الأرملة بقلم منال عباس الاول
الأرملة بقلم منال عباس
الاول
كانت بتقول إن الأرملة لو خسرت جوزها يبقى خسرت ضهرها لكن محدش قال إن في لحظة واحدة ممكن تلاقي نفسها واقفة قدام سر يساوي عمر كامل أنا اسمي ليلى عندي ثلاثة وثلاثين سنة وفي بطني طفل لسه ما شافش الدنيا وجوزي ياسين مات من شهرين بعد حادث غامض محدش عرف حقيقته من يومها وأنا كل يوم بصحى على نفس السؤال هعيش إزاي وهربي ابني فين وكل ما أقفل باب يفتح قدامي باب أصعب لحد ما جه اليوم اللي غير كل حاجة
بعد وفاة ياسين أهل البيت اللي كنا ساكنين فيه بدأوا يلمحوا إن وجودي تقيل عليهم وفي آخر الأسبوع صاحب الشقة وقف قدامي وقال بصوت بارد الإيجار اتأخر يا مدام ولو مش هتقدري ادفعي يبقى دوري على مكان تاني خرجت وأنا ماسكة بطني بإيدي وكيس هدومي بالإيد التانية وحاسة إن الدنيا كلها بتزقني ناحية الهاوية
فضل معايا مبلغ صغير كان ياسين مخبيه عشان ولادتي وكان دايمًا يقولي مهما حصل أوعي تصرفيه إلا وقت الضرورة وكنت كل ليلة أبص للفلوس وأقفل عليها تاني كأني بقفل على آخر ذكرى منه
وأنا ماشية في السوق الشعبي سمعت راجلين بيتكلموا عن بيت قديم على أطراف القرية الناس كلها بتقول إنه منحوس محدش رضي يسكنه من سنين وصاحبه باعه بأرخص تمن لأنه عايز يخلص منه بأي طريقة
الكلام فضل يرن في ودني وروحت أسأل عليه الراجل اللي كان ماسك الأوراق بصلي باستغراب وقال انتي حامل وعايزة تعيشي هناك ده بيت مهدوم وسقفه واقع ونص حيطانه طين ولو نزل مطر هتباتي في الشارع
ابتسمت ابتسامة كلها وجع وقلتله الشارع مستنيني أصلًا
وقعت على العقد وأنا حاسة إني ببيع آخر أمل معايا لكن ماكنش عندي اختيار
وصلت للبيت قبل الغروب كان واقف وسط أرض واسعة مفيهاش غير شجرة سدر ضخمة شكلها أقدم من الزمن الباب الخشب كان مخلوع والنوافذ مكسورة والريح وهي داخلة من كل ناحية عاملة صوت يخوف أي حد بقلم منال عباس
دخلت وأنا بقرأ آيات من القرآن بصوت واطي وكل خطوة كنت بحاول أقنع نفسي إن المكان ده هيبقى بيت ابني
عدت أيام طويلة وأنا بنضف وأشيل التراب وأصلح اللي أقدر عليه كنت كل يوم أخلص ركن وأقول الحمد لله ولسه باقي ألف ركن
وفي صباح هادي وأنا بمسح الحيطة في أوضة صغيرة لفت نظري مرآة قديمة جدًا إطارها من النحاس الأسود وكانت متثبتة بطريقة غريبة كأنها جزء من الحيطة نفسها
قربت منها ومسحت التراب عنها فظهر انعكاس وشي مرهق وتحت الإطار لقيت كلمة محفورة بخط صغير مكتوب فيها لا تثق في أول عين تنظر إليك
استغربت وحاولت أشيل المرآة لكنها ما اتحركتش
جبت قطعة حديد وبدأت أفكها بالراحة وبعد محاولات طويلة خرجت فجأة من مكانها ووقعت على الأرض بصوت هز البيت كله
وراء المرآة كان فيه تجويف عميق متغطي بطبقة تراب ناشفة
مديت إيدي وأنا قلبي بيدق بسرعة وبدأت أزيل التراب واحدة واحدة
وفجأة لمست أصابعي صندوق حديد صغير مقفول بقفل صدئ
سحبته بالعافية وكان تقيل بشكل غريب
قعدت على الأرض وأنا بحاول أفتح القفل لحد ما اتكسر
أول ما رفعت الغطا لمع بريق أصفر خطف عيني
سبايك دهب صغيرة وعملات أثرية وسلسلة مرصعة بأحجار لامعة وتحتهم ظرف بني قديم مكتوب عليه بخط واضح
إلى زوجة ياسين إن وصلت إليك هذه الأمانة
اتجمد الدم في عروقي
إزاي حد يعرف اسم جوزي
إزاي الظرف مكتوب قبل ما أشتري البيت
فتحت الرسالة وإيديا بترتعش
وكان أول سطر فيها كفيل يقلب حياتي كلها
ليلى لو كنتي بتقري كلامي دلوقتي يبقى ياسين فشل في تنفيذ آخر وعد قطعه لوالده ولو رحل قبل ما يقولك الحقيقة يبقى لازم تعرفي إن البيت ده عمره ما كان مهجور وإن اللي باعهولك ماكنش صاحبه الحقيقي
وقبل ما أكمل القراءة سمعت صوت باب البيت بيتفتح ببطء رغم إني متأكدة إني قفلته من جوه
وبعدين سمعت خطوات تقرب ناحية الأوضة وصوت راجل بيقول بهدوء مخيف
أخيرًا لقيتي الصندوق يا ليلى…بقلم منال عباس
اتجمدت مكاني وحسيت إن الدم انسحب من جسمي كله وبصيت ناحية باب الأوضة لقيت راجل كبير واقف لابس جلابية رمادي وعصاية خشب في إيده وعينيه ثابتة على الصندوق اللي قدامي كأنه مستنيه من سنين طويلة
حاولت أخبي الصندوق ورا ضهري وأنا بقول بصوت مرتعش إنت مين وإزاي دخلت
ابتسم ابتسامة غريبة وقال متتعبيش نفسك أنا أعرف المكان ده أكتر منك بكتير وأعرف إنك فتحتي التجويف النهاردة
رجعت خطوة لورا وأنا حاطة إيدي على بطني بغريزة الأم اللي بتحاول تحمي ابنها قبل نفسها وقلتله اخرج من بيتي
ضحك وقال بيتك
الكلمة دي قالها بطريقة خلت قلبي يدق بعنف
قال البيت ده عمره ما كان ملكك ولا ملك اللي باعهولك البيت ده ليه حكاية محدش يعرفها غيري
بصيت للرسالة اللي في إيدي بسرعة وأنا بحاول ألاقي أي كلمة تنقذني
قال وهو بيقرب خطوة كمان الرسالة كفاية لحد هنا هاتيها
من غير ما أفكر خبيت الورقة جوه هدومي
اتغيرت ملامحه فجأة وقال بعصبية واضح إنك عايزة المشاكل
وفجأة سمعنا صوت قوي جاي من برا البيت كأن عربية وقفت قدام الباب
الراجل لف بسرعة ناحية الشباك واتوتر لأول مرة
استغليت اللحظة وخطفت الصندوق وجريت ناحية المطبخ الصغير وقفلت الباب عليا
بدأ يخبط بعنف وهو بيصرخ افتحي يا ليلى مفيش فايدة من الهروب
كنت ببكي وأنا بدور بعيني على أي مكان أخبي فيه الصندوق
لفت نظري بلاطة في الأرض لونها مختلف عن باقي البلاط
رفعتها بسرعة ولقيت تحتها حفرة صغيرة
حطيت الصندوق فيها وقفلت البلاطة تاني قبل ما الباب يتكسر بثواني
دخل الراجل وهو بيلهث وبدأ يبص في كل ركن بجنون
قرب مني وقال الصندوق فين
هزيت راسي وقلت معرفش إنت بتتكلم عن إيه
رفع إيده كأنه هيضربني لكنه وقف فجأة لما سمع صوت صفارة شرطة من بعيد
اتغير وشه وخاف بشكل واضح
جري ناحية الباب وهو بيقول المرة دي نجوتي لكن المرة الجاية مش هتلاقي حد ينقذك
خرج بسرعة واختفى وسط الأشجار
وقفت مكاني وأنا مش قادرة أستوعب اللي حصل
بعد دقائق سمعت خبط خفيف على الباب
فتحت بحذر شديد
ولقيت قدامي بنت صغيرة عمرها يمكن عشر سنين ماسكة ظرف قديم
مدتهولي وقالت بسرعة قبل ما تجري
الراجل ده هيرجع بالليل
وجدي قال أسلمك الجواب ده أول ما ألاقي الست الحامل اللي اسمها ليلى
فتحت الظرف بسرعة
وكانت فيه خريطة مرسومة باليد
وفي آخرها عبارة واحدة خلت أنفاسي تتقطع
لو أردت معرفة الحقيقة الكاملة عن ياسين فانزلي إلى البئر القديم قبل شروق الشمس لأن السر المدفون هناك أخطر من الكنز نفسه ولو سبقك رجالهم فلن ينجو أحد بعد اليوم بقلم منال عباس
فضلت ماسكة الخريطة بإيدي وأنا مش قادرة أحدد أعمل إيه عقلي بيقولي استني للصبح لكن قلبي كان بيقولي كل دقيقة بتضيع ممكن تضيع معاها الحقيقة كلها
بصيت ناحية البلاطة اللي مخبية تحتها الصندوق وقلت لنفسي لو الناس دي رجعت هيفتشوا البيت حجر حجر ولازم ألاقي مكان أأمن
جمعت شوية هدوم قديمة وحطيتهم فوق البلاطة ورجعت قعدت أقرأ الرسالة مرة تانية
كل كلمة فيها كانت بتأكد إن ياسين كان عايش وسط سر كبير وأنا آخر واحدة تعرف
فضلت مستنية لحد ما الليل هدي والدنيا غرقت في سكون غريب
أول ما قرب الفجر خرجت وأنا ماسكة مصباح صغير والخريطة في جيبي
الطريق للبئر كان مليان أشواك وصخور وكل خطوة كانت بتوجعني بسبب الحمل لكن إحساس جوايا كان بيسحبني للمكان كأن حد بيناديني باسمي
بعد مشي طويل وصلت لبئر قديم مهجور حوالينه سور حجر مكسور وشجرة ضخمة جذورها طالعة من الأرض بشكل يخوف
بصيت في الخريطة ولقيت علامة مرسومة جنب الشجرة
قربت وبدأت أحفر بإيديا لأن مكنش معايا أي أدوات
بعد دقائق لمست قطعة حديد مدفونة تحت التراب
طلعتها بالعافية
كانت علبة معدنية صغيرة مقفولة بإحكام
فتحتها بسرعة
لقيت فيها مفتاح نحاس قديم وساعة يد مكسورة وصورة لياسين وهو شاب أصغر بسنين واقف جنب راجل كبير نفس ملامحه تقريبًا
قلبت الصورة
وكان مكتوب وراها
آخر لقاء قبل الاختفاء
وقبل ما أستوعب الجملة سمعت صوت تصفيق بطيء جاي من ورايا
لفيت بسرعة
لقيت تلات رجالة واقفين
وفي النص الراجل اللي دخل بيتي
كان بيبتسم بثقة وقال
أخيرًا وصلنا للمرحلة اللي كنت مستنيها
هاتي المفتاح يا ليلى
المفتاح ده بيفتح المكان الحقيقي
قولتله وأنا ضاماه في إيدي عمري ما هسلمهولك
ضحك بصوت عالي وقال
إنت لسه فاكرة إن الحكاية كلها كنز
دي البداية بس
المفتاح ده بيفتح سرداب تحت البيت فيه أوراق تثبت ملكية أراضي بالمليارات وأسماء ناس كبيرة دفنت جرائمها هناك من عشرات السنين
ولو الأوراق دي خرجت للنور ناس كتير هتسقط
رجعت خطوة لورا وأنا حاسة بالخوف
لكن فجأة خرج صوت من بين الأشجار
ابعدوا عنها
كل الرجالة لفوا ناحية الصوت
وطلع شاب طويل لابس هدوم بسيطة وفي إيده بندقية صيد قديمة
وقف قدامي وقال
أنا اسمي آدم
وياسين أنقذ حياتي من سنين
وقبل ما يموت سلمني رسالة
وقاللي لو حصله أي حاجة أدور على مراته وأحميها مهما كان التمن
اتغير وش الراجل الكبير وصاح بغضب
اقت*لوه وخدوا المفتاح
وفي لحظة واحدة جري الرجال ناحية آدم بينما مسكني الراجل من دراعي بعنف وهو بيحاول يخطف المفتاح من إيدي لكن المفتاح وقع على الأرض ودخل بين الحشائش واختفى تمامًا
ساد صمت مرعب
لأن الجميع عرف إن المفتاح ضاع
ومن غير المفتاح محدش هيقدر يوصل للسرداب
لكن وأنا ببص مكان ما وقع لمح بصري قطعة حجر بارزة من الأرض عليها نفس الرمز المحفور على خاتم ياسين وعرفت في اللحظة دي إن السرداب مش تحت البيت زي ما كانوا فاكرين لكنه موجود تحت البئر نفسه والكل كان بيجري ورا المكان الغلط من البداية بقلم منال عباس
