الاخ الكبير بقلم منال عباس الثاني والاخير
الاخ الكبير بقلم منال عباس
الثاني والاخير
بصيت في شاشة الموبايل لقيت اسم خالي محمود
استغربت لأنه عمره ما اتصل بيا في وقت متأخر
رديت بهدوء
قال بصوت متوتر إنت فين دلوقتي
قلت لسه خارج من المطعم
سكت ثواني وقال أنا عرفت اللي حصل كله
افتكرت إنه هيلومني زي الباقيين
لكنه فاجأني
قال أنا مستني اليوم ده من سنين
فضلت ساكت
قال زمان كنت هكلمك لكن كنت عارف إنك مش هتصدقني
كل مرة كنت أحاول أفهمك إنهم بيستغلوك كنت تزعل مني وتبعد
حسيت بغصة في قلبي
لأن كلامه كان صحيح
قال قابلني بكرة ضروري
في اليوم التالي روحتله
أول ما دخلت بيته خرج بدرج قديم من أوضة النوم
فتح الدرج وطلع ملف كبير مليان أوراق
حطه قدامي وقال افتح
بدأت أقلب الورق
لقيت إيصالات تحويلات مالية قديمة
وشيكات
وعقود سداد
وكلها بأسماء أفراد عيلتي
قال خالي دي نسخ كنت محتفظ بيها لأن أمك كانت بتستلف مني زمان عشان تسدد ديونها
لكن بعد ما إنت بقيت تساعدها بطلت تطلب مني
قلبت ورقة تانية
لقيت عقد شراء عربية باسم سامح
كان مكتوب فيه إن الدفعة الأولى متسددة بتحويل خارج الحساب
قال خالي عارف مين دفعها
هزيت راسي بالنفي
قال أمك استخدمت الفلوس اللي إنت ادتهالها وقتها وقالتلك إنها محتاجة عملية مستعجلة
اتجمدت مكاني
افتكرت اليوم ده كويس
افتكرت إني بعت عربية كنت بحبها عشان أوفر المبلغ بسرعة
وافتكرت إني فضلت شهور أشتغل ليل ونهار عشان أعوض الخسارة
رفعت عيني لخالي وأنا مش قادر أتكلم
قال ولسه
طلع ورقة تانية
كانت فاتورة تشطيب شقة نيرمين
قالتلك وقتها إنها محتاجة الفلوس عشان تدخل مشروع ملابس
لكن الحقيقة إنها صرفتها على تشطيب شقتها قبل جوازها
كل ورقة كنت بقلبها كانت بتحكي كذبة جديدة
كل ذكرى جميلة عندي كانت بتتحول لخدعة
كل مرة حسيت فيها إني أنقذت حد كانت في الحقيقة مجرد عملية نصب عاطفي متكررة
حسيت إن صدري بيضيق
قال خالي أنا كنت ساكت لأن دي أختي
لكن لما عرفت اللي حصل في المطعم قلت لازم تعرف الحقيقة كلها
وقبل ما أتكلم رن موبايله
بص للشاشة واتغيرت ملامحه
رد بهدوء
وبعد دقيقة قفل المكالمة
بصلي وقال أمك جاية هنا دلوقتي
ومش جاية تعتذر
جاية تعرف أنا قلتلك إيه قبل ما توصل لك الحقيقة كاملة بقلم منال عباس
لم تمض سوى دقائق حتى سمعنا صوت سيارة أمي تتوقف أمام المنزل
ثم دوى جرس الباب بقوة أكثر من مرة
نظر إلي خالي محمود وقال بهدوء واضح افتح الباب أنت لأن المواجهة دي لازم تحصل
فتحت الباب
دخلت أمي بسرعة وهي تنظر إلي بعينين ممتلئتين بالغضب
ولم تسأل حتى كيف حالي
ولم تسأل لماذا أنا هنا
أول جملة خرجت منها كانت
هو قالك إيه
نظرت إليها في صمت
ثم قلت
هو وراني الحقيقة
ارتبكت للحظة
لكنها استعادت ثقتها بسرعة وقالت
أي حقيقة
مددت يدي بالملف الموجود أمامي وفتحت أول ورقة
ثم قلت
فاكرة لما قولتيلي إنك محتاجة فلوس عشان العملية المستعجلة
خفضت بصرها للحظة
ثم قالت
أيوه
قلت
العملية دي ماحصلتش أصلا
والفلوس راحت مقدم عربية سامح
سكتت
ولم تنكر
فتحت الورقة الثانية
وقلت
وفاكرة مشروع نيرمين
ابتسمت ابتسامة متوترة وقالت
كانت ظروف
قلت
لا
كان كذب
الفلوس دي راحت تشطيب شقتها
بدأت أنفاسها تتسارع
وقالت بصوت مرتفع
إنت بتصدق أي حد غير أمك
تدخل خالي محمود لأول مرة وقال
دي أوراق البنك يا أختي مش كلام ناس
دي تحويلات رسمية
دي تواريخ
ودي عقود
مش حكايات
جلست أمي على الكرسي وكأن قدميها لم تعودا تحملانها
لكنها فجأة غيرت طريقة الكلام تماما
بدأت تبكي
وقالت
كنت بعمل كده عشان أحافظ على البيت
قلت
وأنا
مين كان بيحافظ عليا
سكتت
قلت
عارفة كام مرة أجلت حلمي عشانكم
عارفة كام مرة وعدت سارة بإجازة ورجعت أعتذر
عارفة كام مرة بنتي سألتني ليه بابا مش بيسافر معانا
عارفة كام ليلة فضلت صاحي أفكر هجيب الفلوس منين عشان أحل مشكلة جديدة أنتم السبب فيها
كل ده وإنتوا كنتوا بتكدبوا عليا
بدأت دموعها تنزل
لكن لأول مرة في حياتي لم أشعر أن دموعها تهزني
لأن الصور القديمة كانت تمر أمام عيني
اليوم اللي بعت فيه عربيتي
اليوم اللي كسرت وديعتي
اليوم اللي اقترضت من البنك
اليوم اللي اشتغلت أربعة أشهر بدون إجازة
كلها كانت من أجل أكاذيب
قالت أمي بصوت مكسور
أنا كنت فاكرة إن ربنا موسعها عليك
قلت
وربنا كان موسعها عليا عشان أصرف على بيتي وبنتي
مش عشان أعيش عمر كامل بدفع تمن قرارات ناس تانية
وفي تلك اللحظة دخل سامح البيت بدون استئذان
وكان واضح من ملامحه أنه عرف كل شيء
نظر إلى الملف بسرعة
ثم انتزع بعض الأوراق من فوق الطاولة وهو يصرخ
دي أوراق خاصة
مين اداكم الحق تشوفوها
لكن خالي أمسك يده بقوة
وقال
الحق هو حق كريم اللي اتسرق منه عمر كامل
نظر سامح إلي بغضب شديد وقال
إنت ناوي تفضحنا
نظرت إليه بهدوء
وقلت
أنا لسه ما اتكلمتش مع حد
لكن لو اضطريت أدافع عن نفسي هقول الحقيقة كاملة
اتغير لون وجه سامح فجأة
لأنه أدرك أن الحقيقة لو خرجت للنور فلن يخسر المال فقط
بل سيخسر الصورة المثالية التي رسمها أمام كل الناس منذ سنوات طويلة
وفي نفس اللحظة تماما رن هاتفي برسالة جديدة
فتحتها
فوجدت صورة أرسلها رقم مجهول
وعندما دققت النظر فيها شعرت أن الصدمة الأكبر لم تكن في الأوراق التي أمامي
بل في الصورة التي وصلتني الآن لأنها كشفت سرا أخفته عائلتي عني لسنوات طويلة بقلم منال عباس
فتحت الصورة أكثر
كانت صورة قديمة مر عليها أكثر من خمس عشرة سنة
ظهرت فيها أمي وسامح ونيرمين يجلسون داخل معرض سيارات
وكان صاحب المعرض يقف بجوارهم وهو يسلمهم مفتاح سيارة جديدة
لكن الذي جمد الدم في عروقي لم يكن السيارة
بل الورقة التي كانت أمي تمسكها بيدها
كبرت الصورة أكثر
فوجدت اسمي مكتوبا بوضوح على إيصال التحويل البنكي
وكان تاريخ الصورة هو نفسه اليوم الذي بعت فيه سيارتي القديمة بعدما أقنعتني أمي أنها تحتاج المال لعلاج عاجل
شعرت أن الأرض تتحرك تحت قدمي
وفي نفس اللحظة وصلتني رسالة قصيرة من الرقم نفسه
إذا أردت أن تعرف الحقيقة كاملة اسأل أمك عن ميراث والدك
رفعت رأسي ببطء
ونظرت إلى أمي
قلت بهدوء غريب
إيه حكاية ميراث أبويا
ارتبكت بشكل واضح
وقالت بسرعة
مفيش حاجة اسمها كده
كررت السؤال
إيه حكاية ميراث أبويا
بدأ سامح يتدخل وقال
سيبك من الكلام الفاضي ده
لكن خالي محمود وقف فجأة وقال
لا
خليه يعرف
التفتت إليه أمي وهي تصرخ
إياك تتكلم
قال بحزن
أنا سكت عشرين سنة
وخلاص تعبت
نظر إلي وقال
أبوك قبل ما يتوفى كان عنده قطعة أرض كبيرة
وباع جزء منها قبل وفاته
وكان نصيبك محفوظ في حساب باسمك لأنك كنت لسه صغير
اتجمدت مكاني
قلت
يعني إيه
قال
يعني كان ليك مبلغ كبير
وكان أبوك موصي محدش يقرب منه إلا لما تكبر
نظرت إلى أمي
كانت تبكي
لكنها لم تنكر
قلت بصوت بدأ يهتز
فلوسي راحت فين
خفضت رأسها
ولم ترد
أما سامح فقال بعصبية
كفاية بقى
اللي فات مات
نظرت إليه
وقلت
أنا بسأل عن حقي
اقترب خالي محمود ووضع أمامي ورقة أخرى
كانت صورة من كشف حساب قديم
وفيه عمليات سحب متتالية تمت بعد وفاة والدي بأشهر قليلة
كل المبلغ اختفى
رفعت الورقة وأنا غير مصدق
قلت
مين سحب الفلوس
ساد صمت ثقيل
ثم قالت أمي بصوت مكسور
أنا
شعرت أن قلبي توقف للحظة
لكنها أكملت بسرعة
ماكنش قدامي حل
كان علينا ديون
وكان سامح صغير
ونيرمين كانت محتاجة مدارس
قلت
وأنا
قالت
كنت معايا
افتكرت كل مرة كنت أشتغل فيها بعد الجامعة ليل ونهار
وكل مرة كنت أبدأ من الصفر
وأفتكر كلامها الدائم
إحنا صرفنا عليك لحد ما كبرت
والحقيقة أنها كانت تصرف من مالي أنا
سقطت الدموع من عيني لأول مرة منذ سنوات
ليس بسبب المال
بل لأن صورة أمي التي كنت أحميها داخل قلبي انهارت بالكامل
اقتربت مني سارة التي كانت قد وصلت بعدما اتصل بها خالي
أمسكت يدي دون أن تتكلم
وكان ذلك كافيا لأقف مرة أخرى
نظرت إلى أمي طويلا
ثم قلت
أنا مش زعلان عشان الفلوس
أنا زعلان لأنكم سرقتوا ثقتي قبل ما تسرقوا حقي
وزعلان لأنكم طول السنين كنتوا تخلوني أحس إني مقصر رغم إنكم كنتوا عايشين على تعبي وعلى حقي
بكت أمي بحرقة
أما سامح فخرج من البيت غاضبا وهو يغلق الباب بعنف
وساد صمت طويل
وفي ذلك الصمت اتخذت القرار الذي كنت أؤجله منذ سنوات
قرارا سيغير علاقتي بعائلتي إلى الأبد ويكشف للجميع في اليوم التالي حقيقة لم يكن أحد يتوقع أن أمتلك الدليل الكامل عليها بقلم منال عباس
في صباح اليوم التالي استيقظت وأنا أشعر أنني شخص مختلف تماما
لم يعد داخلي ذلك الخوف القديم
ولم يعد هناك ذلك الصوت الذي كان يردد دائما اسكت عشان أمك
جمعت كل الأوراق والصور والإيصالات داخل ملف واحد
ثم ذهبت إلى منزل أمي بعدما أخبرتها أنني أريد الحديث أمام الجميع
وصلت فوجدت سامح ونيرمين يجلسان في الصالة وملامحهما مليئة بالغضب
أما أمي فكانت تجلس صامتة وكأنها لم تنم طوال الليل
وضعت الملف فوق الطاولة
ثم قلت بهدوء
أنا مش جاي أفضح حد
ولا جاي آخد حقي بالقوة
أنا جاي أقفل صفحة عمرها سنين
نظروا إلي في صمت
فتحت الملف وأخرجت كل الأوراق
ثم دفعتها نحوهم
وقلت
دي الحقيقة
ودي آخر مرة هنتكلم فيها عنها
قال سامح بعصبية
يعني عايز فلوسك
قلت
لو كنت عايز فلوس كنت رفعت قضية من أول يوم
أنا جاي عشان أعرفكم إن زمن استغلالي انتهى
من النهارده مفيش تحويلات
مفيش سداد أقساط
مفيش إنقاذ من ديون
كل واحد يشيل نتيجة قراراته
ولو احتاجت أمي علاج أو دواء أو رعاية هكون أول واحد يقف جنبها
لأنها أمي
لكن مش هسمح بعد النهارده إن حد يستخدم كلمة أم عشان ياخد حقي أو حق بنتي
ساد صمت طويل
ثم بدأت أمي تبكي
لكن بكاءها هذه المرة كان مختلفا
لم يكن بكاء غضب
ولا بكاء ابتزاز
كان بكاء إنسانة أدركت أنها خسرت سنوات من عمرها بسبب الطمع
رفعت رأسها وقالت بصوت مرتجف
سامح
نيرمين
قولوا الحقيقة
خفض سامح رأسه لأول مرة
وقال
أنا كنت متعود إن كريم هيحل كل حاجة
وماكنتش بفكر هو بيتعب قد إيه
وقالت نيرمين وهي تمسح دموعها
كل مرة كنت أقول دي آخر مرة أطلب منه
لكن كنت برجع أطلب تاني
لأنه عمره ما كان بيرفض
نظرت إلي أمي وقالت
سامحني يا ابني
أنا كنت فاكرة إن حبك لينا مالوش آخر
فنسيت إن ليه حدود
ونسيت إن ليك بيت وزوجة وبنت لهم حق عليك زينا
اقتربت مني
وقالت
أنا مش هطلب منك فلوس تاني
ولو سامحتني يبقى دي أكبر نعمة ربنا يكرمني بيها قبل ما أموت
نظرت إليها طويلا
ثم احتضنتها
لأن التسامح لا يعني أن الماضي اختفى
لكنه يعني أنني لن أسمح له أن يسرق مستقبلي
خرجت من بيتها وأنا أشعر بخفة لم أعرفها من قبل
مرت الشهور
بدأ سامح يعمل بجد لأول مرة في حياته
وباع سيارته الفاخرة ليسدد ديونه بنفسه
أما نيرمين فتركت حياة المظاهر وافتتحت مشروعا صغيرا بمالها هي
وكانت كلما نجحت في شيء تتصل بي ليس لتطلب مالا
بل لتقول شكرا لأنك علمتني أعتمد على نفسي
أما أمي فكانت تزورنا كل أسبوع
تحضر ألعابا بسيطة لحفيدتها
وتجلس مع سارة في المطبخ تضحكان وكأن بينهما سنوات من المحبة الضائعة
وفي أحد الأيام بينما كنت أشاهد ابنتي تلعب في الحديقة أمسكت سارة بيدي وقالت
شايف
قلت
إيه
قالت
لما الإنسان يحط حدود مش بيخسر أهله
هو بس بيخلي اللي بيحبه يعرف قيمته الحقيقية
ابتسمت وأنا أنظر إلى ابنتي
وأدركت أن أغلى ميراث تركه أبي لي لم يكن قطعة الأرض ولا المال
بل القدرة على أن أكون رجلا عادلا
يعطي بحب
ويرفض بكرامة
ويحفظ حق بيته قبل أي شيء
ومن يومها تعلمت درسا لن أنساه ما حييت
الطيبة من غير حدود تتحول إلى استغلال بقلم منال عباس
أما الاحترام الحقيقي فلا يبدأ إلا عندما يعرف كل إنسان أين ينتهي حقه وأين يبدأ حق غيره
تمت ❤️❤️❤️❤️
