عشق على صفيح ساخن نورهان العشرى الرابع

عشق على صفيح ساخن بقلم نورهان العشري ج٤

التفت إليه جاسر كالصقر: “فين؟”

— “كانت بتحاول تهرب لـ كندا بطيارة خاصة مملوكة لشركة وهمية تابعة لعيلة سنكلير. بس رجالتنا قفلوا المدرج قبل ما تطير بـ دقيقتين. هي دلوقتي في المخزن الشرقي… وتحت الاستجواب”.

لم يتردد جاسر لثانية. أشار إلى “سليم” وقال بنبرة تقطر سماً:

— “افتحلي خط فيديو معاها حالا على الشاشة دي”.

في غضون لحظات، ظهرت “راما الجندي” على شاشة الجهاز المحمول الخاص بسليم. كانت مقيدة إلى كرسي خشبي في مخزن مظلم، معطفها الفاخر ممزق ومغبر، وشعرها الأشقر الجميل مبعثر. لكن رغم وضعها، لم تختفِ تلك الابتسامة الباردة والمستفزة عن وجهها بالكامل.

تحدث جاسر ببرود كفيل بإنهاء الحياة:

— “قدامك دقيقة واحدة يا راما. دقيقة واحدة تقوليلي فيها اللعبة دي اتلعبت إزاي… وإلا هخلي رجالتي يدفنوكي صاحية تحت خرسانة المبنى الجديد لعيلتك”.

ضحكت راما ضحكة بهستيرية ممزوجة بالخوف: حكايات نورهان العشري

— “فاكر نفسك كسبت يا جاسر؟ فاكر إنك لما تقت*لني اللعبة هتنتهي؟ سارة مجرد وعاء! أبوها… سارة عصمت… أبوها اللي أنت فاكر إنه هربان من غضبك، هو اللي باع عينات جينية خاصة بيك من المستشفى لما كنت بتعمل عملية الرصاصة من سنتين!”

تصلب جسد جاسر بالكامل، واشتدت قبضته على هاتفه حتى كاد ينكسر. وتابعت راما بنبرة حاقدة:

— “أبوها كان مديون لـ “البراتفا” ولعيلتي بـ ملايين. اللعبة كانت واضحة؛ نزرع جنين يحمل جيناتك وجينات عيلة منافسة في رحم بنته من غير ما هي تعرف، عشان لما الطفل يتولد، نثبت عدم أهليتك ونستولى على الإمبراطورية قانونياً باسم ‘الوريث الشرعي’ اللي تحت وصايتنا! سارة كانت دايماً الضحية… وأنت كنت المغفل اللي بنى مجده على الرمل!”

ساد الصمت في الممر الطبي، باستثناء صوت الأجهزة الطبية خلف الباب. أدرك جاسر أخيراً حجم المؤامرة؛ لم تكن مجرد خيانة سياسية، بل كانت عملية اغتيال لنسبه وعائلته وتدمير نفسي لزوجته سارة.

قال جاسر بصوت منخفض كالرعد:

— “مين الطرف التالت في الجنين؟ مين الأم الحقيقية؟”

لمعت عينا راما بخبث قاتل:

— “أخت ميخائيل فولكوف المتوفية… ‘أولغا’. الجنين دا يحمل دم المافيا الروسية ودم الزيني. صراع دموي مرسوم من سنين عشان نيويورك تقع في يد الروس قانوناً وبدون نقطة دم واحدة من طرفهم. وميخائيل مجاش المتجر عشان يحمي سارة… جه يستلم بضاعته!”حكايات نورهان العشري

في تلك اللحظة بالذات، انفتح باب غرفة العمليات بعنف.

خرج الدكتور رأفت يهرول، وعيناه متسعتان من الفزع:

— “جاسر بيه! الروس! رجالة ميخائيل فولكوف حاصروا المستشفى بالكامل… وقطعوا خطوط الاتصال والكهرباء الاحتياطية اشتغلت!”

في نفس الثانية، تناهى إلى مسامعهم صوت إطلاق نار مكتوم وقوي يأتي من الطابق السفلي للمستشفى. لقد بدأ الهجوم.

لكن وسط هذا الرعب كله، تلا ذلك صوت رفيع، حاد، ومقدس…حكايات نورهان العشري

صوت صرخة طفل صغير يولد في قلب الجحيم.

التفت جاسر نحو الغرفة، متجاهلاً صوت الرصاص والتهديدات. تراجع خطوات إلى الداخل ليرى الممرضة تقترب وتحمل طفلاً صغيراً جداً، ملفوفاً بوشاح أبيض معقم، يبكي بكل قوته.

أسرعتُ بفتح عينيّ بضعف تام، وصوتي يرتجف: “جاسر… ابني…”

اقترب جاسر منا، وركع بجانب السرير. نظر إلى الطفل الصغير الذي كان يملك ملامحه الحادة، لكن بعينين تلمعان بلون رمادي غريب ومألوف. امتدت أصابعه الخشنة لتلمس جبهة الصغير برقة متناهية. تلاقت عيوننا، ولم يكن بحاجة لقول شيء. في تلك اللحظة، لم تكن الجينات تهم، ولا المؤامرات الروسية، ولا عائلة سنكلير. كان هذا طفلنا الذي دفعنا دماءنا لحمايته.

تحدث جاسر وهو يلتفت إلى رجاله الذين بدأوا باتخاذ مواقع دفاعية عند نوافذ الغرفة:

— “سليم… جهزوا المدرعة اللي تحت. هنخرج من الممر السري للمترو.”

ثم نظر إليّ وإلى طفلنا، وعيناه تشتعلان بنار الانتقام المقدس:

— “أنا هحرق نيويورك الليلة دي يا سارة… عشان مفيش مخلوق يفكر يلمس عيلتي تاني”.حكايات نورهان العشري

لم تكن الشوارع المحيطة بمستشفى “سانت جود” مجرد زقاق خلفي مظلم، بل تحولت إلى ساحة حرب حقيقية تحت غطاء الثلج المتراكم. دوى صوت الرصاص المكتوم في الطوابق السفلية، بينما انقطع التيار الكهربائي تماماً لتنير الممرات أضواء الطوارئ الحمراء الخافتة، كأنها تنذر بحمام دم وشيك.

كنتُ مستلقية على السرير الطبي، جسدي يرتجف من أثر التخدير والإنهاك، ويدي قابضة على الوشاح الأبيض الذي يلف طفلنا الصغير. كان صدره الصغير يرتفع ويهبط بأنفاس متسارعة، وكأنه يدرك أن أنفاسه الأولى تشكلت في قلب الإعصار.

انحنى “جاسر” فوقي، معطفه الكشمير الفاخر قد تلطخ ببقع من دمي ودموعي، وعيناه الرماديتان اللتان طالما بثتا الرعب في قلوب أعدائه، تركزتا عليّ وعلى طفلنا بوضوح جارف.

> — “سارة، اسمعيني كويس. مفيش وقت للخوف. سليم ورجالتي هيأمنوا خروجك أنتِ والولد من النفق القديم لخط مترو مانهاتن الملغي تحت المستشفى. المخرج متأمن بعربيات مصفحة هتنقلكوا لقصر ‘الزيني’ القديم في الريف… المكان داك آمن من أي هجوم.”

أمسكتُ بياقته بضعف شديد وصوتي يتهدج:

— “وأنت يا جاسر؟ مش هتيجي معانا؟”

ابتسم ابتسامة باردة، حاسمة، تلك الابتسامة التي تسبق العاصفة دائماً:

— “أنا لو جيت معاكم، الحرب هتيجي وراكم. ميخائيل فولكوف وعيلة سنكلير لازم ينتهوا الليلة دي في مانهاتن. اللعبة اللي لعبوها على شرفي وعلى رحمك أنتِ… تمنها مش الفوز، تمنها الإبادة.”

 

دفعني “سليم” مع ممرضتين على السرير المتحرك نحو المصعد اليدوي القديم الذي يهبط إلى القبو السفلي للمستشفى، حيث تقع ممرات الصيانة القديمة المتصلة بنظام المترو المهجور منذ السبعينيات. كان “جاسر” يقف عند مدخل المصعد، يراقبنا وهو يسحب أجزاء س*لاحه الأوتوماتيكي ببرود قاتل، بينما تحرك رجاله المحترفون ليتخذوا مواقعهم القتالية في الردهة الطبية.

أغلق الباب الحديدي للمصعد، وهبطنا في الظلام.حكايات نورهان العشري

كنتُ أضم طفلي إلى صدري بقوة، أستمع إلى صدى طلقات الرصاص التي بدأت تدوي في الطوابق العليا للمستشفى. كان “ميخائيل فولكوف” يظن أنه أتى ليأخذ بضاعته، لكنه لم يكن يعلم أنه قد دلف برجليه إلى عرين الأسد وهو جائع.

في الأعلى، كان الطابق الأرضي للمستشفى قد تحول إلى مقبرة لرجال المافيا الروسية. لم يكن “جاسر الزيني” مجرد زعيم عصابة يدافع عن نفسه؛ بل كان جنرالاً يدير حرباً على أرضه التي يحفظ تضاريسها عن ظهر قلب.

وقف “ميخائيل فولكوف” في بهو المستشفى الفاخر، محاطاً بخمسة من كبار رجاله المسلحين، وعيناه الزرقاوان الباردتان تتأملان الرصاص المتناثر. تناهى إلى سمعه صوت خطوات هادئة، منتظمة، تكسر صمت المكان.

التفت ليجد “جاسر” يخرج من بين الظلال، بمفرده، ممسكاً بس*لاحه بوضعية منخفضة، دون درع واقٍ، ودون ذعر.

قال ميخائيل بنبرة ساخرة:

— “جاسر… كنت فاكر إنك أذكى من إنك تواجهني لوحدك. الطفل ده دمه روسي، وعيلة ‘البراتفا’ أولى بيه لإنقاذ ورث عيلتنا.”

توقف جاسر على بعد خطوات، وأشعل سيجاراً بهدوء لافت وسط جثث القت*لى، ثم نفث الدخان وقال بصوت يشبه حفيف الأفاعي:

— “أنت غبي يا ميخائيل. فاكر إنك لما تشتري ذمة دكتور رخيص وتستغل مستندات مزورة، هتقدر تفرض شروطك على عيلة الزيني في نيويورك؟”

ضيق ميخائيل عينيه: “المستندات حقيقية، وجينات أختي أولغا في رحم مراتك.”

ضحك جاسر بخفوت، ضحكة خالية تماماً من المرح:

— “أنا عارف إن أبو سارة باع عينات جيناتي لعيلتكم وعيلة سنكلير… بس أنت نسيت حاجة مهمة أوي عن عيلتي. إمبراطورية ‘الزيني’ مبتشتغلش بالصدفة.”

أخرج جاسر من جيب معطفه جهاز تحكم صغير، وتابع ببرود:حكايات نورهان العشري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *