قلبي. أنا منى.. البنت اللي كانت بتخاف من خيالها، بقيت فجأة في مواجهة مع الدنيا كلها، من غير ضهر، ومن غير ورق، وبسمعة ملوثة في دفاتر الحكومة!
يومين مروا وأنا حابسة نفسي، مباكلش ولا بشرب، لحد ما الباب خبط. قومت وأنا مرعوبة، فتحت ولقيت محامي محترم، كان صديق لبابا الله يرحمه وعارفنا من صغرنا. أول ما شافني، وشه اتقلب بالأسى وقال: “أنا عرفت باللي حصل يا منى من واحد صاحبي في القسم.. يا بنتي إزاي تسكتي على نفسك كدة؟”
عيطي انهار تاني وقولتله: “أنا مكنتش أعرف يا عم أحمد.. والله العظيم كنت فاكراه راجل بجد! أنا ضعت.. وأدم ضاع، ملوش شهادة ميلاد، ومليش قسيمة جواز، أنا في نظر القانون إيه؟!”
عم أحمد قعد وحط إيده على دماغه بتفكير، وقال بنبرة جدية: “اسمعيني يا منى.. العياط مش هيحل حاجة، والوحش ده هرب ومش هيرجع، وإحنا لازم ننقذ الولد وننقذك أنتِ الأول”.
”أنقذ نفسي إزاي والورق كله تزوير؟!”
عم أحمد بصلي وقال: “إحنا هنرفع قض..ية ‘إثبات زواج’ وقض..ية ‘إثبات نسب’ لأدم.. هنجيب شهود من الجيران اللي شافوه وهو عايش معاكي بقاله سبع سنين، وهنطلب تحليل DNA لو اتمسك، أو هنجيب شهادة الجيران وإقرار بالمعاشرة الزوجية عشان نطلع لأدم ورق رسمي باسم أبوه الحقيقي ‘مسعد’.. مش هنسيب الواد يضيع”.
الكلام ريح قلبي شوية، بس كان فيه نار جوايا مش هتنطفي إلا لما المجرم ده يقع.
مرت شهور وأنا كعابي دابت في المحاكم.. نظرات المحامين، وأسئلة القضاة، وتحقيقات النيابة اللي كانت بتخليني أحس إني عريانة وقدام الناس كلها. كل جيراننا في المنطقة القديمة جم وشهدوا معايا، ووقفوا وقفة رجالة وقالوا إن الراجل ده كان عايش معاها على إنه جوزها علنًا قدام ربنا والناس.
وفي يوم، وأنا قاعدة عند عم أحمد في المكتب بنتابع القض..ية، تليفونه رن.. رد، ولقيته وقف فجأة وصوته اتغير: “أنت بتتكلم بجد؟! فين؟! طيب أنا جاي حالاً”.
قفل السكة وبصلي وعينه بتلمع: “اتمسك يا منى! مسعد اتمسك في كمين على طريق الإسكندرية وهو بيحاول يهرب ببطاقة مزورة تانية!”.
حسيت إن روحي رجعتلي.. قومت وقفت وقولت بقوة عمري ما حسيت بيها قبل كده: “أنا لازم أروح.. لازم أشوفه وهو مكسور زي ما كسرني!”.
روحت مع عم أحمد على النيابة، ووقفت ورا باب التحقيق.. ولما العسكري خرجه والكلابشات في إيده، شوفت طارق.. قصدي مسعد! مكنش طارق الحنين اللي عرفته.. كان وشه شاحن، وعينه زي التعالب، وهدومه مبهدلة.
أول ما عينه جت في عيني، حاول يدير وشه، بس أنا قربت منه ووقفت قدامه، وبقيت أبص له بنظرة مفيهاش دموع.. فيها غل وقرف.
وقفت وقولتله بصوت عالي وثابت سمعه كل اللي في الممر: “فاكر نفسك ذكي؟ فاكر إنك لما تسرق اسم، وتسرق عمر بنت، وتسرق مستقبل طفل، ربنا هيسيبك؟ أنت عشت جبان وهتموت في السجن محبوس زي الفئران.. وأنا ابني هربيه وهيبطل يشيل اسمك القذر ده، وهيطلع أنظف وأرجل منك يا مجرم!”.
مسعد بنذالة بص في الأرض ومطقش بكلمة، والعسكري شده ومشي بيه لزنزانته.. شوفت ظهره وهو ماشي وحسيت إن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح.
بعد السنين دي كلها، القض..ية حكمت ليا بإثبات النسب، وأدم بقا معاه شهادة ميلاد حقيقية باسم “أدم مسعد”.. مكنش الاسم اللي بتمناه، بس على الأقل ابني بقا ليه وجود، وبقا يقدر يدخل المدرسة زي بقية الأطفال.
أنا اتعلمت الدرس الغالي أوي.. الدرس اللي دفعنا تمنه سبع سنين من عمري.. الحب الأعمى مبيجيبش غير الندم، والثقة المطلقة في شخص ملوش أصل هي أول طريق الهاوية. دلوقتي، وأنا واقفة قدام باب المدرسة وبسلم ملف أدم للموظفة، وهي بتبتسم وتقولي: “ورقك تمام يا مدام”، بصيت للسما وقولت: “الحمد لله.. بردت ناري، وبدأت حياتي من جديد”.
………
عدت السنة الأولى لأدم في المدرسة، وكل يوم كنت باخده في حضني الصبح وأنا بوجّهه لباب المدرسة، كنت بحس إن كل خطوة بيخطيها هي خطوة ليا أنا كمان ناحية الحياة من جديد. اشتغلت، نزلت واجهت الدنيا، مكنش ينفع أفضل كسر نفسي بعد كل اللي حصل. اشتغلت في أتيليه تفصيل وخياطة، وبقيت بقرش الحلال قادرة أكفي نفسي وابني، ومحتاجش لمخلوق.
وفي يوم وأنا راجعة من الشغل، لقيت عم أحمد المحامي بيكلمني، صوته كان فيه نبرة غريبة.. هدوء ممزوج براحة.
“إزيك يا منى يا بنتي.. عاملة إيه وأدم عامل إيه؟”
”الحمد لله يا عم أحمد، في فضل ونعمة.. خير، فيه جديد في القض..ية؟”
عم أحمد اتنهد وقال: “مسعد خلاص يا منى.. الحكم القديم اتنفذ عليه، وانضافت عليه قضايا التزوير والنصب وانتحال الشخصية.. أخد حكم مجمع مش هيخرج منه حي. اتقفل كتابه للأبد يا بنتي، وعمرك اللي سرقه، ربنا رجعلك تمنه كرامة وراحة بال”.
أول ما قفلت السكة، حسيت بركبي سابت.. قعدت على أقرب كرسي، بس المرة دي مكنش فيه دموع خوف ولا قهر، كانت دموع شكر.. شكر لربنا اللي مبيسيبش حق حد.
لكن الدنيا مبتقفش، وأدم بدأ يكبر، ومع كبره بدأت الأسئلة.. الأسئلة اللي كنت مرعوبة منها من يوم ما اتولد.
في يوم، وأنا بقعد معاه أذاكر له، لقا كتاب القراءة مكتوب عليه اسمه بالكامل: “أدم مسعد…”، بصلي بعيونه البريئة اللي شبه عيوني وقال: “ماما.. هو أنا ليه مش بشوف بابا؟ وليه كل صحابي في المدرسة باباهم بييجي ياخدهم وأنا لأ؟ هو بابا فين؟”
الكلمة سكنت في صدري زي السك..ينة. بلعت ريقي، وحاولت أجمع كل ثباتي عشان متهزش قدامه. نزلت لمستواه، مسكت إيديه الصغيرة وقولتله بنبرة هادية ومليانة حنان: “بص يا حبيبي.. بابا ده كان شخص مش كويس، عمل حاجات وحشة زعلت ربنا وزعلت الناس منه، وعشان كده ربنا أخد منه كل حاجة، وهو دلوقتي بعيد.. بعيد أوي ومش هيرجع تاني. بس أنت مش لوحدك، أنا معاك.. أنا بابا وأنا ماما، وأنا ضهرك وسندك في الدنيا دي، وهخليك أحسن راجل في الدنيا.. عشان لما تكبر، تعوضني عن كل حاجة”.
أدم بصلي بذكاء وفهم مسبق سنه، وهز راسه وخدني في حضنه وقال: “أنا بحبك أوي يا ماما، ومش عايز حد تاني غيرك”.
مرت السنين، وبقى أدم في إعدادي، طول بعرض، راجل بجد بيتحمل المسؤولية معايا.. مشيت في الدنيا بوش مكشوف، مكسورة الرأس لأي حد، لأن اللي حصلي كان ابتلاء وأنا انتصرت عليه. مسبتش مجرم يكىسرني ولا قانون يضيع ابني.
ودلوقتي، وأنا قاعدة في صالون بيتنا، ببص لشهادات تقدير أدم اللي مالية الحيطة، وبفتكر الدوسيه الكحلي القديم اللي كان مليان تزوير وكدب.. ببتسم وبقول لنفسي: “الورق المزير بيتحىرق، والكدب حباله قصيرة.. بس الحقيقة، والست اللي بتوقف على رجلها عشان خاطر ابنها، هي اللي بتعيش وتكتب تاريخها الحقيقي بإيدها”.
………
السنوات بقت بتجري زي الثواني، وأدم كبر وبقى شحط، طول بعرض، صوته خشن وبقى مالي عليا البيت. دخل ثانوية عامة، وطول السنة دي أنا وهو كنا عايشين في معسكر.. هو يذاكر ويطحن نفسه، وأنا من الفجر صاحية أجهز له أكله وأدعيله، وعيني عليه وهو بيقاوم النوم والتعب عشان يثبت لنفسه وليا إنه قد المسؤولية.
ويوم النتيجة.. اليوم ده عمري ما هنساه. كنت قاعدة على أعصابي، ماسكة الموبايل وإيدي بترتعش، لحد ما السايت فتح وأدم دخل رقم الجلوس. فجأة لقيت الولد صرخ صرخة هزت الشقة، وقام سجد على الأرض وهو بيبكي بنشيج قاطع النفس. أنا قلبي وقع في رجلي، قولتله برعب: “إيه يا أدم؟ طمني يا بني؟”
رفع راسه وعينه حمرا من الدموع وقال بصوت مخنوق من الفرحة: “خمسة وتسعين في المية يا ماما! جبت خمسة وتسعين في المية! هدخل هندسة زي ما كنتِ بتحلمي!”.
ارتميت في حضنه وبقيت أعيط بهستيريا.. عياط السنين كله خرج في اللحظة دي. قولتله وأنا ببوس دماغه وإيديه: “رفعت راسي يا بني.. ربنا جير بخاطري فيك، وطلع تعبي بفايدة.. أنت بطل يا أدم، بطل”.
ودخل أدم كلية الهندسة، وبقى يروح وييجي وواثق في نفسه، ميبصش في الأرض أبدًا. الشاب اللي اسمه مسجل في دفاتر الحكومة باسم “أبن مسجل خطر”، بقى في الحقيقة هو البشمهندس أدم، الشاب المحترم اللي المنطقة كلها بتحلف بأدبه وجدعنته.
لحد ما جه اليوم اللي كنت شايلة همه من زمان.. يوم ما أدم جه وقعد جنبي وهو مكسوف، وبدأ يفرك في إيديه وقال بصوت واطي: “ماما.. كنت عايز أكلمك في موضوع كدة”.
فهمت على طول وابتسمت: “شايفاكي بتلف وتدور بقالك كام يوم.. مين سعيد الحظ؟”
وشه احمر وقال: “زميلتي في الكلية.. اسمها ‘ندى’.. بنت مؤدبة جداً ومن عيلة ناس طيبين أوي يا ماما، وأنا بصراحة اتعلمت منها ومنك إني أدخل البيوت من أبوابها، وكنت عايزك تيجي معايا نخطبها”.
الفرحة خدتني، بس في ثانية، الوجع القديم صحي في قلبي زي النغزة.. مسكت إيده وقولتله بقلق: “يا حبيبي أنا فوق الوصف فرحانة لك.. بس أنت عارف يا أدم.. إحنا لازم نكون صرحا معاهم من أول دقيقة.. عيلة البنت لازم تعرف كل حاجة عن قصة أبوك.. أنا مش هبني حياتك على داري وفوت، ولا هسمح إن كدبة تانية تبوظ حياتنا.. لازم يعرفوا عشان نشتري ناس شارينا بجد”.
أدم بصل بصلة كلها فخر وقال: “أنا كنت متأكد إنك هتقولي كدة يا أمي.. وأنا فعلاً مكدبتش عليها، ندى عارفة كل حاجة، وقالتلي إنها شارياني أنا، مش شارية ماضي ماليش ذنب فيه.. وباباها راجل محترم ومثقف وقال إنه عايز يقعد معاكي”.
وروحنا.. دخلت بيتهم وأنا حاطة عيني في عين أبوها، مكسورة ولا خايفة. الراجل استقبلنا بأحسن استقبال، وقعدنا واتكلمنا، وفي وسط الكلام، أبو ندى بص لأدم وقال بنبرة كلها احترام: “بص يا بني.. أنا سألت عليك في كليتك وفي منطقتك، والكل قال إنك راجل وابن ست بمىيت راجل.. الماضي بتاع أبوك ده يخصه هو، وربنا حاسبه عليه.. إنما أنت، أنت النسخة النظيفة، النسخة اللي أمك تعبت وشقيت عشان تطلعها للنور.. وأنا يشرفني ويسعدني إني أناسبكم”.
الكلمة دي غسلتني من جوايا.. حسيت إن ربنا بيطبطب على قلبي بعد السنين دي كلها وبيقولي: “أهو تعبك ماراحش الأرض”.
النهاردة، وأنا واقفة في قاعة الأفراح، لابسة فستان شيك ومزغردة بعلو صوتي وسط الناس.. وببص لأدم وهو لابس بدلة الفرح وبيرقص مع عروسته، افتكرت نفسي من كام وعشرين سنة، لما كنت واقفة في مكتب الموظفة والبوليس بياخدني.. واكتشفت إن المحنة دي، مكنتش نهاية العالم.. دي كانت البداية الحقيقية عشان أبقى “منى” القوية، وعشان أخلق من وسط الضلمة راجل بجد يغير مجرى حياتنا.
بصيت لروحي في المراية وقولت: “الحمد لله.. الحكاية خلصت صح، والنور كسب في الآخر”.
تمت