كنا قاعدين على السفرة الثالث والاخير
بابا وقف على بعد خطوة واحدة من أخويا. النظرة اللي في عينيه مكنتش غضب، كانت نظرة راجل مكسور الكبرياء، راجل لقى نفسه فجأة غريب في وسط بيته والكل باصص له على إنه ظالم. فضل باصص لأخويا كام ثانية، وعينيه عدت على الشنطة الكبيرة اللي في إيد ابنه، وكأن الشنطة دي هي السكينة اللي هتقطع حبل العيلة للأبد.
عم فرج فضل واقف مراقب الوضع، وماما سكتت وفتحت عينيها على آخرهم وهي بتدعي في سرها إن الليلة تعدي على خير. بابا التفت لعم فرج وقال بصوت خشن بس واطي، فيه نبرة عتاب: “ما عاش ولا كان اللي يكسر بكلمتي في السوق يا فرج.. بس البيوت ليها أسرار، وأنت دخلت في وقت مش وقتك.”
عم فرج هز رأسه وقال بحكمة: “أنا دخلت بيت أخويا وصاحب عمري يا متولي، والسر اللي بيني وبينك مبيطلعش بره.. بس ابنك هيمشي، والماشية دي مش هترجعوا بعدها زي الأول. فكها بقا يا راجل، وخلي المركب تسير.”
بابا دار وشه، وبص لأخويا اللي كان لسه ناشف ومصلب طوله على الباب. بابا مد إيده براحة، وحطها على دراع أخويا اللي ماسك الشنطة، وضغط عليها ضغطة خفيفة.. ضغطة فيها رجاء داري ومستخبي ورا هيبته. وقال بصوت هادي لأول مرة من امبارح: “نزل الشنطة دي يا وائل.. ودخل مراتك جوه.”
أخويا محركش الشنطة، وفضل باصص في عين بابا وقال بنبرة واضحة: “أنزلها عشان نتهان تاني يا بابا؟ أنا مستعد أتحمل أي حاجة، إلا إن مراتي تبكي وتتحوج وهي في بيتي.”
بابا غمض عينيه وأخد نفس طويل، وكأنه بيبتلع كبريائه كله في اللحظة دي، وبص لتسنيم اللي كانت واقفة ورا أخويا وبترتعش. بابا قال بصوت واضح وعالي عشان الكل يسمعه: “البيت ده بيتك يا بنتي.. وأنا امبارح الشيطان ركب راسي من الضغطة اللي بره في الشغل والديون اللي عليا للورشة. مكنش العيب فيكي ولا في طلبك، العيب في الزمان اللي مخلي الراجل مش ملاحق على لقمته. حقك عليا.. والجمبري اللي طبختوه الصبح، هناكل منه كلنا سوا دلوقتي.”
الكلام ده نزلت على الصالة زي البلسم. ماما شهقت من الفرحة وحطت إيدها على بوقها، وتسنيم دموعها نزلت تاني بس المرة دي دموع راحة وأمان. أخويا بص لبابا، ولقى عين أبوه مدمعة لأول مرة في حياته.. اللحظة دي كسرت كل الغضب اللي جوه وائل. ساب الشنطة من إيده فجأة، ووقعت على الأرض، وقرب من أبوه وأخده بالحضن.
الحضن ده كان فيه كلام كتير أوي مكنش ينفع يتقال. عم فرج ضحك بصوت عالي وهز الصالة وهو بيقول: “أيوا كده يا حجي متولي! هي دي الأصول اللي نعرفها عنك! يلا يا أم حسن، هاتي الطاجن ده يسخن تاني، وجيبي الشنطة التانية دي فيها شوربة وبطارخ تستاهل بوقكم.. النهارده يوم عيد في البيت ده!”
ماما جريت على المطبخ وهي طايرة من الفرحة، وأنا جرت وراها أساعدها، وتسنيم دخلت معانا وشها منور والابتسامة رجعت لوشها من تاني. رجعنا رصينا السفرة من جديد، وبابا قعد في رأسه كالعادة، وجنبه عم فرج، وأخويا ومراته قعدوا جنب بعض.
اللمة كانت دافية، وصوت الملاعق رجع يرن تاني، بس المرة دي برنين فرحة وهزار. بابا كان بياكل ويحط في طبق تسنيم وهو بيقولها: “كلي يا بنتي.. اتغذي عشان اللي جاي في السكة.” والبيت كله ضحك من قلبه.
وف وسط القعدة والانبساط ده، وعم فرج بيتكلم مع بابا في الشغل.. فجأة تليفون بابا اللي محطوط على الترابيزة بره في الصالة بدأ يرن بصوت عالي ومستمر. الرنة مكنتش عادية، كانت رنة ورا رنة كأن في مصيبة حصلت.
بابا قام وقف، واستأذن ودخل الصالة يمسك التليفون. أول ما رد، وش ملامحه اتغيرت في ثانية.. الضحكة اختفت، ووشه قلب أصفر زي الليمونة، وجسمه بدأ يترعش وهو بيسمع الكلام اللي بيتقال له في السماعة.
أخويا وائل لاحظ التغيير وقام وقف وبص له بقلق: “في إيه يا بابا؟ مين بيكلمك؟”
بابا نزل التليفون من على ودنه ببطء، وبص لنا كلنا بنظرة رعب عمري ما شفتها في عينه قبل كده، وقال بصوت حابس ومقطوع:
“الورشة.. الورشة بتتحرق، وكل الشغل والماكينات اللي فيها طارت في الهواء!”
الكلمة نزلت على دماغي ودماغ أخويا زي الصاعقة. الورشة مش مجرد مكان بابا بيشتغل فيه، الورشة دي هي عمره كله، شقا سنينه، والمصدر الوحيد اللي بنعيش منه وبنسدد منه ديوننا. في ثانية، اتحولت قعدة الفرح لخراب ملوش أول من آخر.
بابا التليفون وقع من إيده على الأرض، والشاشة اتشرخت، وفضل واقف مكانه زي اللي اتضرب على رأسه، عينيه زاغت وضهره انحنى فجأة كأنه كبر عشرين سنة في لحظة. عم فرج رمى اللقمة من إيده وقام وقف وهو بيزعق: “يا ساتر يا رب! ورشة إيه اللي بتتحرق يا متولي؟! اخلصوا يا رجالة.. بسرعة على هناك!”
أخويا وائل جرى على باب الشقة وفتح الباب وهو بيصرخ فيّ: “حسن! سيب اللي في إيدك وتعال ورايا بسرعة!” ماما وتسنيم وقفوا في نص الصالة يصرخوا ويلطموا على خدودهم، والصوت العالي ملى البيت. بابا مشي خطوتين ووقع على الكرسي وهو مش قادر يِصلب طوله، وائل رجع مسكه من تحت باطه وقومه وهو بيقوله: “اجمد يا أبا.. اجمد ورايا، طول ما احنا في ضهرك مفيش حاجة تكسرنا!”
نزلنا السلم جرى، والمنطقة كلها كانت مقلوبة. أول ما وصلنا أول الشارع اللي فيه الورشة، شفنا المنظر اللي يوقف الدم في العروق.. دخان أسود مغطي السماء، وصوت فرقعة الصاج والماكينات وهي بتاكلها النار مسموع من بعيد، والناس بتجري بجرادل المية والتراب بيحاولوا يطفوا، بس النار كانت أقوى من الكل لأن الورشة فيها زيوت وتنر ومواد سريعة الاشتعال.
بابا أول ما شاف ورشته والنار طالعة من شبابيكها، صرخ صرخة مكتومة ورمى نفسه في وسط النار، لولا إن عم فرج ووائل مسكوه بكل قوتهم وثبتوه في الأرض. بابا كان بيعافر ويصرخ: “سيبوني! شقا عمري بيروح يا فرج! ديون الناس هتحبسني يا وائل! سيبوني أموت جوة!”
في اللحظة دي، عربية الإطفاء وصلت وبدأت خراطيم المية تترفع، والناس بتزقنا لورا. فضينا واقفين تلات ساعات كاملين تحت الشمس والدخان، عينينا مش بتفارق النار وهي بتاكل كل مكنة بابا اشتراها من عرق جبينه، لحد ما النار انطفت تماماً وبقت الورشة عبارة عن كوم رماد أسود وفحم، والجدران مشققة وآيلة للسقوط.
رجعنا البيت وإحنا شايلين بابا شيل. الراجل مكنش بيتكلم، عينه مثبتة في الفراغ، وجسمه كان متلج رغم حرارة الجو. ماما أول ما شفتنا بالمنظر ده، عرفت إن كل حاجة راحت. تسنيم جريت جابت مية بليمون لبابا، وقعدت تحت رجليه وهي بتعيط وبتقوله: “فداك يا عمي.. فداك الدنيا كلها، المهم أنت تقوم بالسلامة، والفلوس بتروح وتيجي.”
قعدنا كلنا في الصالة لحد نص الليل، السكوت رجع تاني بس المرة دي مكنش صمت زعل، كان صمت مصيبة ومستقبل ضاع. بابا فجأة بص لوائل وقال بصوت مرعش ومبحوح: “الورشة كان فيها شغل لناس تقال يا وائل.. واخد منهم مقدمات فلوس عشان أشتري خشب وبضاعة، والخشب كله اتحرق. أنا هتحبس يا ابني.. أبوك شرفه هيروح في السوق.”
وائل قرب من بابا، وقعد على ركبه قدامه، ومسك إيديه الإتنين وباسهم وقال بنبرة حديد عمري ما سمعتها منه قبل كده: “شرفك مش هيروح طول ما أنا عايش يا أبا. أنا بكرا الصبح هنزل السوق، وهكلم التجار، وهبيع حتة الأرض اللي جدي سابهالي في البلد، وهنسدد كل مليم.. والورشة دي هتبنيها إيدي وإيدك من جديد.”
بابا بص لوائل ونزلت دموع حارة من عينيه، وحضنه وهو بيستغفر ربنا.
تاني يوم الصبح، بابا منامش، فضل قاعد على السجادة بيصلي ويدعي. وعلى الساعة عشرة الصبح، الباب خبط خبطات قوية ومنتظمة. أنا قمت فتحت الباب، لقيت واقف قدامي راجل هيبته كبيرة، لابس بدلة كاملة، ووراه اتنين رجالة جسمهم عريض باين عليهم حراس. الراجل بص لي وقال بصوت رخيم وفيه حدة:
“ده بيت الأسطى متولي؟ أنا الحاج عبد الحميد.. صاحب البضاعة والشغل اللي كان في الورشة امبارح.”
أخويا وبابا قاموا وقفوا بسرعة وخرجوا للصالة، وبابا وشه جاب مية لون ولون وهو حاسس إن لحظة الحساب والقرارات الصعبة بدأت دلوقتي.. والحاج عبد الحميد دخل الصالة، وبص لبابا بنظرة غامضة ومطلع من جيبه دفتر شيكات وقلم!
الحاج عبد الحميد خطى خطوات ثابتة جوه الصالة، الهيبة اللي داخل بيها خلت الكل يتسمر في مكانه. قعد على أقرب كرسي من غير ما حد يعزمه، وحط دفتر الشيكات والقلم على الترابيزة قدامه، وبص لبابا اللي كان واقف وشه أصفر وإيديه بترتعش، وورا ظهره أنا ووائل وماما وتسنيم واقفين والأنفاس كلها مكتومة.
بابا بلع ريقه بالعافية، وقرب بخطوات تقيلة وقال بصوت مكسور: “أهلاً يا حاج عبد الحميد.. أنا.. أنا عارف أنت جاي عشان إيه. موضوع الورشة ده قضاء وقدر، والنار أكلت الأخضر واليابس، وشغلك كله اتفحم.. بس أنا مش هأكل عليك مليم واحد، ابني وائل هيبيع أرضه في البلد وهنسدد لك كل مقدماتك، بس إدينا مهلة كام يوم.”
الحاج عبد الحميد فضل باصص لبابا بنظرة غامضة، ملامحه مكنتش بتقول إنه غضبان، ولا كانت بتقول إنه شمتان. فتح دفتر الشيكات براحة، ومسك القلم وكتب مبلغ، وقام وقف وقطع الشيك من الدفتر ومده بإيده لبابا.
بابا بص للشيك ورفض يمد إيده، وقال بعزة نفس رغم الكسرة: “أنا مباخدش تعويض من حد يا حاج، بضاعتك هي اللي اتحرقت وعوضك على الله، وأنا هرد لك فلوسك.”
الحاج عبد الحميد ابتسم ابتسامة خفيفة وهز رأسه: “خد الشيك يا أسطى متولي، وبص على الرقم اللي فيه الأول.”
بابا مد إيده وخد الشيك وعينيه جت على الرقم.. وفجأة عينيه اتفتحت على آخرهم وبص للحاج عبد الحميد بذهول: “إيه ده؟! ده مبلغ كبير أوي يا حاج.. ده أضعاف فلوس المقدم اللي أنت دفعته!”
الحاج عبد الحميد حط إيده في جيبه وقال بصوت جهوري ماليان ثقة: “المبلغ ده مش تعويض، ولا هو فلوسك القديمة.. المبلغ ده دفعة أولى عشان تبني الورشة من جديد وتشتري مكن أحدث من اللي اتفحم، وباقي المبلغ ده عشان تشتري خشب جديد لشغلي وشغل الناس التانية اللي اتأذت في الحريقة.”
كلنا بصينا لبعض ومش مصدقين اللي بنسمعه. وائل أخد خطوة لقدام وقال باستغراب: “بس ليه يا حاج عبد الحميد؟ أنت تاجر والسوق مبيشيلش، إيه اللي يخليك تغامر بفلوسك مع راجل ورشته بقت كوم رماد؟”
التفت الحاج عبد الحميد لوائل وبص له بحكمة وقال: “عشان السوق مبقاش فيه رجالة بأصول الأسطى متولي. أنا بقالي عشرين سنة بتعامل مع أبوك، وعمري ما شفت منه غش، ولا تأخير في ميعاد، ولا أكل حق حد. امبارح لما الحريقة قامت، رجالة السوق كلها كلمتني وقالوا لي الحق فلوسك متولي هيضيعك، لكن أنا قولت لهم: متولي لو مات هيسدد اللي عليه من تحت الأرض.. الراجل اللي زي أبوك يا ابني، اسمه في السوق ضمان أكبر من أي بنك. أنا مش بغامر بفلوسي، أنا بستثمر في راجل أصيل، وعارف إن الورشة دي هترجع تقف على رجليها في شهر واحد.”
بابا مكنش قادر ينطق كلمة واحدة، الدموع نزلت من عينيه زي الشلال، بس المرة دي مكنتش دموع كسرة، كانت دموع فخر وعزة نفس. قرب من الحاج عبد الحميد وأخده بالاحضان وهو بيقول: “ستر تني قدام عيالي يا حاج، ربنا يسترها معاك في الدنيا والآخرة.”
الحاج عبد الحميد طبطب على ضهره وقال: “شد حيلك يا أسطى، بكرا الصبح المقولين بتوعي هيكونوا عندك في الورشة عشان يشيلوا الرماد ويبدأوا بنا.. أشوفكم على خير.” ونزل الراجل وساب وراه طاقة أمل قلبت البيت كله لفرحة مكنش حد يتخيلها.
ماما قعدت في الأرض تبكي وتشكر ربنا، وتسنيم جريت جابت مية وسكر لبابا اللي كان لسه مش مصدق. وائل قرب من بابا وأخده في حضنه تاني وقال له: “شفت يا أبا؟ الأصول اللي عشت بيها طول عمرك هي اللي ردت لك اعتبارك النهارده وحمتك من الحبس.. اسمك وشرفك هما اللي بنوا الورشة من جديد قبل ما نحط فيها قالب طوب واحد.”
بابا بص لنا كلنا، وعينيه جت على تسنيم، افتكر اللحظة اللي كسر فيها بخاطرها عشان خاطر لقمة، وافتكر إزاي ربنا جازاه على طولة باله وأصوله في الآخر. قرب من تسنيم وطبطب على رأسها وقال لها بنبرة حنونة: “سامحيني يا بنتي.. البيت ده انكتب له عمر جديد من يوم ما دخلتيه، والجمبري اللي ربنا رزقنا بتمنه الصبح في عز الضيقة، كان هو السبب إننا نتلم اللمة دي ونعرف قيمة بعض.”
وفي اليوم التالي، الشارع كله كان واقف بيتفرج على العمال وهما بيبنوا الورشة من جديد، وبابا ووائل واقفين كتف في كتف بيشرفوا على الشغل، وأنا وماما وتسنيم واقفين في البلكونة بنبص عليهم والابتسامة مش مفارقة وشوشنا.. البيت اللي كان على وشك إنه يتخرب ويضيع، رجع أقوى وأمتن، لأن الأساس بتاعه مكنش فلوس ولا حيطان، كان الأصول وحب الناس وجبر الخواطر.