أهانت الخدامة قدام الكل… لكن جملة واحدة قلبت إمبراطورية الديب رأسًا على عقب حكايات شروق خالد الخامس
رأفت حس كأن الزمن وقف.
حدق في الرجل وهو مش مستوعب اللي سمعه.
ـ ابن… أخوك؟!
الرجل ابتسم بهدوء، ومشى خطوتين لقدام.
كان في أوائل الستينات، شعره مخلوط بالأبيض، لكن حضوره كان يخلي أي حد في المكان ينسى فؤاد نفسه.
قال بصوت واطي:
ـ أيوه… أنا منير الديب.
داليا بصت لرأفت.
ـ إنت عندك عم؟
رأفت هز راسه ببطء.
ـ لأ…
ثم بص للرجل.
ـ أبويا كان بيقول إنه كان وحيد.
منير ضحك بسخرية.
ـ كان لازم يقول كده… لأنه دفني وأنا لسه عايش.
عم سيد أول ما شافه، وشه شحب.
ـ مستحيل…
ـ عم سيد… لسه عايش؟
ـ إنت… إنت مت!
منير رد وهو بيخلع جوانتي أسود من إيده.
ـ اللي مات… هو الحقيقة.
رأفت قرب منه خطوة.
ـ لو فعلًا عمي… فين كنت كل السنين دي؟
منير تنهد.
ـ في السجن.
ـ سجن؟
ـ عشرين سنة… بسبب جريمة أنا ما عملتهاش.
داليا سألت باستغراب:
ـ مين لفّقها لك؟
منير رفع عينه ناحية فؤاد.
ـ هو.
فؤاد ابتسم بثقة.
ـ أثبت.
منير رد:
ـ هثبت… بس الأول خليني أقول الحقيقة كاملة.
رأفت قال بحدة:
ـ الحقيقة دلوقتي.
منير هز راسه.
ـ زمان… أنا وكامل وحسن كنا إخوات قبل ما نكون شركا.
حلمنا نبني شركة كبيرة.
لكن فؤاد دخل بينا، ولما فشل يسيطر علينا، بدأ يوقع بينا.
لفّقلي قضية قتل.
دخلت السجن.
وكامل افتكر إني خنته.
ومن يومها… قطع أي سيرة ليا.
رأفت سأله:
ـ ليه ما رجعتش بعد ما خرجت؟
منير سكت لحظة.
ثم قال:
ـ لأن اللي خرج من السجن… ما كانش حر.
داليا استغربت.
ـ يعني إيه؟
منير بص حواليه.
ـ لأن “العقرب” اشتراني.
الاسم نزل على المكان زي الصاعقة.
فؤاد ابتسم ابتسامة واسعة.
ـ أخيرًا قلتها.
رأفت بص لمنير.
ـ يعني إنت بتشتغل مع العقرب؟
منير قفل عينيه.
ـ كنت.
ـ وكنت السبب في موت أبويا؟
منير فتح عينيه بسرعة.
ـ لا!
ـ أومال مين؟
منير قال بصوت منخفض:
ـ العقرب الحقيقي.
رأفت زعق:
ـ ومن هو؟
منير رفع صباعه ببطء…
وأشار ناحية شخص واقف في آخر المخزن.
كان لابس بدلة الحراس.
واقف من أول الهجوم.
ولا حد خد باله منه.
الرجل خلع الكاب من على راسه…
وابتسم.
عم سيد صرخ:
ـ سامي؟!
كان سامي… رئيس حرس رأفت.
الراجل اللي شغال معاه من خمس عشرة سنة.
واللي رأفت كان بيثق فيه أكتر من أي حد.
سامي بدأ يصفق وهو بيضحك.
ـ ممتاز يا منير… أخيرًا قلت الحقيقة.
رأفت بصله بعدم تصديق.
ـ إنت؟
سامي ابتسم.
ـ أيوه…
أنا العقرب.
ساد صمت ثقيل.
ثم قال سامي وهو بيبص لرأفت مباشرة:
ـ وكل اللي حصل الليلة دي…
كان مجرد أول خطوة في اللعبة.
ورفع مسدسه…
ووجهه مباشرة ناحية داليا.
حكايات شروق خالد
سامي ثبت المسدس على رأس داليا.
ابتسامته كانت هادئة… وده كان أكثر شيء مرعب فيه.
رأفت مد إيده قدام داليا بشكل تلقائي.
وقال بصوت منخفض:
ـ لو عايز تضرب… اضربني أنا.
سامي ضحك.
ـ لسه زي أبوك… مستعد يموت علشان يحمي اللي بيحبهم.
داليا همست وهي واقفة ورا رأفت:
ـ ابعد… هيقتلك.
رأفت من غير ما يبصلها قال:
ـ طول ما أنا واقف… محدش هيلمسك.
فؤاد قرب من سامي وقال:
ـ خلصنا بقى.
لكن سامي رفع إيده يمنعه.
ـ اسكت.
الصمت نزل على المخزن.
سامي بص لرأفت وقال:
ـ تعرف إيه أكبر غلطة عملها أبوك؟
رأفت رد بحدة:
ـ إنه وثق في ناس زيك.
سامي هز راسه.
ـ لا…
أكبر غلطة إنه كان فاكر إن الفلوس هي القوة.
القوة الحقيقية…
إنك تخلي الناس تنفذ أوامرك وهي فاكرة إنها بتختار بإرادتها.
عم سيد صاح بغضب:
ـ كفاية فلسفة… قول عايز إيه.
سامي ابتسم.
ـ عايز حاجة بسيطة جدًا.
لف ناحية داليا.
ـ الملف الأحمر.
داليا ضمت الملف لصدرها.
ـ مستحيل.
ـ يبقى هتموتي.
رأفت بص لداليا.
ـ متسلمهوش.
سامي ضغط بإصبعه على الزناد.
ـ آخر فرصة.
داليا كانت بتتنفس بسرعة.
لو سلمت الملف…
الحقيقة هتضيع.
ولو رفضت…
رأفت ممكن يموت قدامها.
في اللحظة دي…
افتكرت آخر كلمة قالها أبوها:
“الحقيقة أغلى من العمر.”
رفعت رأسها.
وبصت لسامي بثبات.
ـ اقتلني.
لكن الملف مش هيطلع من إيدي.
سامي سكت.
وبعدين…
ابتسم.
ـ كنت مستني الجواب ده.
فجأة وجه المسدس ناحية فؤاد.
قبل ما أي حد يفهم…
طاخ!
الرصاصة اخترقت صدر فؤاد.
فؤاد رجع لورا وهو فاتح عينيه بذهول.
بص لسامي وهو بيشرق دم.
ـ ليه…؟
سامي رد ببرود:
ـ لأنك بقيت عبء.
وقع فؤاد على الأرض…
ومات قبل ما ينطق كلمة تانية.
الكل اتجمد.
حتى الحراس.
سامي لف ناحية رأفت.
ـ شفت؟
أنا حتى رجالي… لو انتهى دورهم، بشيلهم من الطريق.
رأفت قبض على المسدس بقوة.
ـ إنت مريض.
ـ لا…
أنا راجل بخلص شغلي.
وفي لحظة خاطفة…
رأفت استغل انشغال سامي.
ارتمى على داليا، وزقها بعيد.
وفي نفس اللحظة دوى إطلاق نار من كل الاتجاهات.
المخزن اتحول لفوضى.
الرصاص بيطير.
الحديد بيتكسر.
والكل بيجري يحتمي.
وسط الدخان…
سامي اختفى.
كأنه اتبخر.
بعد دقائق…
الهدوء رجع.
رأفت قام وهو بيدور بعينيه.
ـ داليا!
ماحدش رد.
قلبه وقع.
فضل يجري بين الصناديق.
ـ داليا!… داليا!
عم سيد جري ناحيته.
ـ مش لاقيينها يا باشا.
رأفت وقف مكانه.
وشه بقى شاحب.
على الأرض…
كان فيه الملف الأحمر.
لكن داليا…
اختفت.
وبجانب الملف…
ورقة مطوية.
فتحها بسرعة.
كان مكتوب فيها بخط سامي:
“لو عايز تشوفها تاني… تعال وحدك. ولو جبت الشرطة… هترجعلك جثة.”
حكايات شروق خالد
رأفت فضل ماسك الورقة، وعينيه ثابتة عليها.
كل اللي حواليه كان بيتكلم…
لكن هو ما كانش سامع أي صوت.
عم سيد قرب منه بحذر.
ـ يا باشا…
رأفت قطع الورقة حتت صغيرة، وقال بهدوء مخيف:
ـ جهزوا العربيات.
عم سيد اتوتر.
ـ هنبلغ الشرطة؟
ـ لا.
ـ بس…
رأفت لف له، وكانت عينيه كلها نار.
ـ اللي خطف داليا عايزني أبلغ الشرطة… علشان يقتلها.
سكت لحظة.
وبعدين قال:
ـ المرة دي… هروح له أنا.
—
في نفس الوقت…
داليا فتحت عينيها ببطء.
كان دماغها بيوجعها.
حاولت تتحرك…
اكتشفت إن إيديها متربطة في كرسي حديد.
المكان ضلمة، والريحة رطوبة، وصوت الموج باين إنه قريب.
همست لنفسها:
ـ أنا فين؟
جايلها صوت تصفيق هادي.
خرج سامي من الضلمة.
كان شايل فنجان قهوة، وابتسامة باردة على وشه.
ـ صباح الخير يا داليا.
بصت له بغضب.
ـ لو راجل… فك قيودي.
ضحك.
ـ عجباني شجاعتك.
ـ الشجاعة إنك تواجه… مش تخطف بنت.
سامي قعد قدامها.
ـ تعرفي ليه اخترتك؟
ـ علشان مريض.
ـ لا…
علشان إنتِ أهم مفتاح في اللعبة كلها.
داليا عقدت حواجبها.
ـ أنا خدامة فقيرة… مفتاح إيه؟
سامي ابتسم.
ـ لحد دلوقتي… فاكرة نفسك خدامة.
مد إيده ناحية ترابيزة صغيرة، وشغّل جهاز عرض قديم.
ظهرت صورة لست شابة، حضناها طفل رضيع.
داليا شهقت.
ـ دي… أمي.
ـ أيوه.
ـ والطفل؟
سامي بصلها مباشرة.
ـ إنتِ.
داليا هزت راسها.
ـ طبيعي.
سامي ابتسم.
ـ لا…
الراجل اللي شايلك في الصورة…
مش حسن منصور.
داليا حسّت قلبها وقف.
ـ إنت بتكدب.
ـ بصي كويس.
كبر الصورة.
وش الراجل ظهر بوضوح.
داليا عمرها ما شافته قبل كده.
ـ مين ده؟
سامي قال بهدوء:
ـ والدك الحقيقي.
داليا صرخت:
ـ مستحيل!
ـ حسن رباكي…
لكن عمره ما كان أبوكي.
الصدمة خلت داليا تسكت.
كانت بتحاول تستوعب.
سامي قرب منها.
ـ وأمك خبت السر ده طول عمرها.
ـ ليه؟
ـ لأنها كانت خايفة.
ـ من مين؟
سامي ابتسم.
ـ مني.
—
في نفس اللحظة…
عربية رأفت كانت بتجري بأقصى سرعة على طريق ساحلي مهجور.
جنبه عم سيد.
وفجأة…
تليفون رأفت رن.
رقم مجهول.
رد فورًا.
ـ فين داليا؟
جاله صوت سامي.
ـ مستعجل ليه؟
ـ لو لمستها…
ـ هدي أعصابك.
رأفت صرخ:
ـ قول عايز إيه.
سامي ضحك.
ـ عايزك تيجي لوحدك.
ـ المكان؟
ـ المصنع القديم بتاع السفن.
ـ ولو جيت؟
ـ هتعرف الحقيقة.
ـ ولو مجتش؟
ـ هتبقى آخر مرة تسمع صوتها.
وقفل الخط.
رأفت لف العربية فجأة.
عم سيد قال بقلق:
ـ يا باشا… ده فخ.
رأفت رد من غير تردد:
ـ عارف.
ـ وبرضه رايح؟
ـ حتى لو هرجع ميت…
هرجع بيها.
لكن في نفس اللحظة…
في مكان بعيد، فوق سطح المصنع القديم…
كان سامي واقف، ومعاه قناص ماسك منظار البندقية.
القناص سأل:
ـ أول ما عربية رأفت تدخل… أضرب؟
سامي ابتسم وهو بيراقب الطريق.
ثم قال بهدوء:
ـ لا…
استنى لما ينزل… أنا عايزه يشوف داليا بتموت قدام عينيه الأول.
حكايات شروق خالد
