رجعت من السفر حكايات زهرة

رجعت من السفر لما سمعت ان طليقتي هتتجوز ورغم اني انا اللي اخترت الطلاق بس لما سمعت الخبر الدم غلي في عروقي وهددتها اني هاخد منها ابننا …افتكرتها هتترجاني بس فاجاتني لما ضحكت بطريقه عصبتني اكتر وقالتلي كلامك يبقى مع خطيبي! بس المصيبه مش هنا المصيبه كانت لما عرفت مين خطيبها وفهمت هيه تقصد ايه!!!!
الدنيا اتلخبطت في ثانية برنة تليفون جات لي لما كنت قاعد في مكتبى برة مصر، وسط أوراقي وشغلي اللي سحلت نفسي فيه بقالي سنتين عشان أهرب من أي حاجة تفكرني باللي فات. صوت صاحبي على الناحية التانية كان متردد وهو بيقولي سليم… أنا شفت نادين امبارح، كانت بتشتري شبكة… نادين هتتجوز يا صاحبي.
في اللحظة دي، حسيت كأن حتة تلج نزلت في جوفي، وبعدها بثواني التلج ده اتقلب لنار بتغلي. الدم فار في عروقي بشكل مش قادره أتحكم فيه. قفلت السكة من غير ما أرد، لميت كام حاجة في شنطة سريعة، وسيبت الشغل، والمشاريع، وكل حاجة ورا ضهري. حجزت أول طيارة نازلة القاهرة. طول الرحلة وأنا بفرك في إيدي، دماغي هتنفجر من كتر الأسئلة ليه؟ وإزاي؟ ومين ده اللي هياخد مكاني؟
المضحك المبكي، والوجع الحقيقي اللي كان بياكل في قلبي، إني أنا اللي اخترت الطلاق ده بإيدي. أنا اللي دمرت البيت ده بطبعي القاسي. نادين مكنتش وحشة، بالعكس، دي عاشت معايا سنين بتحاول تشتري خاطري، وتقرب المسافات اللي كنت دايماً ببعدها. كنت بني آدم غريب، بفتعل المشاكل من الهوا، بتلكك على الكلمة، وكنت علطول بارد ومتجاهل وجودها. كام مرة كانت تقعد تستناني وعينيها مليانة عتاب عشان أتكلم معاها، وأنا أدير ضهري وأنام؟ كام مرة طلبت مني نبقى مع بعض في لحظات مهمة وكنت بتحجج بالشغل؟ هي استحملت كتير، حاولت بكل الطرق تنقذ المركب، بس أنا كنت زي الجبل مابتأثرش، لحد ما جيبت آخري معاها وقولتلها كل واحد يروح لحاله.
فاكر يوم ما لميت شنطي وسافرت عشان أكمل حياتي وأبني مستقبلي برة. كنت فاكر إن البعد هيريحني، بس الحقيقة إن من أول يوم رِجلي عتبت فيه الغربة، وأنا عايش في فراغ ملوش آخر. البيت من غيرها كان ضلمة، والنجاح مكنش ليه أي طعم. الندم كان بياكل في قلبي زي السوس كل ليلة وأنا بفتكر ملامحها وهي بتعيط وتقولي بلاش تضيعنا يا سليم. بعد سنة من العذاب ده، مأستحملتش، مسكت التليفون وكلمتها. كنت فاكر إنها لسة البنت الضعيفة اللي هتبكي لما تسمع صوتي، بس الصدمة إنها صدتني تماماً. كلمتني ببرود غريب، رفضت كل محاولاتي للرجوع، وقالتلي بوضوح اللي بينا انكسر يا سليم، والكسر ده مبيتصلحش. حتى لما فكرتها بابننا عمر، وقولتلها عشان خاطر الولد ومستقبله، ردت عليا بنبرة كلها قوة ابني في عينيا، ومش هخليه يحتاج حاجة، بس حياتي معاك انتهت.
أهو عمر ده بقا كان القشة اللي بتعلق بيها، والسبب اللي كنت بقنع بيه نفسي إني راجع عشانو.
أول ما وصلت القاهرة، مروحتش على بيتي، ولا حتى روحت أشوف ابني. رجلي أخدتني علطول على البوتيك بتاعها. نادين بعد الطلاق فتحت محل ورد صغير، مشروع كانت دايماً بتحلم بيه وأنا كنت بتريق عليه وبقولها كلام فاضي. وقفت برا المحل لثواني، أخدت نفس عميق ودخلت.
أول ما شفتها، قلبي دق بسرعة غريبة. كانت واقفة وسط الورد، لابسة فستان رقيق، وشكلها جميل ومبهج زي العادة، يمكن أجمل بكتير من وقت ما كانت معايا؛ وشها كان رايق وفي عينيا لمعة مكنتش بشوفها زمان. ملامحها اتغيرت ثانية واحدة أول ما شافتني، بس بسرور غريب رسمت على وشها ابتسامة باردة، وكلمتني برسمية قاتلة، كأني زبون غريب داخل يشتري بوكيه ورد!
قالتلي بنبرة هادية أهلاً يا سليم.. حمد الله على السلامة. جاي تشوف عمر؟ هو عند ماما دلوقتي.
البرود

ده عصبني، فكرني بكل العند اللي جوايا. نسيت ندمي، ونسيت إني أنا اللي ظلمتها، ورجعت لسيرتي الأولى.. سيرة الراجل اللي مبيحبش يتكسر. قربت منها وقولت بصوت حاد ومكتوم عشان الناس اللي في المحل عمر مين اللي عند مامتك؟ أنا مش جاي عشان عمر دلوقتي يا نادين.. أنا جاي عشانك! إيه الكلام اللي سمعته ده؟ إنتي بجد هتتجوزي؟.
بصتلي بهدوء غريب ومردتش، وده استفزني أكتر، فكملت بزعيق وعصبية اسمعي بقى.. أنا مستحيل هسيب الجوازة دي تتم، ومستحيل هسمحلك تتجوزي أصلاً! ومش عشانك، متفتكريش إني هموت عليكي.. لأ، ده عشان ابني! أنا مش هسيب ابني وحتة مني لراجل تاني غريب يربيه وياخد مكاني، إنتي فاهمة؟.
كنت متوقع إنها تخاف، تترجاني، أو على الأقل تتعصب وتزعق زي زمان وتدافع عن نفسها.. بس اللي حصل فاجأني وشل حركتي تماماً.
نادين بكتل كامل من البرود والثقة، بصت في عينيا وضحكت! ضحكة عالية، صافية، وفي نفس الوقت مستفزة بشكل عصبني لدرجة كنت هفقد فيها أعصابي. ضحكتها كانت بتقول إني مبقتش بساوي عندها أي حاجة.
وقفت ضحك فجأة، وبصتلي بنظرة كلها تحدي وقالتلي كلامك وصوتك العالي ده ميبقاش معايا أنا من النهارة يا سليم… كلامك ده تروح تقوله لخطيبي.
حسيت كأن حد ضربني بقلم على وشي. قولت باستغراب واستهزاء وأنا مش مستوعب نعم؟! خطيبك؟! وهو بسلامته دخله إيه بيني وبينك؟ وبأي صفة يتكلم معايا في أمر ابني؟.
قربت مني خطوة، وعينيها لمعت بقوة غريبة وقالتلي بكل ثقة دخله إيه؟ هو أنا.. وأنا هو. يعني كلمتك معاه هي كلمتك معايا، وهو اللي من حقه يقرر كل حاجة تخصني وتخص ابني من هنا ورايح… وعموماً، كلامك يبقى معاه وبس، وأهو وصل وواقف وراك علطول… مش حابب تتعرف عليه؟.
الجملة نزلت عليا زي الصاعقة. واقف وراك؟
حسيت بهوا بارد ورايا، وبأنفاس شخص مألوف جداً. التفتت ببطء وأنا جسمي كله بيترعش، وعيني جت في عين الشخص اللي واقف ورايا وساند على باب المحل وبيبصلي بنظرة بارده وفيها استهزاء في نفس الوقت.
في اللحظة دي.. الدنيا دارت بيا فعلاً. حسيت الأرض انشقت وبلعتني، والحيطة اللي ورايا بقت السند الوحيد عشان مقعش على الأرض من الصدمة. ، وبقيت ببص للشخص ده ولنادين بذهول ملوش آخر!!!!!
زهرة_الربيع
القصه مدهشه جدااأ للمتابعه سيب لايك وكمنت بتم وهيوصلك اشعار
رجعت من السفر لما سمعت ان طليقتي هتتجوز ورغم اني انا اللي اخترت الطلاق بس لما سمعت الخبر الدم غلي في عروقي وهددتها اني هاخد منها ابننا …افتكرتها هتترجاني بس فاجاتني لما ضحكت بطريقه عصبتني اكتر وقالتلي كلامك يبقى مع خطيبي! بس المصيبه مش هنا المصيبه كانت لما عرفت مين خطيبها وفهمت هيه تقصد ايه!!!!
سليم ثبت مكانه، وعينه اتسعت وهو بيبص للشخص اللي واقف قدامه.
خرجت الكلمة منه بصعوبة
إنت؟!
الشخص اكتفى بابتسامة هادئة، ومد إيده يصافحه وهو بيقول بثبات
أهلاً يا سليم… بقالنا كتير متقابلناش.
إيده فضلت ممدودة ثواني، لكن سليم ماحركش إيده، كان لسه بيحاول يستوعب اللي شايفه.
ده كان المستشار كريم… المحامي المعروف، وصاحب المكتب اللي كان سليم نفسه متدرب فيه زمان، والراجل اللي علمه أول خطواته في الشغل، وكان دايمًا يعتبره أخ أكبر قبل ما يسافر.
اتراجع سليم خطوة وقال بانفعال
إنت؟! مستحيل… إنت خطيب نادين؟!
رد كريم بهدوء شديد
أيوه.
الكلمة القصيرة كانت كفاية إنها تشعل غضب سليم.
يعني استنيت أول ما سافرت عشان تدخل حياتها؟
رفع كريم حاجبه باستغراب وقال
خد بالك من كلامك… أنا معرفتش نادين غير بعد طلاقكم بسنة كاملة.
نادين كانت واقفة ساكتة، لكنها أول مرة تتكلم بنبرة حاسمة
وبالمناسبة… أول مرة قابلته كانت بسبب مشكلة تخص عمر.
التفت سليم بسرعة.
مشكلة إيه؟
نادين بصتله للحظات وقالت
فاكر المدرسة اللي عمر كان فيها؟
هز راسه باستغراب.
المدرسة كانت باعت إنذار رسمي بسبب موضوع قانوني خاص بالوصاية والسفر، واضطريت أروح أستشير محامي… وساعتها قابلت الأستاذ كريم.
كريم كمل بهدوء
كل علاقتي بيها في البداية كانت شغل… وبعد شهور طويلة، ولما اتأكدت إنها قفلت صفحة الماضي تمامًا، اتقدمت لها رسمي، ومن باب البيت.
سليم كان سامع، لكن الغيرة والغضب كانوا مانعينه يفكر.
قال بعصبية
وأنا ابني؟! ابني هيتربى مع راجل غيري؟
رد كريم بنفس البرود
ولا أنا عمري فكرت أخد مكانك.
سليم ضحك بسخرية.
يعني إيه؟
يعني هتفضل أبوه مهما حصل… وده حق عمر قبل ما يكون حقك.
الكلام ده لخبط سليم.
كان متوقع يستفزه أو ينافسه، لكنه لقى قدامه راجل بيتكلم بعقل.
لكن قبل ما يرد…
دخل ولد صغير يجري من آخر المحل وهو بيضحك.
ماما… شوفي الرسمة!
كان عمر.
أول ما شاف أبوه وقف مكانه.
عيونه فرحت للحظة…
لكن بعدها بص ناحية كريم، وجري عليه وهو بيقوله
بص يا أستاذ كريم… رسمت العربية اللي وعدتني نعملها.
سليم حس بحاجة بتتقطع جواه.
مش لأن ابنه نسيه…
لكن لأنه شاف بعينه إن ابنه ارتاح لشخص تاني في غيابه.
مد إيده ناحية عمر وقال بابتسامة حاول يخبي بيها وجعه
تعالى يا بطل… وحشتني.
عمر قرب منه فعلًا، حضنه ثواني، لكن بعدين رجع وقف جنب أمه.
وقتها لاحظ سليم حاجة غريبة جدًا.
عمر كان ماسك في إيده ظرف بني قديم، وعليه ختم رسمي باهت.
نادين أول ما شافته اتغير لون وشها بسرعة وقالت
عمر… أنا قلتلك الظرف ده يفضل في الدرج.
الولد رد بعفوية
بس حضرتك قولتي إن الأستاذ كريم لازم يشوفه النهارده.
سليم ركز في الظرف.
كان عليه اسمه بالكامل…
سليم عزت المنشاوي
وتحته بخط واضح
لا يُفتح إلا بحضور جميع الأطراف.
رفع عينه بسرعة ناحية كريم، فلقاه بيبص للظرف بجدية لأول مرة، وكأن اللحظة اللي كان مستنيها من شهور وصلت أخيرًا.
أما نادين، فتنهدت ببطء وقالت
واضح إن مفيش مهرب خلاص… السر ده لازم يطلع.
وفي نفس اللحظة، دوى صوت سيارة توقفت بعنف أمام محل الورد، ونزل منها رجل مسن يحمل حقيبة جلدية قديمة، وما إن وقعت عيناه على الظرف حتى قال بصوت مرتجف
الحمد لله… لحقنا قبل ما يضيع الدليل الرجل العجوز دخل المحل بخطوات سريعة، وكان واضح من ملامحه إنه جاي وهو في سباق مع الوقت. مسك الحقيبة الجلدية بإيده كأنها أغلى حاجة عنده، وبص للظرف اللي مع عمر وقال بلهفة
الظرف لسه مقفول؟
نادين هزت رأسها.
زي ما طلبت… محدش فتحه.
تنفس الرجل الصعداء، وكأنه شال حملًا تقيلًا من فوق كتفه.
أما سليم، فكان غضبه بدأ يتحول لحيرة.
قال بحدة
هو في إيه؟ حد يفهمني!
التفت إليه كريم وقال
اقعد الأول… لأن اللي هتسمعه هيغير حاجات كتير.
لكن سليم رفض.
مش هقعد غير لما أعرف إيه اللي بيحصل.
اقترب الرجل العجوز منه، ومد إيده قائلًا
أنا اسمي فؤاد… وكنت المحاسب الشخصي لوالدك الله يرحمه.
تجمد سليم.
اسم والده وحده كان كفيلًا يوقف أي انفعال عنده.
قال باستغراب
إنت كنت تعرف أبويا؟
ابتسم الرجل بحزن.
اشتغلت معاه أكتر من عشرين سنة… وآخر مرة شفته فيها قبل وفاته بأيام.
ساد الصمت للحظات.
ثم فتح الرجل حقيبته، وأخرج ملفًا قديمًا مليئًا بالأوراق، لكنه لم يسلمه لسليم، بل وضعه أمام كريم.
قال كريم
قبل سنة تقريبًا، الأستاذ فؤاد وصلني، وكان بيدور عليك.
نظر سليم إلى نادين بسرعة.
وإيه دخل نادين في كل ده؟
أجابت بهدوء
لأنهم مقدروش يوصلولك.
قطب حاجبيه.
إزاي؟
قال كريم
كل أرقامك القديمة كانت مقفولة، وعنوانك في الخارج اتغير أكتر من مرة، وحتى الشركة اللي كنت شغال فيها سبتها.
أطرق سليم برأسه.
كان كلامه صحيحًا.
منذ سفره وهو يتنقل باستمرار.
أكمل فؤاد
آخر شخص كان عندنا وسيلة نوصل له بيك… كانت نادين.
تنهدت نادين وقالت
فضلوا يتواصلوا معايا شهور، لكني كنت كل مرة أقولهم إني مش هقدر أفرض نفسي عليك بعد الطلاق.
نظر إليها سليم لأول مرة دون غضب.
بدأ يشعر أن الصورة التي رسمها في رأسه لم تكن كاملة.
وفجأة، سأل
طيب… الظرف فيه إيه؟
رد فؤاد
وصية.
ارتفع حاجبا سليم.
وصية مين؟
والدك.
ساد صمت ثقيل.
ثم أضاف الرجل بصوت منخفض
بس الوصية دي مش بتتكلم عن فلوس ولا أملاك.
ازدادت دهشة الجميع.
حتى عمر كان واقفًا ينظر إليهم دون أن يفهم.
قال سليم بلهفة
أمال بتتكلم عن إيه؟
أجاب فؤاد وهو ينظر إلى الظرف المغلق
بتتكلم عن أمانة… أبوك سابها عندي من سنين، وقال إنها ما تتفتحش إلا لما ترجع مصر بنفسك، ويكون ابنك موجود، ومعاه شخص يثق فيه يحافظ على حقه.
نظر سليم إلى كريم.
ثم إلى نادين.
وسأل بصوت خافت
يعني… علشان كده كنتوا مستنييني؟
هز كريم رأسه.
بالضبط.
لكن قبل أن يفتح أحد الظرف…
رن هاتف فؤاد.
نظر إلى الشاشة، فتغير لون وجهه فجأة.
همس بقلق
إزاي عرفوا إن الملف لسه معايا؟!
وقبل أن يرد، دوى صوت ارتطام قوي عند باب المحل، والتفت الجميع ليجدوا رجلين غريبين يقفان بالخارج، يتفحصان المكان بعناية، وكأنهما يبحثان عن شيء محدد… أو عن شخص بعينه سادت لحظة صمت ثقيلة داخل المحل.
فؤاد أخفى الملف بسرعة داخل الحقيبة الجلدية، وبص ناحية الباب بقلق واضح.
أما سليم، فاتقدم خطوة وقال
مين الناس دي؟
رد فؤاد بصوت منخفض
معرفش… لكن أنا شوفت العربية دي قبل كده.
كريم قرب من واجهة المحل من غير ما يلفت الانتباه، وبص من خلال الزجاج.
بعد ثوانٍ قال بهدوء
استنوا… هما مش داخلين.
الراجلان وقفا دقائق، وبعدين واحد منهم أشار للتاني، وركبوا العربية ومشيو.
تنفس الجميع الصعداء.
لكن فؤاد قال وهو بيقفل الحقيبة بإحكام
لا… هما هيرجعوا.
استغرب سليم.
إنت مخبي إيه بالظبط؟
جلس فؤاد أخيرًا وقال
من خمسة وعشرين سنة، والدك دخل في شراكة مع تلاتة من أصحابه. بدأوا مشروع صغير، وبعد سنين بقى من أكبر المشروعات في المحافظة.
سليم كان بيسمع لأول مرة تفاصيل عن شغل أبوه.
أكمل فؤاد
قبل وفاته بأشهر، اكتشف إن في أوراق قديمة ناقصة، وإن في حد حاول ينسب لنفسه جزء من أملاك المشروع.
سليم سأله بسرعة
عرف مين؟
هز فؤاد رأسه.
كان عنده شك… لكنه مات قبل ما يتأكد.
فتح الحقيبة، وأخرج مفتاحًا نحاسيًا قديمًا، مربوطًا بشريط أحمر باهت.
وضعه على الطاولة.
المفتاح ده هو سبب كل اللي بيحصل.
نظر الجميع إليه باستغراب.
قال كريم
ده مفتاح خزنة.
أومأ فؤاد.
خزنة موجودة في مكتب قديم مقفول من يوم وفاة والد سليم.
رفع سليم المفتاح بيده.
كان ثقيلًا بشكل غريب، ومنقوش عليه رقم واحد فقط…
17.
سأل
والخزنة فيها إيه؟
ابتسم فؤاد ابتسامة غامضة.
معرفش.
اتسعت عينا سليم.
إيه يعني متعرفش؟
لأن والدك قفلها بنفسه، وقال محدش يفتحها غير ابنه.
ثم أشار إلى الظرف.
ورقم الخزنة وطريقة فتحها موجودين جوه الوصية.
في تلك اللحظة، نظر كريم إلى ساعته وقال
يبقى لازم نتحرك دلوقتي.
سأله سليم
على فين؟
على المكتب القديم… لأن المبنى هيتسلم للملاك الجدد بكرة الصبح، وبعدها مش هيبقى من حقنا ندخله.
تجمد الجميع.
قالت نادين بقلق
يعني لو مستنين لبكرة… ممكن كل حاجة تضيع.
أخذ سليم نفسًا عميقًا، وأمسك بالمفتاح والظرف، وقال بحزم
يبقى نروح حالًا.
وبينما كانوا يستعدون للخروج، لاحظ عمر شيئًا صغيرًا أسفل الطاولة.
انحنى والتقط ورقة مطوية، يبدو أنها سقطت من حقيبة فؤاد دون أن ينتبه.
فتحها بعفوية، ثم قال
هو ليه مكتوب هنا…
وسكت فجأة.
التفت الجميع إليه.
ناول الورقة لسليم.
قرأها، فتغيرت ملامحه بالكامل.
كانت عبارة واحدة مكتوبة بخط والده
إذا وجدت هذه الرسالة… فلا تثق في أحد حتى لو
لمحة نيوز

كان أقرب الناس إليك.
رفع سليم عينيه ببطء…
ونظر إلى كل من يقف حوله، لأول مرة، وقد بدأ الشك يتسلل إلى قلبه ظل سليم ممسكًا بالورقة، يعيد قراءة الجملة أكثر من مرة.
لا تثق في أحد… حتى لو كان أقرب الناس إليك.
الكلمات كانت قصيرة، لكنها كفيلة بأنها تزرع الشك في قلب أي إنسان.
رفع رأسه ببطء، ونظر إلى نادين… ثم إلى كريم… ثم إلى فؤاد.
كل واحد فيهم كان له سبب يخليه موجود في اللحظة دي.
لكن مين فيهم يقصده والده؟
قطع كريم الصمت وقال بهدوء
أنا فاهم أنت بتفكر في إيه… بس لو فضلنا واقفين هنضيع وقت.
أعاد سليم الورقة إلى جيبه وقال
تمام… هنروح.
أغلقوا محل الورد، وركبوا سيارتين.
سليم كان يقود السيارة الأولى، وبجواره فؤاد، بينما ركبت نادين مع عمر في السيارة الثانية، وكان كريم يقودها.
طوال الطريق، لم ينطق أحد بكلمة.
حتى عمر، الذي اعتاد أن يسأل كثيرًا، كان يشعر أن هناك أمرًا أكبر من فهمه.
بعد حوالي نصف ساعة، توقفوا أمام مبنى قديم مكون من ثلاثة طوابق.
الواجهة كانت متآكلة، واللافتة المعدنية التي تحمل اسم الشركة القديمة كادت تسقط من الصدأ.
أشار فؤاد إلى الباب وقال
هنا بدأ كل شيء.
دخلوا بحذر.
المكان كان مليئًا بالغبار، وكأن أحدًا لم يدخله منذ سنوات.
قادهم فؤاد إلى آخر الممر، حتى وقف أمام باب خشبي سميك.
أخرج سليم المفتاح النحاسي.
أدخله في القفل.
لفه مرة…
ثم مرتين…
وسمع الجميع صوت طَق.
فتح الباب ببطء.
كانت الغرفة كما تركها والده.
مكتب خشبي كبير.
مكتبة مليئة بالملفات.
وصورة قديمة معلقة على الحائط تجمع والده مع ثلاثة رجال آخرين.
اقترب سليم من الصورة.
أشار إلى أحد الرجال وسأل
مين ده؟
قال فؤاد
ده شريك والدك الأول.
وأشار إلى الثاني.
وده الثاني.
ثم توقف عند الثالث، وسكت.
لاحظ سليم تردده.
وده؟
تنهد فؤاد وقال
ده الوحيد اللي والدك كان شاكك فيه.
قبل أن يسأله عن اسمه…
صدر صوت خافت من خلف المكتبة.
التفت الجميع في لحظة.
نادين ضمت عمر إليها بسرعة.
أما كريم، فاتجه بحذر نحو مصدر الصوت.
مد يده وأزاح أحد الرفوف قليلًا…
فإذا بجزء من الحائط يتحرك.
خلف المكتبة كان هناك باب حديدي صغير لم يكن ظاهرًا.
نظر فؤاد إليه بدهشة.
أنا… أنا أول مرة أشوف الباب ده.
اقترب سليم، ولاحظ أن الباب لا يوجد به قفل عادي.
بل لوحة معدنية محفور عليها رقم واحد فقط…
17
نظر إلى المفتاح في يده، ثم إلى الرقم.
ابتسم لأول مرة منذ عودته وقال
واضح إن المفتاح مش للمكتب…
رفع المفتاح وأدخله في الفتحة الصغيرة الموجودة أسفل الرقم.
لكن قبل أن يديره…
رن هاتف كريم.
نظر إلى الشاشة، فتغيرت ملامحه فجأة.
قال بصوت منخفض
إزاي؟!
سأله سليم
في إيه؟
رفع كريم الهاتف ببطء، ثم قال
دي إدارة المستشفى…
ساد الصمت.
أكمل كريم وهو ينظر إلى فؤاد مباشرة
بيقولوا إن الأستاذ فؤاد… مسجل عندهم من أسبوع، ولسه خارج النهارده.
نظر الجميع إلى فؤاد باستغراب.
لكن المفاجأة لم تكن هنا…
فالموظف على الهاتف أكمل جملة جعلت الدم يتجمد في عروق الجميع
الغريب… إن المريض كان بيكرر جملة واحدة طول فترة علاجه…
أوعوا تفتحوا الباب رقم 17… لأنه مش بيحمي السر… هو اللي مخبي الحقيقة كلها.
وانعقدت الأنظار كلها على الباب الحديدي… بينما ظل المفتاح في يد سليم، على بعد سنتيمترات فقط من فتحة القفل تجمدت يد سليم في مكانها.
نظر إلى المفتاح… ثم إلى الباب… ثم إلى فؤاد.
قال بصوت حاد
يعني إيه الكلام ده؟
أغلق كريم الهاتف ببطء، ثم قال
المكالمة كانت من موظف في الأرشيف، كان بيتأكد من استلام بعض الأوراق. ولما عرف إن الأستاذ فؤاد معايا، افتكر الجملة اللي كان بيرددها وهو في المستشفى.
رد فؤاد بانفعال
أنا دخلت المستشفى فعلًا… كان عندي هبوط حاد من الإرهاق، لكني عمري ما قلت متفتحوش الباب.
اقترب منه سليم وهو يراقب ملامحه.
إنت متأكد؟
هز فؤاد رأسه.
في يومين من الأيام دول كنت تحت تأثير أدوية قوية… ممكن أكون قلت كلام مش فاكره.
ساد الصمت.
نظر كريم إلى الباب مرة أخرى وقال
في كل الأحوال… إحنا مش جايين بدافع الفضول. إحنا جايين ننفذ وصية.
أخرج سليم الظرف البني، وقطع الختم لأول مرة.
فتح الورقة بعناية.
كانت الرسالة مكتوبة بخط والده.
بدأ يقرأ بصوت مسموع
يا سليم… لو وصلت للرسالة دي، يبقى ربنا كتبلك ترجع. متخافش من الباب، لكن متفتحوش إلا بعد ما تتأكد إن الناس اللي حواليك موجودين بإرادتهم، مش بدافع مصلحة.
رفع سليم عينيه.
نظر إلى نادين.
كانت واقفة ممسكة بيد عمر.
نظر إلى كريم.
كان ثابتًا في مكانه.
ثم إلى فؤاد.
كان يبدو عليه الإرهاق الحقيقي.
أكمل القراءة
الخزنة اللي ورا الباب مش فيها كنز، ولا أوراق ملكية. فيها الحقيقة اللي فضلت مخبيها سنين عشان أحمي ناس ملهاش ذنب.
قطب سليم حاجبيه.
أحمي مين؟
واصل القراءة
لما تفتح، هتفهم ليه طلبت من فؤاد يحتفظ بالمفتاح، وليه كنت واثق إن نادين هتكون موجودة في اليوم ده.
شهقت نادين.
أنا؟!
نظرت إلى كريم في دهشة، ثم قالت
أنا وقتها حتى ماكنتش أعرف سليم.
قال فؤاد بهدوء
واضح إن والده كتب الرسالة بعد ما عرف بيها بسنين.
سليم قلب الصفحة.
في آخرها كان هناك سطر واحد فقط
لو عمر معاكم… خلوه بره الأوضة قبل فتح الباب.
ساد صمت ثقيل.
نادين ضمت ابنها إليها أكثر.
قالت بحزم
أنا هاخده برا.
ابتسم عمر باستغراب.
هو أنا عملت حاجة؟
ربتت على شعره.
لا يا حبيبي… دي وصية جدك.
خرجت نادين مع عمر إلى الممر.
وقف سليم أمام الباب.
أخذ نفسًا عميقًا.
وأدار المفتاح.
صدر صوت احتكاك معدني قديم.
ثم انفتح الباب ببطء شديد.
كانت خلفه غرفة صغيرة لا تتجاوز بضعة أمتار.
لا ذهب.
لا خزائن.
فقط مكتب قديم، وصندوق خشبي، وجهاز عرض أفلام قديم موضوع بعناية.
اقترب فؤاد وهمس
أنا أول مرة أشوف المكان ده.
فتح سليم الصندوق.
وجد بداخله عدة أشرطة فيديو قديمة، وكل شريط مكتوب عليه تاريخ مختلف.
لكن آخر شريط شد انتباهه.
كان مكتوبًا عليه بخط والده
يُشاهد بحضور سليم فقط… وإذا قررت بعده أن تخبر الآخرين بالحقيقة، فذلك قرارك.
نظر الجميع إلى الشريط في صمت.
ثم مد سليم يده نحوه…
وقبل أن يرفعه، سمعوا صوتًا قويًا قادمًا من خارج المبنى، أعقبه صوت ارتطام باب السيارة بعنف، ثم خطوات سريعة تصعد السلم في اتجاه المكتب مباشرة تبادل الجميع النظرات في لحظة.
الخطوات كانت تقترب بسرعة، وثقلها يدل على أن أكثر من شخص يصعد السلم.
أغلق كريم باب الغرفة الحديدية بهدوء، ثم أشار إلى سليم أن يحتفظ بالشريط داخل الصندوق مؤقتًا.
همس
مهما حصل… متسيبش الشريط.
بعد ثوانٍ، دوى طرق قوي على باب المكتب الخارجي.
مرة…
ثم مرتين…
ثم صوت رجل يقول بنبرة رسمية
في حد هنا؟
نظر سليم إلى فؤاد.
تعرف الصوت؟
هز رأسه بالنفي.
تقدم كريم نحو الباب الخارجي وفتحه بحذر.
وقف أمامه رجل في الخمسينيات من عمره، يحمل حقيبة أوراق سوداء، وخلفه شاب يرتدي زي شركة نقل.
ابتسم الرجل بأدب وقال
مساء الخير… إحنا من الشركة المالكة للمبنى.
أخرج بطاقة تعريفه وأكمل
كنا جايين نستلم المكتب، لكن الحارس قال إن في ناس دخلوا قبلنا.
تنفس الجميع براحة نسبية.
لم يكونوا الغرباء الذين ظنوهم.
قال كريم
هنخلص خلال دقائق.
هز الرجل رأسه موافقًا، لكنه قبل أن ينصرف، وقعت عيناه على فؤاد.
تغيرت ملامحه فجأة.
قال بدهشة
أستاذ فؤاد؟
رفع فؤاد رأسه.
أيوه… حضرتك تعرفني؟
ابتسم الرجل.
أكيد… أنا ابني كان بيشتغل مع حضرتك زمان.
ثم أضاف وهو يشير إلى المكتب
الغريب إن المكان ده فضل مقفول سنين، وكل ما كنا نحاول نفتحه كنا نلاقي في الورق وصية واضحة إنه يفضل كما هو لحد ما يرجع الأستاذ سليم بنفسه.
نظر سليم إلى الرجل باستغراب.
يعني محدش دخل هنا من يوم وفاة أبويا؟
ولا حد.
خرج الرجل وأغلق الباب خلفه.
ساد الصمت من جديد.
أخرج سليم شريط الفيديو من الصندوق.
وبجواره كان هناك جهاز عرض قديم، وإلى جانبه محول كهربائي محفوظ داخل علبة.
قال فؤاد بابتسامة خفيفة
واضح إن والدك كان محضر كل حاجة.
وصل كريم الجهاز بالكهرباء.
أدار المفتاح.
صدر صوت خفيف…
ثم بدأت الشاشة البيضاء المعلقة على الحائط تضيء.
بعد ثوانٍ ظهر والد سليم على الشاشة.
كان يجلس خلف نفس المكتب الذي يقفون أمامه الآن.
ابتسم للكاميرا وقال
لو أنت بتشوف التسجيل ده يا سليم… يبقى الحمد لله إنك رجعت.
شعر سليم بقشعريرة تسري في جسده.
لم يرَ والده بهذه الصورة منذ سنوات طويلة.
أكمل الأب
عارف إن عندك أسئلة كتير… لكن قبل ما أجاوبك، لازم تعرف إنك هتغضب مني.
تجمد سليم.
تابع والده
لأني أخفيت عنك سرًا كبيرًا… وكنت مضطر أعمل كده عشان أحمي العيلة.
وفي اللحظة التي كان الجميع ينتظر فيها سماع السر…
انطفأت الشاشة فجأة.
عمّ الظلام الغرفة لثوانٍ.
ثم انقطع التيار الكهربائي عن المبنى بالكامل.
قال كريم بسرعة
الجهاز فصل!
لكن فؤاد نظر من النافذة وقال بقلق
دي مش مشكلة كهربا…
سأله سليم
إزاي عرفت؟
أشار إلى الشارع.
كانت كل أعمدة الإنارة خارج المبنى ما زالت مضاءة بشكل طبيعي.
أما المبنى وحده… فقد غرق في الظلام بالكامل، وكأن أحدًا فصل الكهرباء عنه عمدًا تسارعت أنفاس الجميع.
وقف سليم مكانه وهو يحاول يستوعب اللي بيحصل.
قال بصوت منخفض
يعني حد قاصد يقطع الكهربا عن المبنى؟
هز كريم رأسه وهو أخرج كشافًا صغيرًا من حقيبته.
واضح كده.
أضاء الكشاف، ومرر نوره على الجدران.
كانت الغرفة كما هي… لكن شيئًا لفت انتباهه.
خلف جهاز العرض مباشرة، كان هناك صندوق كهرباء صغير، بابه مفتوح.
اقترب منه.
انحنى قليلًا ثم قال
غريبة…
سليم اقترب بسرعة.
إيه؟
أشار كريم إلى الأسلاك.
التيار مش مقطوع… الفيوز متشال بإيد حد.
نظر الجميع لبعضهم.
يعني شخص دخل المبنى قبلهم… أو كان موجودًا فيه.
في نفس اللحظة، جاء صوت نادين من خارج الغرفة
سليم!
خرجوا مسرعين.
وجدوا نادين واقفة في الممر، وعمر بجوارها.
قالت وهي تشير إلى نهاية الممر
أنا كنت واقفة مع عمر هنا… وسمعت باب بيتقفل.
التفت سليم ناحية نهاية الممر.
كان هناك باب معدني صغير، لم يلاحظوه عند دخولهم.
ركض نحوه.
فتح الباب بسرعة.
لكنه لم يجد أحدًا.
فقط سلم خلفي يؤدي إلى فناء المبنى.
نزلوا جميعًا.
الفناء كان خاليًا تمامًا.
لكن على الأرض، كانت آثار عجلات سيارة حديثة، وكأنها غادرت منذ لحظات.
عادوا إلى المكتب.
قال فؤاد وهو يفكر
اللي دخل، مكانش جاي يسرق.
سأله سليم
ليه؟
لأن لا الملف اتاخد، ولا الشريط، ولا المفتاح.
رد كريم
يبقى كان هدفه يمنعنا نشوف التسجيل.
ساد الصمت.
ثم ابتسم سليم لأول مرة منذ بداية اليوم.
قال بثقة
يبقى التسجيل مهم فعلًا.
فتح الصندوق مرة أخرى.
وبينما كان يرفع جهاز العرض ليتأكد من سلامته، لاحظ شيئًا غريبًا.
في أسفل الجهاز كان هناك درج صغير جدًا، بالكاد يُرى.
حاول فتحه.
كان عالقًا.
ساعده كريم حتى انفتح أخيرًا.
داخل الدرج وجدوا مفتاحًا صغيرًا جدًا، ورسالة مطوية.
فتح سليم الرسالة.
كانت مكتوبة بخط والده أيضًا.
إذا تعطل العرض لأي سبب، فاعلم أني توقعت ذلك. لذلك تركت النسخة الثانية في المكان الذي كنت تأخذني إليه كل يوم جمعة، بعد صلاة العصر.
نظر سليم إلى الرسالة طويلًا.
ثم همس
كل يوم جمعة…
بدأ يسترجع ذكرياته مع والده.
حديقة؟
المزرعة؟
المكتبة؟
ظل صامتًا لدقائق.
وفجأة اتسعت عيناه.
قال
عرفت المكان…
لكن قبل أن ينطق بالاسم، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
كان رقمًا مجهولًا.
تردد لحظة، ثم أجاب.
جاءه صوت رجل هادئ يقول
واضح إنك لقيت الرسالة الأولى… لكن لو رحت للمكان اللي في بالك، هتكتشف إنك متأخر.
وقبل أن يسأل سليم أي سؤال…
أغلق المتصل الخط الحاج عبد الرحيم اتجه بسرعة ناحية الباب الخشبي، وأغلقه بالمفتاح، ثم أسدل ستارة سميكة على الزجاج الأمامي للمكتبة.
ساد هدوء غريب.
حتى صوت الشارع اختفى.
نظر إلى سليم وقال
تعالى معايا… والأستاذ كريم ييجي معاك. أما مدام نادين وعمر، يفضلوا هنا.
اعترض سليم فورًا
ليه؟
ابتسم الحاج عبد الرحيم وقال
لأن المكان اللي هننزل له ضيق، ومش آمن للأطفال.
تعجبت نادين.
ننزل له؟
اقترب الرجل من آخر رف في المكتبة، وأخرج كتابًا ضخمًا من مكانه.
ثم ضغط بيده على قطعة خشب صغيرة كانت خلف الكتاب.
صدر صوت خافت…
وبدأ رف الكتب يتحرك ببطء إلى الجانب.
خلفه ظهر سلم حجري قديم ينزل إلى أسفل.
نظر سليم إلى كريم.
كريم قال بهدوء
واضح إن والدك كان محضر كل حاجة.
نزل الثلاثة بحذر.
كل درجة كانت تصدر صوتًا من أثر الزمن.
وفي نهاية السلم، وصلوا إلى غرفة صغيرة، تتوسطها منضدة خشبية، وفوقها صندوق حديدي أسود.
على غطاء الصندوق كانت لوحة نحاسية مكتوب عليها
الأمانة الثانية.
اقترب سليم.
لاحظ أن الصندوق لا يحتاج مفتاحًا.
بل يحتاج المفتاح الصغير الذي وجدوه داخل جهاز العرض.
أخرج المفتاح من جيبه.
أدخله في الفتحة.
استدار بسهولة.
ثم ارتفع غطاء الصندوق ببطء.
داخله وجدوا…
دفترًا جلديًا قديمًا، ومجموعة صور، وظرفًا آخر مختومًا بالشمع الأحمر.
فتح سليم الدفتر أولًا.
كانت أول صفحة تحمل عنوانًا بخط والده
يوميات الحقيقة.
قلب الصفحة التالية.
بدأ يقرأ
إذا وصلت إلى هنا يا سليم، فاعرف أن كل ما سمعته عن شراكة المشروع كان نصف الحقيقة فقط… أما النصف الآخر، فلم يعرفه أحد غيري.
تسارعت أنفاسه.
واصل القراءة
في سنة 1998، اتخذنا قرارًا غيّر حياتنا جميعًا… لكنه أيضًا صنع عدوًا لم ينسَ ما حدث حتى اليوم.
وقبل أن يكمل السطر التالي…
سمعوا صوت ارتطام قوي من أعلى المكتبة.
ثم صوت نادين وهي تنادي بفزع
سليم… بسرعة!
رفع سليم رأسه، وأغلق الدفتر فورًا، وانطلق هو وكريم وفؤاد نحو السلم، بينما كان صوت تكسير الزجاج في الطابق العلوي يزداد لحظة بعد أخرى، وكأن أحدًا نجح أخيرًا في اقتحام المكتبة ظل سليم ينظر إلى شاشة الهاتف لثوانٍ، ثم أعاد الاتصال بالرقم.
الرقم غير متاح.
ضغط على أسنانه وهو يحاول يسيطر على أعصابه.
قال كريم
إيه قال؟
تنهد سليم وأعاد عليهم المكالمة بالحرف.
ساد الصمت.
قال فؤاد وهو يفكر
يبقى في حد عارف كل خطوة بنعملها.
نادين عقدت ذراعيها وقالت
أو في حد كان موجود هنا وسمع كل كلامنا.
الجملة دي خلت الجميع ينظر تلقائيًا إلى أركان المكتب.
بدأ كريم يفتش المكان بدقة.
وبعد دقائق، توقف أمام ساعة حائط قديمة كانت معلقة فوق الباب.
أنزلها من مكانها.
وفجأة…
وقع جسم صغير على الأرض.
التقطه كريم.
كان جهازًا إلكترونيًا صغيرًا جدًا.
قال وهو يقلبه بين أصابعه
ده جهاز تسجيل صوت… شكله قديم، لكنه شغال.
شهق فؤاد.
يعني حد كان بيسمعنا؟
أطفأ كريم الجهاز ووضعه في جيبه.
وده يفسر المكالمة.
نظر سليم إلى الرسالة مرة أخرى.
ثم قال بثقة
مش مهم هو عرف ولا لأ… إحنا هنكمل.
سألته نادين
فاكر المكان؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
أيوه.
ثم نظر إلى عمر.
أبويا كان كل يوم جمعة ياخدني بعد الصلاة لمكتبة صغيرة قديمة. مكان هادي، وكان يقول إن الكتب بتحفظ أسرار أصحابها أكتر من البيوت.
استغرب فؤاد.
مكتبة؟
هز سليم رأسه.
مكتبة قديمة في وسط البلد. زمان كانت ملك راجل صاحب أبويا.
قال كريم
يبقى نتحرك قبل ما حد يسبقنا.
أغلقوا المكتب مرة أخرى، وسلموا المفاتيح لمندوب الشركة، ثم انطلقوا جميعًا.
وخلال الطريق…
كان سليم يشعر لأول مرة منذ سنوات أن والده ما زال يقوده خطوة بخطوة.
بعد نحو أربعين دقيقة، توقفوا أمام مبنى قديم، تتوسطه لافتة خشبية باهتة، كُتب عليها اسم المكتبة.
لكن شيئًا لم يكن طبيعيًا.
باب المكتبة كان مفتوحًا رغم أن الوقت متأخر.
ولا يوجد أي ضوء بالداخل.
دخل سليم بحذر.
رائحة الورق القديم ملأت المكان.
صفوف طويلة من الكتب، وسكون غريب.
وفجأة…
خرج رجل مسن من بين الأرفف، يحمل مصباحًا يدويًا.
ابتسم أول ما رأى سليم.
وقال وكأنه كان ينتظره منذ زمن
اتأخرت يا بني…
تجمد سليم.
قال الرجل
أبوك قال لي لو جيت في يوم، أسلمك الأمانة.
وقبل أن يكمل…
دخل شاب مسرعًا من الباب وهو يلهث، وصاح
الحاج عبد الرحيم… في ناس بيسألوا عليك بره، ومعاهم صورة الأستاذ سليم!
نظر الرجل المسن إلى سليم بسرعة، ثم

قال بصوت حاسم
اقفلوا الباب… واضح إن الوقت خلص، والسر بقى أقرب ما يكون إنه ينكشف قفز سليم درجات السلم اثنتين اثنتين، وخلفه كريم وفؤاد.
ما إن وصلوا إلى الطابق العلوي حتى وجدوا نادين تضم عمر إليها، بينما تناثر الزجاج على الأرض بجوار إحدى النوافذ الجانبية.
قال سليم بقلق
إنتوا كويسين؟
هزت نادين رأسها بسرعة.
إحنا بخير… بس حد رمى حجر وكسر الإزاز.
نظر كريم إلى الأرض.
كان الحجر ملفوفًا بورقة ومربوطًا بخيط.
التقطه بحذر، وفك الخيط.
فتح الورقة، ثم قرأ بصوت منخفض
اللي بيدور على الماضي… هيضيع منه المستقبل.
قطب سليم حاجبيه.
مين اللي بيلعب اللعبة دي؟
اقترب الحاج عبد الرحيم من النافذة، وألقى نظرة سريعة إلى الشارع.
قال
مفيش حد… واضح إن اللي عمل كده كان عايز يوصل الرسالة ويمشي.
أخذ سليم الورقة من يد كريم، وقلبها.
لاحظ ختمًا صغيرًا في الزاوية.
دائرة بداخلها حرف واحد فقط…
م.
قال فؤاد فجأة
أنا شفت الختم ده قبل كده.
التفت الجميع إليه.
فين؟
تنهد وقال
على ملف قديم كان عند والدك… لكنه اختفى قبل وفاته بفترة.
اشتد فضول سليم.
كان مكتوب فيه إيه؟
هز فؤاد رأسه.
مكملتش قراءته… لكن فاكر إن والدك أول ما شاف الختم ده، قفل الملف بنفسه وقال لسه معاد الحقيقة مجاش.
ساد الصمت.
ثم نظر كريم إلى الدفتر الجلدي الذي ما زال في يد سليم.
واضح إن كل إجابة بتولد سؤال جديد.
أومأ سليم.
بس المرة دي هنكمل.
عادوا جميعًا إلى الغرفة السرية.
فتح سليم الدفتر عند الصفحة التي توقف عندها.
وأكمل القراءة
العدو اللي كنت بخاف منه، مكانش هدفه الفلوس… كان هدفه ورقة واحدة.
قلب الصفحة التالية.
لم يجد أي كتابة.
ولا الصفحة بعدها.
كلها بيضاء.
استغرب وقال
إيه ده؟
ابتسم الحاج عبد الرحيم لأول مرة.
كنت مستني اللحظة دي.
فتح درجًا صغيرًا في المنضدة، وأخرج زجاجة صغيرة مكتوب عليها
محلول إظهار.
قال
والدك كتب باقي اليوميات بحبر سري.
نظر إليه سليم بدهشة.
أخذ عبد الرحيم قطعة قماش ناعمة، ووضع عليها بضع قطرات من المحلول، ثم مررها برفق على الصفحة البيضاء.
وببطء…
بدأت كلمات باهتة تظهر أمام أعينهم.
أول سطر ظهر كان كافيًا ليحبس أنفاس الجميع
إذا كنت تقرأ هذه السطور… فاعلم أن الشخص الذي أبحث عنه كان يجلس معي على نفس المائدة، ويعاملني كأخ.
وقبل أن تظهر بقية الكلمات…
انطفأت المصابيح داخل الغرفة السرية وحدها، رغم أن أضواء المكتبة في الأعلى كانت لا تزال مضاءة، ثم سمعوا صوت الباب الحجري وهو يُغلق ببطء من تلقاء نفسه، ليجدوا أنفسهم محاصرين داخل الغرفة السرية انخفض الضوء فجأة، ثم دوى صوت ارتطام الباب الحجري وهو يغلق بإحكام.
التفت سليم بسرعة، واندفع نحوه بكل قوته.
دفعه بكتفه مرة…
ومرتين…
لكن الباب لم يتحرك سنتيمترًا واحدًا.
قال نادين من أعلى السلم بقلق
سليم! إنتوا سامعني؟
جاء صوتها مكتومًا، وكأن الباب عزل الغرفة تمامًا.
رد سليم بأعلى صوته
إحنا كويسين… متقلقيش!
لكن لم يصله أي رد.
نظر كريم حوله بهدوء، ثم قال
استهدى بالله… أكيد فيه طريقة للخروج.
بدأ يمرر ضوء الكشاف على الجدران الحجرية.
وفجأة توقف.
كان هناك نقش صغير جدًا بجوار الباب، بالكاد يُرى تحت طبقة الغبار.
اقترب فؤاد ومسح الغبار بكفه.
ظهرت عبارة محفورة بعناية
من يدخل طالبًا للحقيقة… لا يخرج حتى يقرأها كاملة.
قال سليم وهو ينظر إلى الدفتر
يبقى لازم نكمل.
عادوا إلى المنضدة.
أخذ عبد الرحيم زجاجة محلول الإظهار مرة أخرى، وبدأ يمررها على الصفحة التالية.
ظهرت الكلمات تدريجيًا
كنت أعلم أن الشريك الذي خان الأمانة سيحاول محو كل دليل. لذلك قسمت الحقيقة إلى ثلاثة أجزاء، ووضعت كل جزء في مكان مختلف.
تنهد كريم.
إحنا لقينا الجزء الأول.
أكمل سليم القراءة
أما الجزء الثاني، فقد تركته مع شخص لم يشك فيه أحد.
ثم توقف.
لأن السطور التالية لم تظهر.
قال عبد الرحيم باستغراب
المحلول خلص.
رفع الزجاجة.
كانت فارغة تمامًا.
ساد الصمت.
ثم لاحظ فؤاد شيئًا غريبًا.
في أسفل المنضدة كان هناك درج صغير آخر.
فتحه.
وجد بداخله ورقة مطوية، وعلى ظهرها مكتوب
إذا نفد المحلول… فالمفتاح في الصورة.
نظر الجميع إلى الصور القديمة الموجودة داخل الصندوق.
بدأوا يقلبونها واحدة تلو الأخرى.
صور للشركة…
صور لوالد سليم مع شركائه…
وصورة تجمعه مع طفل صغير… هو سليم.
لكن آخر صورة كانت مختلفة.
كانت صورة عائلية قديمة، يظهر فيها والد سليم، ووالدته، وسليم وهو طفل… وخلفهم ساعة حائط كبيرة.
اقترب كريم من الصورة.
وقال
استنوا…
أشار إلى الساعة.
في منتصفها كان مرسوم نفس الرمز الذي وجدوه على الرسالة…
الحرف م.
وقبل أن يستطيع أحد تفسير معناه…
صدر صوت طَق خفيف من داخل الحائط.
ثم بدأ الباب الحجري يتحرك وحده ببطء…
وكأن الغرفة سمحت لهم بالخروج.
نظر عبد الرحيم إلى سليم وقال بهدوء
واضح إن والدك كان واثق إنك هتفهم أول خيط… لكن الجزء الأصعب لسه قدامنا، لأن الحرف م مش مجرد رمز… ده بداية اسم شخص، ولو عرفنا مين هو، هنعرف مين كان يطارد والدك طوال السنين دي خرج الأربعة من الغرفة السرية بسرعة.
أول ما وصلوا للمكتبة، لاقوا نادين واقفة بقلق، وعمر ماسك إيديها.
أول ما شافهم عمر جري على سليم.
بابا… كنت فاكر الباب قفل عليكم.
حضنه سليم وهو بيحاول يطمنه.
إحنا بخير يا بطل.
لكن عبد الرحيم كان باصص للصورة القديمة اللي ما زالت في إيد سليم.
قال بهدوء
وريني الصورة.
أخذها، وظل يتأملها لدقائق.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
أبوك كان ذكي.
استغرب كريم.
عرفت حاجة؟
أشار عبد الرحيم إلى ساعة الحائط الظاهرة في الصورة.
بصوا كويس.
اقترب الجميع.
كانت عقارب الساعة تشير إلى…
الرابعة وعشر دقائق.
قال سليم
وده معناه إيه؟
هز عبد الرحيم رأسه.
مش الوقت… ركزوا في الرقم.
فجأة قال فؤاد
أربعة… وعشرة.
رد عبد الرحيم
يعني رف رقم أربعة… وخانة رقم عشرة.
نظر سليم حوله.
المكتبة كلها كانت مقسمة إلى أرفف مرقمة.
بدأ يعد الأرفف حتى وصل إلى الرف الرابع.
ثم بدأ يعد الخانات.
الأولى…
الثانية…
حتى وصل إلى الخانة العاشرة.
كان فيها كتاب قديم جدًا، مغلف بالجلد البني.
سحبه من مكانه.
لكن الكتاب كان أثقل من الطبيعي.
فتحه.
لم تكن صفحاته ورقًا.
بل كانت مجوفة من الداخل.
وفي التجويف وجدوا…
زجاجة أخرى من محلول الإظهار.
ومفتاحًا صغيرًا مختلف الشكل.
ورسالة قصيرة.
فتحها سليم.
كان مكتوبًا فيها
إذا وصلت إلى هنا، فأنت تسير في الطريق الصحيح. لكن لا تبحث عن معنى الحرف م في الماضي… ابحث عنه في الحاضر.
ساد الصمت.
قال كريم
في الحاضر؟
كرر سليم الجملة أكثر من مرة.
وفجأة نظر إلى عبد الرحيم.
مين الأشخاص اللي لسه موجودين من شركاء أبويا؟
رد عبد الرحيم
واحد بس.
اسمه إيه؟
تنهد الرجل وقال
محمود.
في نفس اللحظة…
نظر سليم إلى الورقة التي كانت مربوطة بالحجر.
الختم كان يحمل حرف م.
همس
محمود…
لكن فؤاد هز رأسه بسرعة.
استنى… متستعجلش.
استغرب سليم.
ليه؟
قال فؤاد
لأن في شخص تاني اسمه بيبدأ بحرف م… وكان قريب جدًا من والدك.
سأل كريم
مين؟
تنهد فؤاد طويلًا، ثم قال
محسن…
ساد الصمت.
الاسم وقع على عبد الرحيم كالصاعقة.
اتغير لون وشه فجأة.
وقال بصوت مرتعش
مستحيل…
اقترب منه سليم بسرعة.
إنت تعرفه؟
خفض عبد الرحيم رأسه وقال
مش بس أعرفه…
ثم رفع عينيه إليهم وأكمل
محسن… هو أخويا الأصغر.
وفي اللحظة نفسها، رن جرس باب المكتبة.
نظر الجميع نحو الباب.
ومن خلف الزجاج، ظهر رجل يقف تحت ضوء الشارع، يحمل مظلة سوداء رغم أن السماء كانت صافية، وما إن رفع وجهه حتى شهق عبد الرحيم وهمس
بعد كل السنين دي… رجع ساد صمت ثقيل داخل المكتبة.
تجمد عبد الرحيم في مكانه، ولم يبعد عينيه عن الرجل الواقف خلف الباب.
همس سليم
هو ده… محسن؟
هز عبد الرحيم رأسه ببطء.
أيوه… بس أوعوا تفتحوا الباب قبل ما أتكلم معاه.
اقترب كريم من النافذة الجانبية ونظر للخارج.
كان الرجل يقف بهدوء، لا يطرق الباب ولا يحاول الدخول، فقط ينتظر.
قال كريم
الغريب إنه مش مستعجل.
أخذ عبد الرحيم نفسًا عميقًا، ثم فتح الباب بنفسه.
دخل الرجل بخطوات ثابتة، وخلع قبعته، ثم نظر إلى عبد الرحيم وقال
السلام عليكم يا أخويا.
رد عبد الرحيم بعد تردد
وعليكم السلام.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم التفت الرجل إلى سليم.
ابتسم ابتسامة هادئة وقال
أنت أكيد سليم… آخر مرة شفتك فيها كنت طفل صغير.
لم يرد سليم.
كان يتذكر وصية والده
لا تثق في أحد…
قال محسن وهو يلاحظ التوتر
واضح إنكم فاكرين إني جاي آخد حاجة.
رد كريم بحزم
وإنت جاي ليه؟
أخرج محسن ظرفًا قديمًا من جيب معطفه ووضعه على الطاولة.
وقال
جاي أسلم الأمانة اللي والد سليم طلب مني أسلمها له… لكن بعد ما يتأكد إنه وصل للجزء التاني.
نظر الجميع إلى بعضهم.
قال فؤاد بدهشة
يعني… أنت كنت عارف؟
ابتسم محسن بحزن.
أنا كنت جزء من الخطة… لكن معرفش غير دوري فيها.
أمسك سليم بالظرف، ولاحظ أن عليه نفس خط والده.
وقبل أن يفتحه، قال محسن
اقرأ المكتوب على الضهر الأول.
قلب الظرف.
وجد عبارة قصيرة
إذا وصلك الظرف من يد محسن، فاسمعه قبل أن تحكم عليه.
نظر سليم إلى محسن.
ثم قال
اتفضل… أنا سامع.
جلس محسن على أقرب كرسي، وأخذ ينظر إلى صورة والد سليم المعلقة على الحائط.
وقال بصوت هادئ
أبوك أنقذ حياتي زمان… ولولا هو، مكنتش هكون عايش النهارده. ومن يومها وأنا مدين له بعُمري.
سأل سليم
طيب ليه مستخبي كل السنين دي؟
أجاب محسن
لأن أبوك كان عارف إن في حد بيدور على كل واحد شاركه في الموضوع… وكل واحد ظهر، اتعرض لضغوط عشان يكشف مكان الأوراق.
تدخل كريم
يعني الحكاية كلها بسبب أوراق؟
هز محسن رأسه.
مش مجرد أوراق… دي أدلة تثبت الحقيقة كاملة.
ثم نظر إلى سليم مباشرة وقال
بس للأسف… الجزء الثالث من الحقيقة مش معايا.
قطب سليم حاجبيه.
مع مين؟
سكت محسن لحظة.
ثم قال
مع شخص أنت قابلته بالفعل… وكلمته أكتر من مرة من ساعة ما رجعت.
نظر الجميع إلى سليم في دهشة.
بدأ يسترجع كل الأشخاص الذين قابلهم منذ وصوله…
نادين…
كريم…
فؤاد…
عبد الرحيم…
مندوب الشركة…
حتى الرجل الذي قابله في المطار.
لكن محسن قال جملة جعلت الجميع يصمت
الشخص ده… عمره ما قالك كدبة واحدة… لكنه كمان عمره ما قالك الحقيقة كاملة انعقد حاجبا سليم، وبدأ يسترجع كل كلمة سمعها منذ أن نزل من الطائرة.
كان يحاول أن يتذكر أي تفصيلة بدت عادية وقتها، لكنها قد تكون مفتاح اللغز الآن.
قال ببطء
إنت بتتكلم عن مين؟
نظر محسن إلى الوجوه حوله، ثم قال بهدوء
قبل ما أجاوب… عايز أسألك سؤال.
هز سليم رأسه.
اتفضل.
من أول ما رجعت مصر… مين أول واحد قالك إن نادين هتتجوز؟
تجمد سليم.
تذكر المكالمة التي قلبت حياته رأسًا على عقب.
قال
صاحبي… حسام.
ابتسم محسن ابتسامة خفيفة.
وهل سألت نفسك إزاي عرف الخبر؟
سكت سليم.
في الحقيقة… لم يفكر في ذلك أبدًا.
كل ما فعله أنه حجز أول طائرة وعاد.
أكمل محسن
وهل قالك اسم العريس؟
لا.
وهل قالك إمتى الفرح؟
لا.
كل اللي قاله إن نادين هتتجوز… صح؟
بدأت ملامح سليم تتغير.
قال كريم
يعني المكالمة دي كانت مقصودة؟
رفع محسن كتفيه.
مقدرش أجزم… لكن أكيد حد كان عايز سليم يرجع مصر في التوقيت ده.
قال فؤاد
وده يفسر ليه كل الخيوط بدأت تتحرك أول ما رجع.
في تلك اللحظة، رن هاتف سليم مرة أخرى.
نظر إلى الشاشة.
كان المتصل…
حسام.
نظر الجميع إلى الهاتف.
قال كريم بهدوء
رد.
فتح سليم المكالمة، ووضعها على مكبر الصوت.
جاء صوت حسام متوترًا
سليم… إنت فين دلوقتي؟
رد بحذر
ليه؟
قال حسام بسرعة
مفيش وقت… لازم أقابلك حالًا.
سأله سليم
تعرف إحنا فين؟
سكت حسام لثوانٍ.
ثم قال
آه… في المكتبة.
نظر الجميع إلى بعضهم في ذهول.
لم يخبره أحد بمكانهم.
قال سليم بحدة
إنت عرفت منين؟
جاء الرد هادئًا، لكنه زاد الغموض
لأن… أنا اللي طلبت من عبد الرحيم يفتحلك المكتبة.
اتسعت عينا عبد الرحيم.
هو يعرفني؟
لكن حسام لم يجب.
بل قال لسليم
في حاجة مهمة جدًا لازم تعرفها… لكن مينفعش أقولها في التليفون.
ثم انقطع الخط.
ظل سليم ممسكًا بالهاتف، بينما كان ذهنه يمتلئ بالأسئلة.
قال محسن بصوت منخفض
واضح إن اللعبة أكبر مما كنا متخيلين…
وفي تلك اللحظة، نظر عمر إلى صورة قديمة معلقة على الحائط منذ دخولهم، وأشار إليها ببراءة وقال
بابا… هو الراجل اللي واقف جنب جدو في الصورة دي… مش هو عمو حسام؟
التفت الجميع إلى الصورة في لحظة واحدة…
وتغيرت ملامح سليم تمامًا سليم خطف الصورة من على الحائط، وقربها من عينيه.
فضل يبص فيها ثواني طويلة.
الصورة كانت قديمة، والألوان باهتة، لكن ملامح الشاب الواقف في آخر الصف كانت واضحة.
همس
لا… مستحيل.
أخذها كريم منه، ودقق النظر.
ثم قال بهدوء
في شبه… لكن الصورة عمرها أكتر من عشرين سنة. مستحيل يكون حسام بنفس السن.
اقترب عبد الرحيم هو الآخر.
ابتسم لأول مرة منذ فترة وقال
عمر عنده حق في حاجة… لكن مش كلها.
نظروا إليه جميعًا.
قال
الراجل اللي في الصورة مش حسام…
توقف لحظة، ثم أكمل
ده والد حسام.
ساد الصمت.
تنفس سليم ببطء.
كأن حملًا انزاح عن صدره.
لكن عبد الرحيم أكمل جملته
وكان من أقرب الناس لوالدك.
قطب سليم حاجبيه.
أنا عمري ما سمعت أبويا جاب سيرته.
أجاب محسن
لأن والدك تعمد يبعد كل العائلات عن الموضوع بعد اللي حصل.
في هذه اللحظة، أخرج محسن الظرف الذي أحضره معه.
وقال
افتحه.
فتح سليم الظرف بحذر.
وجد بداخله مفتاحًا صغيرًا، وبطاقة مكتوب عليها بخط والده
إذا وصلت إليك هذه البطاقة، فاعلم أن حسام لا يحمل السر… لكنه يحمل آخر طريق إليه. لا تتهمه قبل أن تسمعه.
قرأها مرتين.
ثم رفع رأسه وقال
يبقى لازم أقابله.
هز كريم رأسه موافقًا.
لكن مش هنا.
رن هاتف سليم مرة أخرى.
هذه المرة كانت رسالة نصية.
فتحها.
كان مكتوبًا فيها
لو عايز تعرف الحقيقة… تعالى لوحدك الساعة تسعة مساءً إلى البيت القديم عند البحيرة. ومتقولش لحد.
نظر سليم إلى الساعة.
كانت الثامنة إلا عشر دقائق.
يعني لم يتبقَّ سوى ساعة.
رفع عينيه إلى كريم.
ثم إلى نادين.
قال بهدوء
أكيد مش هروح لوحدي.
ابتسم كريم ابتسامة خفيفة.
ولا إحنا هنسيبك تروح لوحدك.
لكن محسن هز رأسه معترضًا.
لو الرسالة طالبة يروح لوحده، يبقى اللي باعتها هيعرف لو حد راح معاه.
ساد الصمت من جديد.
وفجأة، قال عمر ببراءة وهو يقلب الصورة القديمة
بابا… في ورقة مستخبية ورا الصورة.
التفت الجميع بسرعة.
أخرج سليم الورقة بحذر.
كانت خريطة صغيرة مرسومة بالقلم، وفي أسفلها جملة قصيرة بخط والده
إذا دعاك أحد إلى البيت القديم… فلا تدخل من الباب أبدًا.
تبادل الجميع النظرات.
أصبح واضحًا أن والد سليم كان يتوقع هذه اللحظة… وكأنه كان يعلم أن شخصًا ما سيحاول استدراجه إلى ذلك المكان يومًا ما أعاد سليم طي الخريطة ببطء، بينما كانت دقات قلبه تتسارع.
نظر إلى الرسالة على هاتفه… ثم إلى الخريطة.
قال كريم وهو يتأمل الرسم
واضح إن دي خريطة البيت.
أومأ سليم.
وأهو هنا… وأشار إلى علامة صغيرة خلف المبنى، في ممر جانبي.
قال عبد الرحيم
أبوك كان بيحب يحط مخارج بديلة لأي مكان يشتغل فيه.
تقدمت نادين خطوة وقالت بحزم
أنا وعمر مش هنروح.
نظر إليها سليم باستغراب.
أكملت
مش خوفًا… لكن علشان لو اللي بيحصل ده فيه مخاطرة، يبقى لازم حد يفضل بعيد عن أي مواجهة، ولو احتجتوا مساعدة أو تتواصلوا مع حد، نبقى موجودين.
وافقها كريم.
ده أنسب حل.
تنهد سليم، ثم قال
تمام… لكن أول ما أوصل هبعتلكم رسالة.
قبل التاسعة بعشر دقائق…
وصل سليم وكريم إلى طريق ترابي يطل على بيت قديم مهجور بجوار بحيرة صغيرة.
أوقف كريم السيارة بعيدًا.
قال
من هنا هتكمل لوحدك.
هز سليم رأسه، ونزل من السيارة.
أخرج الخريطة من جيبه.
بدل ما يتجه إلى الباب الرئيسي، دار حول سور البيت حتى

وجد الممر الضيق المرسوم في الخريطة.
كان هناك باب خشبي صغير يكاد يختفي وسط النباتات.
دفعه برفق.
فتح بصوت خافت.
دخل إلى فناء خلفي مهمل.
كل شيء كان ساكنًا.
وفجأة…
جاءه صوت من داخل البيت.
عرفت إنك هتيجي من هنا.
التفت بسرعة.
كان حسام.
واقفًا في منتصف الغرفة، دون أي مظهر للعداء.
قال سليم بحدة
إنت اللي بعت الرسالة؟
هز حسام رأسه.
أيوه.
وليه كل الغموض ده؟
تنهد حسام.
لأن في حد بيراقب أي مكالمة وأي حركة.
أخرج من جيبه مفتاحًا معدنيًا صغيرًا، ووضعه على الطاولة.
ثم قال
أنا كنت مستني اليوم ده من سنين.
قطب سليم حاجبيه.
إيه علاقتك بكل اللي بيحصل؟
أجاب حسام بهدوء
أبويا قبل وفاته سلمني أمانة، وقال لما سليم يرجع مصر بإرادته، سلمه المفتاح ده. .. وبلاش تديله قبل كده مهما حصل.
أخذ سليم المفتاح، وقلبه بين أصابعه.
كان يشبه المفتاح الذي وجده في المكتبة، لكن أصغر قليلًا.
قال
بيفتح إيه؟
ابتسم حسام.
ده… السؤال اللي مقدرش أجاوب عليه.
وقبل أن يكمل كلامه…
صدر صوت محرك سيارة توقفت أمام البيت.
تبادل الاثنان النظرات.
ثم جاء صوت طرق قوي على الباب الرئيسي، أعقبه صوت رجل يقول بثبات
يا حسام… عارف إنك جوه. افتح الباب، لأن وقت الاختباء خلص.
نظر حسام إلى سليم، وقال بصوت منخفض
افتكر كلام والدك… مهما سمعت بره، متطلعش من الباب الرئيسي ساد صمت ثقيل داخل البيت القديم، لا يُقطعه سوى صوت خطوات تقترب من الخارج.
سليم كان واقف بين حسام والباب، وفي إيده المفتاحين المختلفين، وعقله لأول مرة مش قادر يقرر يصدق مين؟
حسام قال بسرعة
لو فتحت الباب ده دلوقتي، مش هنعرف نكمل اللي بدأناه.
الطرق على الباب زاد.
وصوت الرجل بره بقى أقرب
أنا عارف إنك مش لوحدك يا حسام… ومعاك سليم كمان.
تجمد سليم.
بص لحسام
هو عارف اسمي؟
حسام شد على أسنانه وقال
قلتلك… إحنا مراقَبين.
في اللحظة دي، سليم خد قرار سريع.
مش هيفتح الباب الرئيسي.
اتجه مباشرة للجانب اللي في الخريطة، ناحية الممر الخلفي اللي وراه درج خشبي صغير نازل لتحت.
حسام اتبعه بسرعة، وهمس
أبوك كان سايب ده علشان لو اتخدعت.
نزلوا سوا بسرعة.
كل درجة كانت بتصرخ من القدمين.
لحد ما وصلوا لغرفة ضيقة تحت الأرض.
وفي النص كان فيه صندوق حديد كبير وعليه نفس العلامة
م
المرة دي المفتاحين كانوا بيكملوا بعض.
سليم بص لحسام
نفتحه؟
حسام هز رأسه
لو رجعنا دلوقتي مفيش طريق تاني.
في الأعلى
صوت الباب اتكسر بعنف.
الدخول حصل.
خطوات تقيلة بدأت تنزل السلم وراهم.
سليم حط المفتاحين مع بعض داخل القفل.
لحظة صمت
ثم كليك.
الصندوق اتفتح.
لكن اللي جواه ماكنش فلوس ولا أوراق عادية.
كان فيه
ملف واحد كبير جدًا.
وفلاشة قديمة.
ورسالة أخيرة بخط والد سليم
لو وصلت لحد هنا، يبقى اللي كنت بخاف منه حصل حد من اللي وثقت فيهم وصل قبل الحقيقة.
سليم رفع عينه فجأة.
وبص لحسام.
قبل ما ينطق
حسام قال بهدوء
اقرأ اسم الملف الأول.
سليم فتح الملف.
العنوان كان صادم
تسجيلات يوم الحادث نسخة كاملة
وفي اللحظة دي، صوت خطوات فوقهم وقف.
وبهدوء غريب
الصوت من أعلى السلم قال
افتحتوا الصندوق؟ ممتاز كده الحقيقة بقت معايا ومعاكم.
سليم اتجمد.
لأن الصوت كان صوت كريم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *