حلم بقلم منال عباس الاول

حلم بقلم منال عباس حصرى لموقع جولد

الاول

كان اسمها أمينة وكانت ست بسيطة على قد حالها عاشت عمرها كله مع جوزها رضا في أوضة صغيرة آخر الحارة وكانوا راضيين بالرزق اللي ربنا كاتبه لحد ما في يوم رضا تعب فجأة ومات وساب لها ابنهم الوحيد كريم وهو لسه طفل صغير وسابهم من غير فلوس ولا أرض ولا حتى دهب تبيعه وقت الضيق

بعد ما العزا خلص ومسح الناس دموعها رجعت أمينة بصت للسقف وقالت لنفسها محدش هيشيل هم ابني غيري وربنا عمره ما بيضيع تعب حد ومن تاني يوم نزلت تدور على أي شغل تلاقيه يوم تعجن عيش للبيوت ويوم تغسل سجاجيد ويوم تنظف شقق ويوم تساعد الستات في تجهيز الأكل للأفراح وكل جنيه كانت بتشيله كأنه كنز

كانت ترجع آخر النهار هدومها كلها تراب وإيديها متشققة من الميه والصابون لكن أول ما تشوف كريم يضحك كانت تنسى التعب كله وتحضنه وتقول له أهم حاجة تفضل راجل وتتعلم عشان محدش يكسرك

كبر كريم قدام عينيها وكانت بتحرمه من لقمة حلوة عشان تجيب له كتب المدرسة ولو احتاج هدوم جديدة كانت تلبس هي القديم وتشتري له هو الجديد وكانت دايما تقول الناس تتعب سنة ولا تمد إيدها لحد يوم

السنين عدت وكريم بقى شاب محترم معروف بأخلاقه وكل اللي في الحارة يشهدوا له بالجدعنة وكان كل ما يشوف أمه راجعة من الشغل يشيل عنها الأكياس ويقول لها خلاص يا أمي قربت أشتغل وأريحك فتبتسم وترد عليه لما أشوفك سعيد هبقى ارتحت

وفي ليلة من الليالي نام كريم وهو مرهق من الشغل اللي كان بيعمله بعد الدراسة وشاف حلم غريب شاف نفسه لابس بدلة شيك والناس كلها بتزغرد حواليه وماسك إيد بنت جميلة لابسة فستان أبيض والكل بيناديها باسم ياسمين بنت المستشار الكبير اللي بيملك أكبر بيت في المدينة

صحى من النوم وقلبه بيدق بسرعة وحس إن الحلم حقيقي بشكل يخوف خرج من أوضته لقى أمه قاعدة قدام البوتاجاز بتعمل فطير وريحة السمنة مالية البيت قعد جنبها وسكت شوية وهي مستغربة شكله

قالت له مالك يا كريم شكلك صاحي من حلم

ابتسم وقال يمكن يا أمي بس عايز أطلب منك طلب

قالت اطلب يا حبيبي طول ما هو في مقدرتي مش هتأخر عليك

بصلها بعين كلها إصرار وقال عايزك تروحي تخطبلي ياسمين بنت المستشار

وقعت المعلقة من إيد أمينة وبصت له كأنها مش مصدقة اللي سمعته وقالت إنت بتقول إيه يا ابني

قال بهدوء بقولك عايز أتجوز ياسمين

قالت يا كريم فوق لنفسك إحنا ناس على قد حالنا وهم ناس أغنيا وناس ليهم اسم ومقام وإنت لا معاك فلوس ولا جاه ولا تعرف حد منهم

لكن كريم هز راسه وقال أنا مش هتجوز غيرها

قالت بعصبية إنت حتى عمرك ما كلمتها ولا شافتك

رد وهو واثق قلبي بيقول إنها من نصيبي

فضلت تحاول تقنعه لكنه كان كل مرة يكرر نفس الجملة مش هتجوز غير ياسمين وفي الآخر لقت نفسها قدام إصراره وافقت وهي جواها ألف خوف

في صباح اليوم التاني لبست أمينة أحسن عباية عندها وكانت قديمة لكن نضيفة وربطت طرحتها وخرجت تسأل الناس على بيت المستشار لحد ما وصلت قدام فيلا كبيرة بوابة حديد وجنينه واسعة وحارس واقف على الباب

قربت منه وقالت بهدوء يا ابني لو سمحت أنا عايزة أقابل مدام البيت

الحارس بصلها باستغراب لكنه دخل يبلغ وبعد شوية خرج وقال لها اتفضلي

دخلت وهي حاسة إن رجليها مش شايلينها ولما وصلت الصالون لقت مرات المستشار قاعدة بكل هدوء رحبت بيها وقعدتها وسألتها تحبي تشربي إيه

سكتت أمينة لحظات وهي بتجمع شجاعتها وبعدها قالت أنا جاية أطلب إيد الآنسة ياسمين لابني كريم

اتغيرت ملامح الست للحظة لكنها رجعت ابتسمت وقالت بهدوء ومن يكون كريم

قالت ابني شاب محترم ومتربي والحمد لله

ابتسمت مرات المستشار ابتسامة خفيفة وقالت ربنا يكرمه يا رب لكن القرار في إيد المستشار نفسه وهو اللي يقدر يرد على الطلب ده

خرجت أمينة من البيت وهي مش عارفة تعتبر الكلام ده أمل ولا مجرد طريقة شيك عشان يرفضوها ولما رجعت البيت كان كريم واقف على الباب مستنيها بعين كلها لهفة وقال بسرعة قوليلي حصل إيه

بصت له أمينة وقالت المستشار هو اللي هيرد بنفسه وقالوا لك تروح تقابله بنفسك بكرة بعد ما يخلص شغله

ابتسم كريم لأول مرة من ساعة ما حلم وقال خلاص يا أمي بكرة هروح له بنفسي حتى لو كان الرد هيغير حياتي كلها بقلم منال عباس
تاني يوم صحي كريم من بدري ولبس أنضف هدوم عنده وكانت بسيطة لكن مكوية ونضيفة وبص في المراية وقال لنفسه الفقير مش عيب والرزق بإيد ربنا ثم نزل من البيت وأمه ماشية وراه لحد آخر الشارع وهي قلبها بيرتعش من الخوف

قالت له يا ابني لو الراجل رفضك متزعلش ولا تكسر نفسك عشان حد

ابتسم وقال لها أنا رايح آخد بالأسباب والباقي على ربنا

وصل كريم قدام مبنى المحكمة وكان مليان ناس كل واحد مستني دوره فضل واقف في هدوء لحد ما خلص المستشار شغله وبدأ الناس تمشي واحدة ورا التانية

قرب من السكرتير وقال له لو سمحت أنا عايز أقابل سيادة المستشار في موضوع شخصي

بص له السكرتير من فوق لتحت وقال عندك ميعاد

رد كريم لأ

قال يبقى صعب

وفي اللحظة دي خرج المستشار من مكتبه وسمع آخر الكلام فبص ناحية كريم وقال سيبه يدخل

دخل كريم وهو محافظ على هدوءه وسلم باحترام

رد المستشار السلام وقعد مكانه وقال اتفضل يا ابني قول اللي عندك

أخذ كريم نفس عميق وقال أنا اسمي كريم ابن الست أمينة اللي كانت عند حضرتك في البيت امبارح

افتكر المستشار الكلام وقال أيوه افتكرت خير

قال كريم أنا جيت أطلب إيد الآنسة ياسمين على سنة الله ورسوله

فضل المستشار ساكت ثواني وهو بيبص في وشه وكأنه بيقرأ كل حاجة جواه ثم قال إنت تعرف بنتي

قال لأ يا فندم

قال اتعاملت معاها قبل كده

قال لأ

قال أمال ليه عايز تتجوزها

سكت كريم لحظة وقال لأني مؤمن إنها من نصيبي

ابتسم المستشار ابتسامة خفيفة وقال والنصيب عرفته إزاي

حكى له كريم الحلم كله من أوله لآخره من غير ما يخبي كلمة

استمع له المستشار للنهاية ثم قال يعني إنت بنيت قرار جوازك على حلم

قال كريم الحلم كان البداية لكني جيت أخبط الباب بالحلال ولو حضرتك رفضت هاحترم قرارك

أعجب المستشار بطريقة كلامه وقال له واضح إن أمك ربتك كويس لكن الجواز مش أحلام الجواز مسؤولية كبيرة وإنت لسه شاب بسيط ودخلك محدود

رد كريم بثقة الرزق على الله وأنا مستعد أتعب العمر كله عشان أعيشها متهنية

فضل المستشار يبص له شوية ثم قال طيب قول لي بتشتغل إيه

بدأ كريم يحكي له عن كل الشغل اللي اشتغله من وهو صغير وعن تعبه مع أمه وعن إنه عمره ما مد إيده لحد وإن نفسه يفتح مشروع يكبره بالحلال

كل كلمة كانت بتطلع من قلبه فالمستشار حس بصدقها لكنه كان حريص على بنته أكتر من أي حاجة

قام من مكانه ومشى عند الشباك شوية ثم رجع وقال اسمع يا كريم أنا لا أقدر أوافق دلوقتي ولا أقدر أرفض لأن الحكم على الإنسان مش بيكون من أول مقابلة

فرح قلب كريم بكلمة لا أقدر أرفض لكنه فضل ساكت

قال المستشار أنا عندي شرط واحد لو قدرت تنفذه أبقى أفكر جديا في طلبك

سأل كريم بسرعة إيه هو الشرط يا فندم

فتح المستشار درج مكتبه وطلع مفتاح قديم لونه أسود وحطه قدامه على المكتب وقال المفتاح ده بقاله أكتر من عشرين سنة معايا ومحدش يعرف سره ولو عرفت سر المفتاح ده ورجعتلي بعد شهر بالإجابة اللي بدور عليها ساعتها هقعد معاك أنا وبنتي ونكمل الكلام أما لو معرفتش يبقى تنسى الموضوع كله وتعتبر إن اللي حصل النهارده عمره ما كان

مد كريم إيده للمفتاح وهو مستغرب وقال حضرتك تقصد إيه بسر المفتاح

ابتسم المستشار وقال لما تبدأ تدور هتعرف إن بعض الأبواب مبتتفتحش بالمفاتيح لكن بالعقول والقلوب الصادقة ثم سابه وخرج من المكتب وهو شايل المفتاح في إيده وحاسس إن حياته كلها داخلة على امتحان عمره ما كان يتخيله بقلم منال عباس
خرج كريم من المحكمة وهو ماسك المفتاح القديم بإيده وفضل يبص له طول الطريق كان شكله عادي جدا حديدة سودة عليها شوية صدأ لكن كل ما يقلبه بين صوابعه يحس إن وراه حكاية كبيرة مش مجرد مفتاح عادي

لما وصل البيت كانت أمه واقفة على الباب أول ما شافته جريت عليه وقالت خير يا ابني عمل إيه المستشار

ابتسم كريم ومد لها المفتاح وقال لها ده اللي رجعت بيه

بصت له باستغراب وقالت يعني إيه

حكى لها كل اللي حصل من أول ما دخل المكتب لحد ما المستشار سلمه المفتاح واشترط عليه يعرف سره خلال شهر

هزت أمينة راسها وقالت الراجل شكله بيصرفك بطريقة محترمة

لكن كريم رد بثقة لأ يا أمي لو كان عايز يرفضني كان رفضني من أول دقيقة إنما هو إداني فرصة وأنا هتمسك بيها

في اليوم التاني نزل كريم وسأل كل الصنايعية اللي بيصلحوا أقفال في البلد عن شكل المفتاح لكن كل واحد كان يبص له ويقول أول مرة أشوف مفتاح بالشكل ده

فضل يلف من شارع لشارع ومن محل لمحل وكلهم نفس الإجابة لحد ما الشمس غربت ورجع تعبان لكنه ما فقدش الأمل

بعد يومين وهو ماشي في السوق لمح راجل عجوز قاعد قدام محل صغير مليان مفاتيح قديمة وساعات أثرية دخل عنده ومد له المفتاح

أخده العجوز بإيده وبص له بعناية وفجأة اتغيرت ملامحه وقال بصوت واطي منين جبت المفتاح ده

رد كريم بحذر واحد ادهولي

قاله مين

قال مقدرش أقول

فضل العجوز ساكت شوية وبعدين قال المفتاح ده شوفته من سنين طويلة جدا وافتكرت صاحبه كويس

اتشد كريم وقال تعرف سره

رد العجوز وهو بيهز راسه لأ لكن أعرف إنه مش بيفتح باب بيت ولا خزنة ده بيفتح مكان محدش يقدر يوصله غير اللي يستحق

اتسعت عيون كريم وقال فين المكان ده

ابتسم العجوز وقال لو كنت أعرف مكانه كنت وصلت له من زمان

ثم قرب منه وقال بصوت منخفض فيه علامة صغيرة محفورة على ضهر المفتاح شفتها

بص كريم كويس ولاحظ لأول مرة نقش صغير جدا شبه الهلال وتحته نقطة

قال فعلا موجودة

قال العجوز العلامة دي كانت تخص راجل غني جدا عاش من سنين طويلة وكان مشهور بالحكمة مش بالفلوس وكل أملاكه اختفت بعد موته ومحدش عرف راحت فين

خرج كريم من عنده وهو بيفكر في كل كلمة سمعها وفي نفس الوقت كان فيه شخص واقف بعيد بيراقبه من غير ما يحس

كان شاب لابس نضارة سودا وكل ما كريم يمشي يمشي وراه لحد ما دخل حارة بيته

وقف الشاب واتصل بحد وقال بصوت هادي الولد لسه معاه المفتاح ومش ناوي يسيبه

جاله الرد بسرعة خليك وراه خطوة بخطوة ولو عرف السر قبلنا كل اللي تعبنا فيه هيروح

وفي الليلة دي نام كريم وهو حاطط المفتاح تحت المخدة ولأول مرة شاف حلم مختلف شاف نفسه واقف قدام باب حجري ضخم في نص جبل والباب عليه نفس علامة الهلال اللي على المفتاح وكان فيه صوت بيناديه ويقول السر مش في المفتاح السر في الأمانة ثم انفتح الباب سنة صغيرة وخرج منه نور قوي خلاه يصحى مفزوع

قام بسرعة طلع المفتاح من تحت المخدة وفضل يقلبه في إيده وفجأة لاحظ حاجة عمره ما انتبه لها قبل كده كانت فيه حروف صغيرة جدا محفورة على طرفه لا تكاد تتشاف بالعين المجردة ولما قربه من نور الشباك قدر يقرأ أول كلمة وكانت مكتوب فيها ابحث عند أول عهد بين الماء والحجر فوقف مكانه وهو يردد الجملة مرة بعد مرة وحاسس إن أول خيط حقيقي في اللغز أخيرا بدأ يظهر له دون أن يعرف أن هناك من ينتظر أي خطوة يخطوها ليخطف منه كل شيء في اللحظة المناسبة بقلم منال عباس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *