حماتى بوظت عزومه العشا الثالث والاخير
وقفت قدام أحمد، والكلمة دي كانت زي رصاصة خرجت من قلبي واستقرت في صمت الصالة. “أحمد، هو أبوك كان شغال مع مين قبل ما يتوفى؟” سؤالي كان بسيط، بس تأثيره على أحمد كان كفيل يهز أركان البيت. شفت في عينيه لمحة من الخوف، مش خوف من المرض، لأ.. خوف من الحقيقة اللي كانت مدفونة تحت طبقات من الستر والتمثيل.
أحمد أخد نفس عميق، وشدني من إيدي لبعيد عن باب أوضة أمه، وبعد عن محمود اللي كان واقف في الطرقة بيحاول يهدئ دينا. دخلنا المطبخ.. المطبخ اللي كان مسرح “اللحمة النية” من كام يوم، وبقى دلوقتي مسرح الاعترافات الخطيرة.
“مروة، إنتِ ليه بتسألي السؤال ده دلوقتي؟ ده مش وقته خالص، أمي تعبانة وفي المستشفى في البيت!” أحمد كان بيحاول يهرب، بس عينيه كانت فضحاه.
بصيت له بكل حزم وقررت أرمي كل كروتي: “أحمد، أنا شفت اسم شركة ‘الرؤية للاستثمار’ على ورق أمك. والشركة دي مرتبطة باسم ‘عزت المنشاوي’. أبويا كان دايما يحكي عنه إنه كان السبب في خسارته لكل فلوسه ولعزته. إنت كنت عارف؟”
أحمد اتجمد. وشه بقى شاحب لدرجة إنه بقى شبه الجدران. قعد على كرسي المطبخ وحط إيديه على راسه وقال: “كنت فاكر إني قدرت أخبي ده عنك. كنت فاكر إن الجوازة دي بداية جديدة بعيد عن وساخة الماضي.”
“يعني إنت كنت عارف إن عيلتك، وأمك، كانوا جزء من اللي دمر حياة أبويا؟” صوتي طلع مهزوز، مش بس من الصدمة، من حجم الخيانة اللي حسيت بيها في اللحظة دي.
“مش عيلتي كلها يا مروة.. أمي بس. أمي كانت ‘الواجهة’. كان ليها علاقة بيزنس غامضة مع المنشاوي من سنين طويلة، من قبل ما أنا ومحمود نتجوز. كانت بتغسل أموال، وبتدير استثمارات مشبوهة، وأبويا الله يرحمه كان بيحاول يوقفها بس كانت بتسيطر عليه بتهديدها ليه. مات بحسرته، وهي كملت.”
حسيت ببرودة في أطرافي. الحاجة أمينة اللي كنت بتمناها تحبني، طلعت هي المهندسة لكل وجع عشته في حياتي قبل ما أعرفهم. كل نظرة باردة، كل انتقاد لي.. كان غطاء عشان ما أقربش، عشان ما اكتشفش الأسرار اللي في ملفاتها.
“ومحمود؟” سألت بصوت خافت.
“محمود عارف من فترة، كان بيحاول يلملم الموضوع ويحمي اسمها، بس لما لقى إنها بتلعب بينا كلنا، بدأ يحاول يسحب التوكيلات منها. العزومة اللي باظت دي، كانت مجرد بداية لمحاولاتها إنها تبين لينا كلنا إنها لسه ‘المسيطرة’ اللي بتمشي البيت والناس، وإنها مش ضعيفة ولا مريضة.”
في اللحظة دي، سمعنا صوت خبط على باب الأوضة اللي فيها أمينة. جرينا بسرعة، لقينا محمود واقف مصدوم وباصص جوه الأوضة.. الأوضة كانت فاضية.
الشبابيك كانت مفتوحة، والستارة بتطير مع الهوا، والملفات اللي كانت مبعثرة على المكتب اختفت. حماتي، اللي كانت من دقايق مش قادرة تاخد نفسها، اختفت كأنها فص ملح وداب.
محمود بص لي وقال برعب: “مروة، أحمد.. الملفات الأساسية اختفت! العقود اللي بتدينها، والأوراق اللي فيها أسماء كل الناس اللي اتعاملت معاهم.. كل حاجة راحت!”
جرينا كلنا في البيت، بندور في كل ركن. البيت كان كبير، مليان مخابئ، ممرات، وأوض مقفولة بقالنا سنين مابنفتحهاش. في قلب البيت ده، كان فيه “سر” أكبر من مجرد أم متسلطة.
دخلنا أوضة المكتب الكبيرة، اللي كانت أمينة بتمنع أي حد يدخلها. لقينا باب سري ورا المكتبة الكبيرة، مفتوح على آخره. نزلنا سلم ضيق بيودي لبدروم تحت الأرض، مكان عمرنا ما تخيلنا وجوده.
البدروم كان متجهز كأنه مكتب إدارة كامل، فيه أجهزة كمبيوتر قديمة، وخزنة ضخمة مفتوحة وفاضية، وعليها صورة لأبويا.. صورة قديمة، متصورة في فرحه، ومكتوب عليها “الضحية الأولى”.
أنا وأحمد ومحمود وقفنا مذهولين. دي مش مجرد ست متسلطة، دي شبكة كاملة كانت بتدار من تحت رجلينا.
“هي مش بس كانت بتغسل أموال،” محمود قال بصوت مرتعش وهو بيقلب في ورقة سقطت من الخزنة، “دي كانت بتجمع داتا عن كل حد حواليها، بتسجل عليهم، بتأمن نفسها عشان لو حد فكر يواجهها. إحنا كلنا كنا بنتحرك بدموع خيوطها.”
في اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات ورا الباب اللي نزلنا منه. التفتنا بسرعة، لقينا الحاجة أمينة واقفة.. بس مش أمينة اللي كانت مريضة ونايمة. كانت واقفة بصلابة، ماسكة في إيدها تليفون، وبتبتسم الابتسامة اللي كنت بخاف منها.. بس المرة دي، كانت ابتسامة “نصر”.
“كنتوا فاكرين إني هسمح لكم تهدوا بنياني؟” صوتها كان قوي، خالي من أي ألم. “أنا بنيت الإمبراطورية دي سنين، مش هخلي عيلة صغيرة زيكم تضيعها في لحظة ندم كدابة.”
أحمد تقدم خطوة وقال: “يا أمي، كفاية! اللعبة خلصت. الشرطة هتعرف كل حاجة!”
ضحكت ضحكة عالية، رنت في البدروم المظلم: “الشرطة؟ مين قال إن الشرطة ما تعرفش؟ كل واحد فيكم عنده نقطة ضعف، وأنا عندي الملف اللي يخليه يختفي من الوجود. حتى إنتِ يا مروة،” بصت لي بنظرة مسمومة، “فاكرة إن أبوكي كان ضحية؟ كان شريك، بس كان طماع، وحاول يسرقني.. فكان لازم يتدفع الثمن.”
كلماتها نزلت عليا زي الصاعقة. أبويا.. شريك؟ كل الحكايات اللي كبرت عليها، كل دموع أمي.. طلعت جزء من لعبة قذرة؟
“لا،” قلت بصوت طالع من أعماق روحي، “أبويا مكنش كدة. إنتِ بتكذبي عشان تكسريني زي ما كسرتي الكل!”
أمينة قعدت على كرسي قديم في البدروم، وطلعت سيجارة وولعتها ببرود: “صدقي اللي تصدقيه. المهم دلوقتي، إنكم هتعيشوا في الحقيقة اللي أنا هرسمها لكم، أو هتختفوا مع الأسرار اللي في الملفات دي.”
فجأة، الباب اللي نزلنا منه اتقفل بقوة، وسمعنا صوت “تكة” القفل الإلكتروني. إحنا اتحبسنا.
الحاجة أمينة، الست اللي دخلت بيتي عشان “تساعدني” في عزومة، حبستنا في قبو بيتها عشان تحمي عرشها من الكذب.
محمود بدأ يكسر في الباب، وأحمد بيدور على مخرج، وأنا.. أنا وقفت مكاني، وبصيت للصورة اللي على الخزنة. في اللحظة دي، قررت. لو كانت هي ملكة الألاعيب، فأنا اللي هنهي اللعبة دي، حتى لو هحرق البيت كله فوق دماغنا.
“يا طنط،” ناديت عليها بصوت هادي، “فاكرة إن الملفات دي لسه معاكي؟”
بصت لي باستغراب: “أكيد.”
ابتسمت بمرارة: “قبل ما أدخل البيت النهاردة، كنت باعتة نسخة من كل ورقة لقيتها في الملفات الأصلية لصحفي شاطر، ومحامي تقيل.. يعني لو حصلنا حاجة، الحقيقة هتكون في كل الجرايد الصبح.”
وشها اتغير. لأول مرة، شوفت الخوف الحقيقي.. الخوف اللي ملوش دواء.
“إنتِ.. إنتِ عملتي إيه؟”
“عملت اللي كان لازم يتعمل من سنين،” قلت وأنا بطلع موبايلي من جيبي، “النسخة اللي أرسلتها فيها كل حاجة.. حتى اسم الشخص اللي بيحميكي في المنظومة. اللعبة انتهت يا حماتي.”
قامت من مكانها وهي بتهز، والسيجارة وقعت من إيدها. كانت لحظة صمت.. لحظة كانت كل حياتنا فيها بتتحدد. إما نخرج من هنا ونكشف المستور، أو نفضل محبوسين في ماضيها للأبد.
البدروم بدأ يدخن.. السيجارة ولعت في سجادة قديمة، والنار بدأت تنتشر بسرعة. أمينة بدأت تصرخ، مش خوفاً علينا، لكن خوفاً على ورقها اللي بيتحرق.
“لا! الملفات! شغلي كله!”
أحمد ومحمود بدأوا يحاولوا يكسروا الباب بكل قوتهم، والنار بتكبر.. والحقيقة، وسط النار، كانت بتبان ملامحها الحقيقية. حماتي اللي كانت بتتحكم فينا، كانت دلوقتي بتتحكم في “لا شيء”.. مجرد ورق بيتحول لرماد.
الدخان كان مالي المكان، والنار بدأت تاكل في الورق، في الملفات، وفي كل “تاريخ” أمينة اللي كانت فاكرة إنها مخلدة بيه نفسها. اللحظة دي مكنتش مجرد حريق، كانت تطهير لكل سنين الخوف والسيطرة اللي عشناها. الحاجة أمينة كانت واقفة في وسط الأوضة، عينيها متابعة الورق وهو بيتحول لرماد، كأنها بتشوف روحها بتتبخر قدام عينيها.
محمود وأحمد كانوا بيضربوا في الباب بكل قوتهم، والخشب بدأ يضعف. صرخت فيهم: “يا جماعة، الباب من الناحية التانية! في زرار طوارئ ورا المكتبة، شوفتها وهي بتخرج!”
محمود لف بسرعة، وبحركة عنيفة زق المكتبة اللي كانت مغطية جزء من الحيطة، ولقى الزرار المخفي. بضغطة واحدة، الباب الإلكتروني اتفتح، واندفعت موجة من الهوا النضيف للبدروم. خرجنا بسرعة، كلنا بنسعل وبنحاول نلم أنفاسنا، لكن أمينة.. أمينة وقفت مكانها، رفضت تتحرك.
بصيت لها وهي وسط النار، وقلت لها بصوت حازم: “اطلعي يا طنط! البيت بيقع!”
بصت لي بابتسامة غريبة، ابتسامة حد استسلم لمصيره، وقالت بصوت واطي ومبحوح: “أنا ماليش مكان بره الأوضة دي.. بره الأوراق دي أنا مفيش حد. العيلة دي اتوهمت إني القوية، وأنا كنت بس سجينة أسراري.”
أحمد جري عليها، شدها من إيدها بقوة قبل ما سقف البدروم يبدأ ينهار. سحبها معانا لبره، ووقعنا كلنا في الجنينة بره البيت، بنتنفس الهوا بصعوبة. وخلال دقايق، كان البيت الكبير.. بيت “الأسرار”، بيتحول لكتلة نار ضخمة.
في اللحظة دي، عربيات المطافي والشرطة وصلت. المكان كان متراقب من ناس محمود كان متفق معاهم، وفي لمح البصر، المكان بقى محاصر. أمينة كانت قاعدة على الأرض، ملامحها ميتة، مش حاسة بحاجة حواليها. كان واضح إن الصدمة كانت أقوى من إنها تتحملها.
عدت الساعات تقيلة زي السنين. الشرطة أخدت أقوالنا، ومحمود سلمهم الملفات اللي كانت لسه معانا، والنسخ اللي كنت بعتها للمحامي. الحكاية اللي بدأت بعزومة عشا وفشلة في “صينية روست بيف”، انتهت بكشف أكبر قضية فساد وغسيل أموال في المنطقة.
مرت شهور على الليلة دي.
الحاجة أمينة دخلت المصحة، مش عشان “هوس السيطرة”، بس لأن حالتها العقلية والنفسية انهارت تماماً بعد ما فقدت كل حاجة، حتى الملفات اللي كانت بتفتكر إنها مخبياها، النار أكلت أغلبها، واللي فضل كان كافي يدينها ويدين شركائها.
دينا ومحمود قرروا يسافروا بعيد، يبدأوا حياة جديدة، بعيد عن ريحة الفساد ووجع الماضي. أما أحمد.. أحمد كان هو السند. فضل معايا، بيحاول يداوي الجروح اللي سابتها أمه في قلبه وفي حياتنا. بعنا كل حاجة تخص عيلة أمينة، وتبرعنا بجزء كبير من الورث اللي اكتشفنا إنه جه من “حرام”، وبدأنا صفحة جديدة، صفحة بسيطة، صفحة “مروة وأحمد” اللي بيحبوا بعض من غير ضغوط، من غير “حمات” بتبص بابتسامة صفرا، ومن غير أسرار مدفونة.
في يوم، وأنا واقفة في مطبخي الجديد، الصغير والجميل، كنت بجهز العشا. أحمد دخل المطبخ، وبص لي بابتسامة. كنت بعمل “روست بيف”.
ضحك وقال: “تاني؟ إنتِ لسه مصممة على اللحمة الباردة بعد اللي حصل؟”
ضحكت وقلت له: “يا حبيبي، العقدة دي انتهت خلاص. العشا ده مش عشان أرضي حد، ولا عشان أثبت إني ست بيت شاطرة.. العشا ده عشاننا إحنا.”
قرب مني، وباس راسي، وقال: “إنتِ طلعتي أقوى بكتير مما كنت متخيل. مش بس واجهتي أمي، إنتِ أنقذتينا كلنا.”
سكتت للحظة، وبصيت من الشباك للسما. افتكرت الليلة اللي اتغيرت فيها حياتي. فهمت إن الحياة مش دايما بتمشي زي ما بنخطط، وإنه أحياناً “الغلطة” اللي بنخاف منها، هي اللي بتفتح لنا باب الحقيقة.
السر اللي عرفته عن أبويا، وقدرت أتصالح معاه، خلاني أعرف إن مفيش حد كامل. أبويا كان غلطان في فترة من فترات حياته، زي ما أمينة كانت غلطانة، المهم إننا نقرر نبطل نكرر الغلط.
أنا ومروة دلوقتي، بنربي بنتنا الصغيرة اللي لسه جاية في الطريق، وبنعلمها إن الصدق هو أغلى حاجة، وإن البيت اللي بيقوم على المحبة والصراحة، مفيش قوة في الأرض تقدر تهده، ولا حتى صينية لحمة باظت في فرن ساقع.
أمينة لسه في المصحة، بنزورها أحياناً. مابتعرفناش دايماً، بتبص لنا بنظرة غايبة، وكأنها بتدور على “الملفات” اللي ضاعت منها في النار. بس لما بتمسك إيدي، بحس إن فيه بقايا روح لسه عايزة تعتذر.. روح كانت ضحية لأوهامها قبل ما تكون ضحية لجرائمها.
الحياة استمرت، والوجع بقى ذكرى، والبيت بقى دافي. اتعلمت إن الست مش بتبان قوتها في مطبخها ولا في سيطرتها على اللي حواليها، بتبان في قدرتها إنها تواجه الحقيقة مهما كانت صعبة، وإنها تبني جسور بدل ما تبني أسوار.
قفلت فرن البوتاجاز، واللحمة كانت طالعة مثالية، ريحتها مالية البيت، ريحة أمان، ريحة بيت حقيقي. أحمد جه يمد إيده، ضربت إيده بهزار وقلت: “استنى يا باشا، دي مش لحد، دي لينا إحنا.. عشا الانتصار على الماضي.”
ضحكنا، وقعدنا ناكل. العشا اللي كان المفروض يبقى فضيحة، بقى عنوان لحياتنا الجديدة.
أيوة، الماضي وجعني، والسر كسرني، بس في النهاية.. أنا اللي كتبت “الفصل الأخير” بطريقتي، وبقلمي، وبنفسي اللي اتعلمت إنها تستحق السعادة، بعيد عن كل الألعاب، وبعيد عن كل “الابتسامات الباردة”.
الحكاية خلصت، بس الحياة لسه بتبدأ. وكل لقمة بناكلها، بنحس فيها بطعم الحرية اللي دفعنا تمنها غالي.. تمن كان يستاهل، عشان نعيش باقي عمرنا بقلوب صافية، وببال مرتاح.