السر المدفون حكايات صافى هانى الاول

حماتي خدت من جوزي علبة الأكل اللي كنت عاملاها له بإديا وحياتي عشان تدّيها لابنها المدلع، اللي مبيشتغلش وقاعد في البيت. 💔 خمس سنين وأنا شايفاها بتسرق الشقيان اللي طالع عينه عشان تأكل اللي مبيعملش أي حاجة في دنيته. امبارح بقا، وربنا ما قدرت أمسك نفسي وخلصت حقي وحق جوزي: شدّيت من إيدها ورق العربية اللي كانت عايزة تلطشها مننا، وقفلت عليها الدرج بالمفتاح، وطردتها من مطبخي قدام ابنها نفسه. النهاردة إخواته البنات كاتبين لي وبيشتموني إني حرامية وقليلة الأصل، وإزاي أعمل كده في ست كبّارة في السن. 😰 وأنا فعلاً عملت كده، أيوة خطفت حاجة من إيد الست دي. بس مكنش الورق وبس. لما شدّيت الظرف منها، وقع من شنطتها القماش حاجة من امبارح مش عارفة أشيلها من دماغي ولا قادرة أنام بسببه. 😱

​هحكي لكم الحكاية من الأول، عشان محتاجة حد يقول لي أنا غلطانة ولا لأ.

#حكايات_صافي_هاني

​أحمد هو الطيب، الجدع. هو اللي بيدفع فواتير أمه، وعمره ما بيقول لها لأ أبدًا. بيشتغل 12 ساعة في الورشة ويرجع كمان يسألني لو ناقصها أي حاجة عشان يجيبها لها.

​التاني بقا، مصطفى، هو اللي متشال على كفوف الراحة. عنده تلاتين سنة، مبيشتغلش، ومقضيها صياعة وخروج. وحماتي بتسامحه على الطالعة والنازلة وتعدّي له أي حاجة.

​أنا كل يوم بالليل بجهّز لأحمد علبة الأكل بتاعته. اللحمة والرز والخضار عشان يسند طول يوم الشغل التعبان فيه.

​يوم الأربع اللي فات، هي نزلت الورشة فجأة وقت الغدا، قال إيه “كانت بتشتري حاجات ومعدّية بالصدفة”. أحمد كان شغال في موتور وعاكسه، وساب علبته مقفولة على الترابيزة.

​شافتها، فتحتها، وحطتها في الشنطة بتاعتها. كده عيني عينك ومن غير استئذان.

​لما أحمد جه ياكل، ملاقاش لقمة. كلمها في التليفون، ردت بكل برود وقالت له إنها دفت الأكل لمصطفى، أصل عيني “مصطفى مفطرش”، وأنت ما شاء الله صحتك حلوة وتستحمل، انزل هات لك باكو بسكوت كلْه!

​أحمد رجع البيت جعان وهموت من التعب بعد 12 ساعة شغل. حكى لي وهو موطي راسه في الأرض. نفس النظرة المكسورة اللي بيبص بيها دايماً.

​أنا ساعتها افتكرتها كسوف وإحراج. دلوقتي بقا مبقتش عارفة أفسرها بإيه.

​لأن كان فيه حاجات وقتها مكنتش راكبة معايا، بس أنا عدّيتها من كتر الغل والعصبية اللي كنت فيها.

​أول حاجة: لما أحمد عاتبها في التليفون على موضوع الأكل، كنت واقفة جنبه. والست دي، بكل بجاحتها، مقفلتش السكة وهي بتزعق لي. لأ، صوتها اتهز واتشرخ. قفلت بسرعة البرق، زي اللي خايف حد يسمعه وهو بيعيط.

​استغربت جداً. بس عدّيتها.

​تاني حاجة: مصطفى بقاله يجي تمن شهور مبيحضرش معانا أي لِمة عيلة ولا عزومات. كنت بقول لنفسي تلاقيه صايع في حتة ولا مقضيها سهر. بس أخته الصغيرة، في يوم تاه منها الكلام وقالت: “أصل مصطفى مابقاش يخرج خالص”، وسكتت فجأة وحطت إيدها على بوقها كأنها اتكلمت في اللي ملهاش فيه.

​استغربت جداً. وبرضه عدّيتها.

​وبعدين بقا جه حوار العربية.

​اشتريناها أنا وأحمد من سنتين بشقانا. وعشان إجراءات الترخيص، اتكتبت باسم عمه. وحماتي راحت لعمه وفضلت تحايل وتزن عليه لحد ما أقنعته يمضي لها على ورق التنازل، عشان على أساس يعني، تدّيها لمصطفى هدية في عيد ميلاده.

​بس كان فيه تفصيلة غريبة. عمه لما حكى لي، قال لي إنها سألته سؤال واحد بس قبل ما يمضي: “هي العربية دي تشيل مشوار طويل، رايح جاي، يوم ويوم لأ؟”

​بذمتكم، دي عربية هدية عيد ميلاد، مين هيهمه التفصيلة دي؟

​استغربت جداً.

​وبرضه فوتها وعدّيتها.

​امبارح العصر، لقيتها داخلة بيتي والضحكة من الودن للودن ومعاها شنطتها القماش.

​دخلت من غير ما تخبط حتى. طلعت الظرف اللي فيه ورق التنازل وحطته على ترابيزة مطبخي، وبتتمنظر قدام أحمد وتقول له إن العربية خلاص بقت “بتاعت العيلة بجد”.

​أنا شفتها وهي بتحط الورق ده على ترابيـزتـي أنا، وحاجة جوايا ولعت نار.

​لفت ضهرها عشان تصب كوباية مية لابنها.

​وأنا مفكرتش مرتين.

​قربت، خطفت الظرف —العقود، وصورة بطاقة عمه، والإمضاءات— وحشرته في الدرج. ولفيت المفتاح. وشلت المفتاح في حتة أمان معايا.

​لفت وشها. لقت الترابيزة فاضية. والضحكة اتمسحت من على وشها تماماً.

​— رجعي لي ورقي.

​— لأ.

​— أنتِ هنا ملكيش لزمة ولا كلمة.

​— الورق ده بتاع العربية اللي إحنا دافعين تمنها من دمنا.

​شفايفها بدأت تترعش. وقالت لي كلمة وقتها مكنتش فاهماها:

​— العربية دي أنا محتاجاها أكتر منكم بكتير. وأنتِ متعرفيش ومستحيل تتخيلي محتاجاها في إيه!

​أنا قولت ده تمثيل وشغل حموات والفيلم الهندي بتاع كل مرة.

​وقفت في وشها وقولت لها: زي ما إيدك كانت طويلة وقدرت تاخدي اللقمة من بوق ابنك الشقيان، أنا إيدي حامية وأعرف أرجع حقي. اتفضلي بقا اطلعي برة بيتي.

​أحمد أخيرًا نطق واتحرك. فتح الباب لأمه، وطلب منها تمشي.

​وهي مشيت. بس ممشيتش مشية ست اتكشفت وهي بتسرق.

​كانت ماشية على الرصيف وبتعيط بحرقة، عياط مكنش فيه غل ولا عصبية خالص. كانت بتصرخ وتقول: “أنتِ مش فاهمة حاجة.. هيجي يوم وتفهمي وتندمي عمرك كله”.

​أنا قفلت الباب وراها وكلّي كبرياء وفخر باللي عملته.

​لفيت وشي لأحمد عشان يصفق لي ويقول لي برافو عليكي.

​لقيت أحمد ساند ضهره على الحيطة، ومخبي وشه بين إيديه، وجسمه كله بيتفض ويتعصر من العياط.

​طول الليل منمتش. فتحت الدرج عشان أشوف الورق اللي أنا خبيته ده كويس.

​بين العقود، كان فيه ورقة تانية مطبقة، هي دي اللي وقعت من شنطتها وهي ماشية.

​مكنتش وصل ولا فاتورة.

​دي كانت لستة مكتوبة بخط إيدها المرعوش. مواعيد. نقط بالمللي. واسم دوا اضطريت أبحث عنه على الموبايل وإيديا متلجة ومش قادرة أمسكه. وفوق خالص، ومتحاوط بخطين، اسم مصطفى.

​العربية مكنتش هدية عيد ميلاد ولا حاجة.

​العربية دي كانت عشان تاخده بيها يوم ويوم لأ، رايح جاي، للمستشفى عشان جلسات الكيماوي والغسيل، في المكان اللي أمه مكنتش عايزة حد من العيلة يعرفه ولا يسأل عنه عشان ميكسرش هيبة ابنها.

​افتكرت أحمد وهو بيتفض وساند على الحيطة. واشمعنى دايماً بيوطي عينه في الأرض ومبيكسرش كلمة لأمه. واشمعنى الست دي كانت مستعدة تخليني أكرهها وأشوفها حرامية، لمجرد إنها تخبي السر ومحدش يسأل عن ابنها.

​النهاردة كلمت أحمد في الورشة. قولت له: “أنا عرفت كل حاجة”.

#حكايات_صافي_هاني

​وجوزي، اللي شال الهم ده لوحده بقاله تمن شهور وساكت عشان ميقسّمش ظهري ولا يكسر قلبي، خد نفس طويل ودموعه نزلت، وقال لي السر اللي أخوه خلاه يحلف على المصحف إنه ميعرفنيش بيه بالذات، عشان:

 

#حكايات_صافي_هاني

يتبع في التعليقات ❤🌹♥♥♥🌹🌹🌹🌹♥♥

 

فجأة الأوضة اتملت بصوت الصفير المستمر المرعب اللي بيعلن إن النبض بيقف، وأحمد رمى نفسه على أخوه وهو بيصرخ بهيستريا: “مصطفى! رد عليا يا مصطفى متسبنيش!”، ومنى وأمها جريوا لجوه وهما بيصوتوا ولطموا على وشوشهم، في وسط الكركبة دي والكل ملموم حوالين السرير يحاولوا يفوقوه، أنا مكنتش شاعرة بالدنيا حواليا، عيني كانت متثبتة على التقرير القديم اللي مكتوب فيه إن نخاع أحمد متطابق بنسبة 100% مع مصطفى، دماغي بدأت تربط الأحداث بسرعة جنونية، خمس سنين وأنا فاكرة إن أحمد شقيان في الورشة 12 ساعة عشان يادوب نعيش، وخمس سنين وهو دايماً وشه أصفر وتعبان وجسمه مهدود، ودلوقتي بس فهمت النظرة المكسورة اللي في عينه دايماً لما أمه تاخد منه حاجة، أحمد مكنش بيشتغل طول الوقت ده في الورشة بس، أحمد كان بيتبرع لأخوه سيل من الخلايا والدم والنخاع في السر من سنين، وهو اللي شايل سر مرض أخوه من أول يوم ومخبي عليا عشان عارف إني هخاف عليه وأرفض إنه يضحي بصحته، حماتي مكنتش بتدلع مصطفى، دي كانت بتحاول تداري الجري..مة الإنسانية اللي أحمد بيعملها بحب عشان ينقذ أخوه من غير ما يتهد بيته معايا، انتبهت من صدمتي على صوت أحمد وهو بيعيط بحرقة ويمزق قميصه ويقول لأمه: “مصطفى بيموت يا أمي! جهاز التنفس مش مطلع نفس! هاتي ورق العربية بسرعة لازم ننقله المستشفى حالاً!”، منى رمت له الظرف وهي بتترعش وأحمد خطفه وجري على السرير يشيل أخوه بين إيديه وهو زي الخشبة، وبص لي وعينيه حمرا زي الدم وقال لي بصوت زلزل الأوضة: “لو أخويا جرى له حاجة يا صافي، عمري ما هسامحك ولا هسامح نفسي إننا اتأخرنا بسببي وبسبب الخناقة على ورق عربية ملهاش لازمة!”، شال مصطفى وخرج بيه يجري على السلم وأمه ومنى وراه بيصرخوا في ضلمة البيت، وأنا وقفت لوحدي في الأوضة الفاضية، ماسكة التقرير القديم بإيد بتترعش، والدموع بتنزل على الورقة تمحي الحروف، حاسة إن العمر كله ضاع مني في ثانية، وإني بقيت المتهمة الأولى في نظر الراجل اللي عشت عشانه خمس سنين وكنت فاكرة إني بحميه، وهو في الحقيقة كان بيحمي عيلته كلها من الموت والكسرة وسايبني دايسة على جرحه وأنا مش دارية.🌹🌹

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *