امى ماتت
—أمي ماتت إمبارح بالليل، وأنتِ مش هتحضري الجنازة. ماتت وهي بتكرهك، فإياكِ تفكري حتى تظهري هناك.
سارة وقفت مكانها في نص الصالة، فنجان الشاي بين إيديها بيبكرد، وقلبها بيدق بسرعة كأن حد بيخبط على صدرها من جوة.
طارق، جوزها، ما بصلهاش حتى. كان واقف قدام المراية بيلبس كرافتة سودة بكل برود، برود خلاها تحس بالوحدة أكتر من أي صقيع.
— أنت بتقول إيه؟ —سألته بصوت يا دوب مسموع.
— اللي سمعتيه. أمي وصت إنك متجيش. آخر كلمة قالتها إنها مش عايزاكي تقربي من خشبتها.
سارة حست إن الأرض بتتسحب من تحت رجليها في شقتهم اللي في الدقي. الحجة فاطمة، حماتها، عمرها ما كانت ست قاسية معاها. بالعكس، أول ما سارة دخلت العيلة دي، فاطمة استقبلتها بكل خير ودفا، وضمتها وقالتلها:
— أنتِ مش غريبة يا سنيورة، أنتِ بقيتي بنتي خلاص.
الحجة فاطمة هي اللي نزلت معاها تشتري فستان الفرح، وكانت بتجيب لها أكل بيتي أول ما فتحت عيادتها الصغيرة للجلدية والتجميل في المهندسين، وكانت دايماً تدافع عنها لما طارق يتطنز عليها ويقول إنها مقضياها شغل.
علشان كده سارة ما كانتش فاهمة حاجة.
بقاله تقريباً سنة، الحجة فاطمة اختفت من حياتها تماماً. ما بقتش ترد على التليفونات، ولا تعزمهم على أكل الجمعة، ولا تبعث تسجيلات بصوتها تدعيلهم فيها. كل ما سارة تسأل، طارق يتردد ويقول نفس الجملة:
— تعبانة شويه والدكتور طالب تبعد عن أي توتر.. مش عايزة حد يزورها.
وبعدها بدأت الديون.
طارق بطل يدفع إيجار الشقة الأول. وبعدين الفواتير. وبعدين مصاريف البيت. سارة بدأت تشيل كل حاجة من دخل عيادتها. تفتح من صباح ربنا، وتقفل متأخر، وتاخد مواعيد حتى يوم الأحد، وترجع البيت رجليها ورامة، وطارق دايماً حجته جاهزة: فلوسه كلها رايحة على علاج أمه.
— الأشعة، التحاليل، والكيماوي… أعمل إيه يعني؟ —كان بيقررها كل يوم.
سارة عمرها ما شافت روشتة ولا إيصال مستشفى، بس كانت بتصدق. بتصدق لأن الست بتصدق جوزها لحد ما الثقة تبتدي تجرح فيها.
وفي ليلة، طارق قال الكلمة اللي قطعت كل شريط بينه وبينها.
— بيعي العيادة.
سارة رفعت عينها من وسط الفواتير المترامية قدامها.
— إيه؟
— بيعيها. نسدد الديون ونلحق أمي قبل ما تروح مننا.