معركة باب الثلاجه حكايات منى السيد الثالث والاخير
البوست كان نازل في الجروب العائلي اللي فيه طوب الأرض.. من أول خالات طارق وعماته لحد عيال خالة بنت عمه اللي عايشين في طنطا. طنط نادية منزلة صورتها وهي حاطة إيشارب أسود لافّاه لحد حواجبها عشان تخبي الكارثة اللي في شعرها، وكاتبة تحتها معلقة بؤس تقطع القلب:
“حسبي الله ونعم الوكيل في كل مؤذية دخلت بيت لمت شمله وخربته.. حسبي الله في اللي عملتلي عمل وسحر أسود عشان تقرعني وتجيبلي المرض في بطني وتدمر شقا عمري ونيشي اللي كنت بتباهى بيه وسط الناس. يا خسارة تربيتك يا طارق يا بني، بقيت عايش مع عقربة بتسقيك مية غسيل ومخلية بيتي مسكون بالجن الأزرق.. حسبي الله ونعم الوكيل، ربنا على الظالم والمفتري، وشوفوا شكل شعر الست الكبيرة اللي اتقهرت وبقى شبه الفحم بسبب السحر!”
طبعاً الكومنتات كانت شاعلة نار! خالاته عمالين يكتبوا: “مين دي يا نادية؟” و”الرقية الشرعية يا حبيبتي دي عين وحسد وقلة أصل!” وعماته شغالين تلقيح كلام من عينة: “البيوت الطاهرة م بيدخلهاش غير ولاد الأصول، إنما بنات اليومين دول ميعرفوش ربنا”.
وقفت في وسط الصالة ماسكة الموبايل وإيدي بتترعش من كتر الغيظ. بقى أنا اللي بـ عمل سحر وشعوذة يا طنط نادية؟ ماشي.. أنتي اللي بدأتي التلقيح والفضايح قدام العيلة، والمرة دي مش هكتفي بـ إني أدافع.. أنا هخلي العيلة كلها تتفرج عليكي وأنتي مش عارفة تودي وشك فين!
على الضهر، طارق صحي وبص في تليفونه، وشه جاب مية لون ولون. جالي المطبخ وهو بيبلع ريقه ومكسوف يبص في عيني:
— شيرين.. أنتي شفتي البوست اللي أمي منزلاه؟
وعملت نفسي هادية ودموعي “اللا إرادية” نزلت على خدي بمنتهى الاحترافية:
— شفته يا طارق.. شفته وعيلتك كلها عمالة تنهش في عرضي وتتهمني بالسحر والدجل. أنا تعمل فيا كدة؟ أنا اللي سبت شغلي وبيتي ونزلت نضفتلها شقتها لما تعبت، يطلع عليا سمعة إني ساحرة ومشوهة ست كبيرة؟ أنا مش هرد عليها يا طارق.. بس أنا حقي عند ربنا، وبابا لو شاف البوست ده مش هيسكت!
طارق اتهز تماماً، وجرى عليا خدني في حضنه وهو عمال يتأسف:
— حقك عليا أنا يا شيرين، معلش أمي ست جاهلة ومبتفهمش في التكنولوجيا، وحد من الستات الحربايات صاحباتها هو اللي وزّها وقالها ده سحر وعمل. أنا هكلمها حالا أخليها تمسح القرف ده!
طارق مسك التليفون وكلم أمه، وقامت خناقة طحن في التليفون.. صوت طنط نادية كان جاي من السماعة وهي بتصرخ: “مش هتمسحه! دي عقربة وحرباية وبوظتلي غسيلي وجابتلي الإسهال أنا وأختك!”.. طارق زعق وقفل السكة وقالها: “طالما كدة بقا، مفيش دخول شقق تاني وكل واحد يخليه في حاله!” وتم إجبارها إنها تمسح البوست بعد ما العيلة كلها اتفرجت وجمعت الحكايات.
بس مسح البوست مكنش كفاية بالنسبة لي.. الغليل اللي جوايا كان محتاج رد “قانوني ومشروع” يخليها تلف حولين نفسها.
قعدت يومين أخطط للضربة الجاية. طنط نادية عندها نقطة ضعف قاتلة.. “المنظرة”. بتموت في المنظرة والـ فخر قدام جاراتها في المنطقة، وعندها جمعية خيرية صغيرة في الحي هي ماسكة إدارتها وتوزيع الشنط على الغلابة، وبتعتبر نفسها “الحاجة نادية” وجهة المجتمع والست التقية الورعة اللي مفيش زيها.
أنا بقا، دخلت على الجروب الرسمي بتاع المنطقة.. جروب فيه حوالي ٢٠٠ ألف مشترك من سكان الحي، وجاراتها كلهم متجمعين فيه. عملت حساب وهمي باسم مستعار، وكتبت بوست طويل عريض، بس المرة دي م اتكلمتش عن نفسي.. أنا اتكلمت عن “الحاجة نادية” وجمعيتها!
“يا جماعة، أنا حابة أحذركم من الحاجة نادية اللي ماسكة جمعية (…) الخيرية في منطقتنا. الست دي بتدخل بيوت الناس من وراهم وتفتش في تلاجاتهم وترمي أكلهم بحجة إنها بتعمل خير! ومش بس كدة، دي بتخزن السمنة البلدي والممبار والبط اللي بيجي تبرعات للجمعية في تلاجتها وبيتها، والغلابة م بياخدوش غير الفجل والجرجير وبقايا الطين! أنا قريبتها وعارفة البير وغطاه، وحبيت أبري ذمتي أمام الله عشان التبرعات تروح لأصحابها بجد وم تروحش في بلاص المش بتاع الحاجة نادية!”
طبعاً البوست نزل من هنا، والمنطقة اتقلبت من هنا! البوست انتشر زي النار في الهشيم، وجاراتها بدأوا يعملوا “تاجات” لبعض ويقولوا: “يا نهار أبيض! أهي دي اللي بتعمل فيها الشيخة نادية؟” و”أنا قولت برضه السمنة دي كلها جاية منين!” و”دي تلاجتها دايماً مليانة خير من تبرعات الغلابة!”.
بعدها بـ ٢٤ ساعة بالظبط، اتصلت أخت طارق وهي بتصرخ وبتلطم:
— طارق! الحقنا! أمي قاطعة النفس وضغطها في السماء! جاراتها في الشارع والستات بتوع الجمعية جم تحت البيت وعملوا فضيحة، وبيقولوا عليها حرامية التبرعات وبتاكل أكل الغلابة! والمنطقة كلها بتتكلم عليها.. أمي هتموت من القهر والفضائح!
طارق اتخض ونزل جري، وأنا قولتله: “أنا جاية معاك يا حبيبي، مينفعش أسيب حماتي في موقف زي ده رغم كل اللي عملته فيا!”.. طبعاً كنت رايحة عشان أشوف المشهد الأخير وعلامات الهزيمة في عيونها بنفسي!
دخلنا الشقة، لقيت طنط نادية نايمة على الكنبة، وشه أصفر زي الليمونة، ولافة راسها، وحواليها اتنين من خالات طارق عمالين يهزوا في راسهم ويقولوا: “حسبي الله.. مين ابن الحرام اللي كتب البوست ده وشوه سمعة الست الشريفة؟”
أول ما طنط نادية شافتني داخلة، عيونها برقت بشر، وحاولت تقوم من مكانها وهي بتنهج:
— أنتي!! أنتي اللي عملتي كدة! أنتي اللي كتبتي البوست ده وعايزة تخربي بيتي وتفضحي اسمي في المنطقة!
وقفت بكل براءة، وحطيت إيدي على قلبي، وبصيت لخالات طارق وقولت بصوت مؤثّر:
— أنا يا طنط؟ حرام عليكي، أنا جاية جري من بيتي عشان أطمن عليكي بعد الفضيحة دي! وبعدين أنا إيش عرفني بالجمعية ولا بالتبرعات؟ أنا مالي ومال الكلام ده؟ ده تلاقيه حد من الستات اللي معاكي في الجمعية وبيغيروا من نجاحك وشطارتك هما اللي عملوا الحساب الوهمي ده عشان ياخدوا مكانك!
خالتها الكبيرة هزت راسها وقالت:
— والله البت شيرين عندها حق يا نادية! أنتي عارفة إن أم فوزية كانت عيناها من الرئاسة بتاعت الجمعية من زمان، تلاقيها هي اللي كتبت الكلام ده عشان تشوهك قدام أهل الحي!
طنط نادية بصتلي، وكانت هتموت من الغيظ.. هي عارفة ومتأكدة إن أنا اللي ورا كل مصيبة بتحصلها، من أول النمل لحد بوست الفيس، بس ذكائي وخباثتي مخلينها مش عارفة تمسك عليا غلطة واحدة أمام ابنها أو أخواتها. قعدت على الكرسي وهي بتعيط بقهر:
— ياني ياما.. السمعة راحت، والشعر باظ، والبيت اتقلب.. أنا جرى لي إيه من يوم ما المفتاح ده اتمسس؟
هنا طارق اتدخل وقال بحسم قدام خالاته:
— شفتي يا أمي؟ أهو كل المشاكل دي بدأت من يوم حكاية المفاتيح وتفتيش التلاجات. البيوت ليها حرمة، ولو كنا قفلنا أبوابنا علينا مكنش حد دخل وسطنا ولا عرف أسرارنا ولا شمت فينا طوب الأرض. عشان كدة أنا خلاص، غيرت كالون شقتي، والنسخة اللي معاكي ملهاش لزمة، والمفتاح اللي مع شيرين لـ شقتك أنا أخدته منها وهي مش هتدخل هنا تاني إلا بـ إذنك وعزومة، وأنتي كمان تيجي عندنا معزومة ومكرمة.. كدة النفوس تصفى وكل واحد يحافظ على كرامته!
طنط نادية بصت لابنها بكسرة نفس، ولفت وشها الناحية التانية وهي بتبكي بدموع حقيقية.. حست إنها خسرت سلطتها، وخسرت حرب السيطرة على بيت ابنها، وإن شيرين “العقربة” عرفت تلف السلسلة حوالين رقبتها وتكسب الجولة بالضربة القاضية من غير ما طارق يزعل منها صباع واحد.
رجعنا بيتنا بالليل. الدنيا كانت هادية، ريحة المعطرات باللافندر كانت مالية المكان، والتلاجة الدولابين الكبيرة كانت بتلمع في ضوء المطبخ الأمريكان الهادي.
طارق دخل نام وهو مهدود من كتر المشاكل واللف ورا أمه. أما أنا.. فوقفت قدام باب التلاجة، فتحت البابين، وبصيت على علب الأكل المرصوصة بالمسطرة، برطمان الباتيه الجديد، وقالب الجبنة الريكفور اللي شرياه بالشيء الفلاني.. حسيت براحة ونصر ملوش مثيل في حياتي.
مسكت نسخة مفتاح شقتي اللي طارق جابهالي، وبصيتله وابتسمت بشر وخباثة. قولت لنفسي: “أهو المفتاح رجع، وحماتي اتكسرت شوكتها وبقت بتخاف من خيالي ومستحيل تعتب باب الشقة دي من ورايا تاني.. أنا كسبت المعركة ومملكتي رجعتلي بالكامل”.
حطيت المفتاح في درج البوفيه وقفلته بالمفتاح الصغير، وروحت عملت لنفسي كوباية كاكاو سخن بلبن جوز الهند، وقعدت على الكنبة اتفرج على التلفزيون وأنا بضحك من قلبي على شكل طنط نادية وهي بشعرها الكحلي المبقع ولافة الإيشارب الأسود.
عدى أسبوع.. اتنين.. والشهر دخل في نهايته. طنط نادية م عتبتش بيتنا، والزيارات بقت مقتصرة على مكالمة تليفون كل كام يوم بينها وبين طارق، وصوتها كان بيبقى واطي وهادي وخالي من أي نبرة تحكم أو سيطرة. الدنيا كانت ماشية زي الفل، وكنت خلاص بدأت أنسى الأيام السوداء وأعيش حياتي الملكية في مطبخي الرائع.
لحد ما جه يوم الجمعة..
طارق كان نازل يصلي الجمعة، وأنا كنت واقفة في المطبخ بجهز غدا معتبر.. صينية بطاطس بالفراخ ورز معمر، والريحة كانت قالية الشقة. طارق نزل، وقفل الباب وراه.. وفاتت حوالي نص ساعة.
فجأة.. سمعت صوت حركة غريبة بره الشقة.. صوت خربشة خفيفة في الكالون!
جسمي كله قشعر، والسك..ينة وقعت من إيدي على الرخامة وعملت رنة عالية. وقفت مكاني مش بقادرة أتحرك.. الصوت كان بيزيد، صوت مفتاح بيدخل في الكالون ببطء وحرص شديد، كأن اللي بره بيحاول يفتح من غير ما يعمل أي شوشرة!
قلبي بدأ يدق في صدري زي الطبلة.. طارق مستحيل يفتح كدة، طارق معاها مفاتيحه وبيدخل بهبدة وصوته بيبقى مالي المكان. ومين تاني معاه نسخة؟ المفتاح التاني أنا شايلاه في درج البوفيه وقافلة عليه!
مشيت بخطوات بطيئة جداً كأنني ماشية على قشر بيض، اتسحبت لحد ما وصلت لـ طرقة الباب. وبصيت من العين السحرية..
الضوء في السلم كان مطفي، بس كان فيه خيال ضخم واقف قدام الباب، وحاطط إيده على الكالون وعمال يلف المفتاح براحة.. المفتاح لف، والتكة الأولى بتاعة القفل ظهرت! “تك”..
الشخص اللي بره بدأ يزق الباب بكتفه بالراحة عشان يفتح.. وفي لحظة، الباب اتفتح خيط رفيع، وظهر من وراه وش.. بس مكنش وش طنط نادية خالص!
وقفت مبرقة عيني، وأنفاسي اتقطعت تماماً، والذعر ملا قلبي لما شفت الشخص اللي واقف بره وماسك في إيده نسخة تالتة من المفتاح، وبيتسحب عشان يدخل شقتي وإحنا مش واخدين بالنا…!!!
(يتبع في الفصل الأخير…)
الوش اللي كان ظاهر من ورا خيط الباب الرفيع مكنش وش طنط نادية خالص.. ده كان وش غريب عليا تماماً! ست في أواخر الأربعينات، ملامحها حادة، حاطة ميك أب كامل وفاقع ومكثف لدرجة تخوف في عز الضهر، ولابسة عباية سودا مطرزة بفصوص بتلمع، وماسكة في إيدها شنطة جلد حمراء كبيرة.
فتحت الباب على الآخر ودخلت بكل ثقة وعين قوية، وبصتلي من فوق لتحت بابتسامة صفرا مفيهاش أي نوع من الذوق:
— أنتي بقا شيرين؟ أهلاً يا اختي.. وسعيلي كدة كتر خيرك عشان شايلة حاجات تقيلة.
دخلت الشقة ورمت شنطتها الحمراء على كنبة الصالون، وفجأة ظهرت وراها طنط نادية! أيوة، طنط نادية بذات نفسها.. كانت واقفة ورا الست دي، ولافة إيشاربها الأسود كالعادة، بس الوش مكنش وش الكسرة والدموع بتاع الأسبوع اللي فات.. ده كان وش الانتصار والشماتة، وعيونها بتطلع شرار وهي بتبصلي من تحت لفوق.
وقفت في وسط الصالة، دمي اتصفى تماماً، وجوايا طاقة ذهول وغضب مش قادرة أسيطر عليها. صرخت بصوت عالي:
— هو في إيه؟ ومين دي يا طنط نادية؟ وإزاي تدخلوا الشقة كدة ومنين معاكم المفتاح ده أصلاً؟ طارق أخد منكم النسخة وغيرنا الكالون!
طنط نادية حطت إيدها في وسطها، وضحكت ضحكة عالية رنت في الشقة كلها:
— ههههه! غيرتوا الكالون؟ على مين يا شيري يا حبيبتي؟ أنتي فاكرة إن طارق يقدر يغير الكالون من ورايا وميجيبليش نسخة؟ ده جه وباس على إيدي ورجلي عشان أسامحه، وجابلي النسخة الجديدة دي لحد عندي وقاللي “الشقة شقتك يا أمي وأنتي الخير والبركة!”. أما بقا مين دي؟ فـ أحب أعرفك.. دي هدى.. هدى بنت خال طارق، اللي كانت دايماً في بالي وبتمناها لـ طارق من زمان، بس النصيب بقا! وجيباها معايا عشان أصلح غلطتي وأفرجها على شقة ابنها اللي اتقفل في وشها الباب!
الست اللي اسمها هدى دي مشيت بخطوات بطيئة، وبدأت تتفرج على الصالون، وتلمس الخشب بصباعها عشان تشوف فيه تراب ولا لأ، وقالت بنبرة مستفزة:
— يظهر إن ذوقك في العفش مودرن بزيادة يا شيرين.. كئيب ومفهوش روح.. طارق طول عمره بيحب الصالونات المدهبة الفخمة زي بيت عمتي نادية.. يلا، مش مشكلة، كلو بيتصلح وبيتغير.
جوايا بركان انفجر في ثانية. طارق؟ طارق خان الاتفاق وضحك عليا وأداها نسخة تانية من ورايا؟ طارق اللي كان بيطبطب عليا ويقولي “مملكتك خط أحمر” راح سلم رقبتي لأمه ولواحدة تانية جايبينها يتمنظروا عليا في بيتي؟
مستنتش دقيقة. مسكت الموبايل وطلبت رقم طارق. كان لسة مخلص صلاة الجمعة وصوت الدوشة حواليه:
— أيوة يا شيرين، أنا طالع في السكة أهو..
صرخت فيه بمنتهى العصبية والغل اللي في الدنيا:
— طارق! اطلع حالا! أمك هنا ومعاها نسخة من الكالون الجديد، وجايبة معاها واحدة اسمها هدى وداخلين يفتشوا في بيتي ويتمنظروا عليا! أنتي اديتها المفتاح يا طارق؟ ضحكت عليا يا طارق؟
طارق اتلعثم وصوته بدأ يترعش:
— شيرين.. اسمعيني بس.. أمي كانت بتموت من القهر، ومكنش ينفع أسيبها زعلانه، فـ قولت أراضيها واديتها المفتاح وقولت مستحيل تيجي من غير إذن.. أنا طالع حالا!
قفلت السكة في وشه، ولفت لـ طنط نادية وهدى. لقيت هدى مشيت بكل عين قوية ودخلت على المطبخ الأمريكان بتاعي! فتحت باب التلاجة الدولابين، وبصت جوه وقالت بصوت مسموع:
— يا نهار أبيض يا عمتي! أهو ده الأكل اللي بياكله طارق؟ كينوا وتوفو وأكل ناشف شبه أكل العصافير؟ ده طارق وشه باهت وخس النص فعلاً! فين البط؟ فين الممبار؟ الشقة مفيهاش ريحة طبيخ يرم العضم!
طنط نادية دخلت وراها والمطبخ، وطلعت من الشنطة الحمراء الكبيرة علب بلاستيك، وبدأت ترصها في التلاجة وهي بتقول:
— أهو أنا جبت هدى معايا النهاردة عشان تعمل لـ طارق صينية رقاق باللحمة المفرومة وسمنة بلدي تظبط دماغه.. وسعي كدة يا شيرين من قدام التلاجة وخلي الستات اللي بتفهم في الأصول تشتغل!
في اللحظة دي، حسيت إن اللعب بالطرق القديمة مابقاش ينفع. النمل، والصبغة، وزيت الخروع.. كل ده كان قرص ودن، بس المرة دي الهجوم كان في شرفي كـ ست بيت، وفي كرامتي، وجايبين لي “ضرة محتملة” تفتش في تلاجتي! لو سكت المرة دي، يبقى أنا سلمت الشقة ليهم رسمي.
هدأت فجأة، والدموع اللي كانت في عيني جفت، وحل مكانها برود غريب وقاتل. وقفت وسندت ضهري على الرخامة وبصيت لـ هدى وقولت بابتسامة ناعمة:
— أنتي بقا هدى؟ أهلاً وسهلاً يا حبيبتي.. نورتي مطبخي. طارق فعلاً دايماً بيكلمني عنك.
هدى لفت وشها وبصتلي بشك:
— بيكلمك عني؟ بيقولك إيه؟
قربت منها خطوة، وعملت نفسي بكلمها في سرها بس بصوت طنط نادية تسمعه كويس:
— بيقولي يا حرام إنك ست غلبانة وطيبة، بس حظك وحش في الجواز.. بيقولي إنك اتطلقتي تلات مرات بسبب إنك مبتعرفيش تطبخي وأكلك دايماً مسبك ويجيب القولون، وإنك دايماً بتدخلي في اللي مالكيش فيه لحد ما بيوتك بتتخرب.. طارق دايماً يقولي الحمد لله إني اتجوزت شيرين العاقلة النظيفة اللي بتحافظ على صحتي، وم اتجوزتش هدى اللي كانت عمتي نادية عايزة تدبسه فيها!
وش هدى جاب مية لون، وعيونها وسعت من الصدمة، ولفت لـ طنط نادية وصرخت:
— بقى كدة يا عمتي؟! طارق بيقول عليا كدة لمراته؟ بيقول عليا مخربة بيوت ومبعرفش أطبخ ومطلقة تلات مرات؟ وأنتي جايباني هنا عشان اتهز وأتمسخر؟
طنط نادية اتخضت وجريت عليها:
— لأ يا هدى يا بنتي متصدقيهاش! دي حرباية وبتوقع بيننا! طارق عمره ما يقول كدة!
أنا كملت بكل برود وثقة:
— لاء يا طنط، طارق قال كدة وأكتر.. وقال كمان إن طنط نادية بتستغلك عشان تيجي تنظفي لها الشقة وتعمليلها الأكل طالما أنتي قاعدة فاضية وموراكيش حاجة بعد الطلاق الأخير!
المطبخ اتقلب لـ خناقة شوارع بين طنط نادية وهدى! هدى بدأت تزعق وتلم في حاجتها والعلب بتاعتها من التلاجة وتهبدها على الرخامة:
— أنا يتعمل فيا كدة يا نادية؟ أنا اللي جاية معاكي عشان أراضيكي بعد ما المنطقة كلها اتكلمت عليكي في بوست الفيس؟ غسيلك الأزرق وشعرك الفحم مكنش من فراغ! أنتي فعلاً لسانك متبري منك وطارق طالعلك!
وفي وسط الخناقة والهبد دي، الباب اتفتح ودخل طارق وهو بيلهث. بص للمشهد: هدى عمالة تصوت وتلم علبها، وأمه عمالة تحلف وتلطم، وأنا واقفة في الزاوية وبشرب مية بمنتهى الهدوء.
طارق صرخ:
— في إيه؟ جرى إيه هنا؟
هدى جريت عليه ورزعت الشنطة الحمراء في صدره:
— بقى أنا مخربة بيوت ومبعرفش أطبخ يا طارق؟ أنا اللي عمتك بتستغلني عشان أنظف لها؟ أهو بيتك أهو ومراتك أهي، وأنا غلطانة إني جيت مع ستات ميعرفوش الأصول!
خرجت هدى ورزعت باب الشقة وراها هبدة سمعت في العمارة كلها.
طنط نادية لفت لـ طارق وهي بتعيط بغل:
— شفت المفتريّة؟ شفت العقربة وقعت بيني وبين بنت خالك إزاي في دقيقتين؟ دي ساحرة يا طارق! دي لسانها بينقط سم!
طارق بص لأمه وبصلي، وكان وشه جايب آخره من كتر الضغط. قرب مني وزعق:
— شيرين! أنتي إيه اللي قولتيه لهدى ده؟ أنتي عايزة تخربي علاقتي بالعيلة كلها؟
وقفت قدامه بكل طول وشموخ، وبصيت في عينه بنظرة خلت الكلمات تقف في زوره:
— لاء يا طارق.. اللي عايز يخرب البيت ده هو أنتي! أنتي اللي خنت الأمانة، وأنتي اللي كدبت عليا، وأنتي اللي رحت اديت أمك نسخة من الكالون الجديد من ورايا عشان تدخل وتجيبلي ستات غريبة تفتش في تلاجتي وتخطط لحياتك! أنتي م حترمتش وجودي ولا كرامتي في البيت ده!
لفت لـ طنط نادية وقولت لها بصوت حاسم وقوي سمع الكل:
— اسمعي بقا يا طنط نادية.. أنتي دخلتي تلاجتي ورميتي أكلي، وأنا دخلت تلاجتك ورميت أكلك. أنتي بهدلتي مطبخي بالمش والطين، وأنا بهدلتلك نيشك وشعرك وغسيلك بـ النمل والصبغة والزهرة! أيوة.. أنا اللي عملت كل ده! ومفيش لا سحر ولا جن أزرق.. ده شغل إيدي وبالمسطرة! عشان تعرفي إن اللي هتدوسلي على طرف، هاقطعلها رجلها!
طنط نادية برأت عينها وحطت إيدها على قلبها، وطارق وقف مذهول مش قادر ينطق كلمة واحدة بعد ما اعترفت بكل حاجة بـ عيني قوية.
كملت كلامي وبصيت لـ طارق:
— والنهاردة بقا.. الحرب دي لازم تنتهي، والنهاية عندي أنا. المفتاح ده (وشاورت على المفتاح اللي في إيد طنط نادية) لو متسلمش حالا حالا قدامي، وأمك تعهدت إنها مستحيل تعتب الشقة دي تاني إلا بعزومة رسمية زي أي ضيف غريب.. أنا هأخد هدومي وهأمشي، وبابا وإخواتي هيجوا ياخدوا العفش كله بالملي، وقسيمة الطلاق هتوصلك لحد عندك يا ابن طنط نادية! أنا ست متعلمة وناضجة وكنت شارياك، بس بيتي ومطبخي وتلاجتي هما كرامتي، واللي م يحترمش كرامتي م يلزمنيش!
الشقة ساد فيها هدوء قاتل.. طنط نادية كانت بتبصلي برعب حقيقي، لأول مرة تشوف الوش التاني لـ شيرين.. الوش اللي مستعد يهد المعبد على اللي فيه وميفرقش معاها حاجة. وطارق بص لأمه وبص للأرض، وعرف إن الموضوع جاب آخره، وإن بيته فعلاً على شفا حفرة من الخراب بسبب حكاية المفاتيح دي.
طارق قرب من أمه وباس راسها وقال بصوت مكسور:
— معلش يا أمي.. هاتي المفتاح.. شيرين عندها حق، والبيوت أسرار وحرمة، وأنا مش عايز بيتي يتخرب. هاتي المفتاح وأنا هأجيلك كل يوم أزورك وأشيلك فوق راسي، بس الشقة دي ليها ست بيت واحدة وهي شيرين.
طنط نادية بصت لابنها بدموع الخسارة، وطلعت المفتاح من جيب عبايتها ورامته على الترابيزة بغل ملوش مثيل. لفت ضهرها ومشيت وهي بتبكي وبتقول:
— ماشي يا طارق.. بعت أمك عشان خاطر واحدة غريبة.. بكره تندم!
خرجت طنط نادية، وقفلت الباب وراها. طارق جه يقرب مني عشان يتأسف ويصالحني، بس أنا رفعت إيدي وقولتله:
— متقربش يا طارق.. المسامحة محتاجة وقت، والأمان اللي اتهز محتاج شغل كتير عشان يرجع. شيل المفتاح ده شيله في جيبك، ولحد ما أحس إنك بقيت راجل بجد وبتحافظ على كلمتك.. كل واحد فينا هينام في غضبة.
سبته واقف في وسط الصالة ندمان ومكسور، ودخلت على مطبخي الأمريكان الرائع.. مسكت فوطة المطبخ البيضاء الجديدة، ولمعت باب التلاجة الدولابين الكبيرة لحد ما بقى شبه المراية. بصيت على برطمانات الباتيه والجبنة الريكفور المرصوصة بالمسطرة، وابتسمت ابتسامة صافية وراحة حقيقية.
حرب السيطرة خلصت.. والمطبخ بقا رسمي وحصري مملكيتي أنا وبس، والبيوت فعلاً أسرار.. بس الأسرار دي مبيحفظهاش غير الست اللي تعرف إمتى تقلب حرباية وإمتى تحارب بـ ضوافرها عشان تحمي تلاجتها!
**تمت**