فى عزومه الغدا بتاع العيد صافى هانى الاول

في عزومة الغدا بتاعة العيد، أمي مالت عليا وقالتلي بصوت واطي: “مظنّش ينفع تفضل عالة على العيلة أكتر من كده”.

​ولا واحد من اللي قاعدين على السفرة حتى وقّف أكل.

​روّحت بيتي في سكون تام، فتحت اللاب توب بتاع، وبكل برود وقفت كل قرش كنت بدفعه، وأقساط القروض اللي كنت بسددها، ومصاريف شاليه الساحل اللي كنت شايلها لوحدي بقالي سنين.

​بعدها بتلات أيام، أخويا كلمني وهو هيموت من الرعب عشان النور والمية اقطعوا عن الشاليه.

​وبعدها بأسبوع، أمي وصلها إنذار قضائي من محامي عمري ما كنت أتوقع إنها تشوفه.

​أنا فاكر كويس وأنا بموّل لself أخويا الكبير سبت العيش، وقتها جالي إحساس غريب إن الغدا ده كله كان مسرحية متفبركة، وكأن كل واحد قاعد كان حافظ دوره ومتدرب عليه كويس.

​أمي سألت بابتسامة عريضة ومنورة: “تزود بطاطس؟”

​أبويا رد وهو بيظبط الفوطة على رجله باهتمام مبالغ فيه وكأن الإتيكيت والمظاهر أهم من الحقيقة المرة اللي قاعدة معاهم على نفس السفرة: “يا ريت”.

​أخويا كريم رمى إيفيه عن تخن الشتا. ومصطفى هز دماغه بالموافقة وهو بيتكلم عن الجو. وأمي ضحكت ضحكتها الرقيقة المكتومة اللي بتطلعها لما تحب تبين للناس إن كل حاجة تمام ومفهاش غلطة.

​كنت لسه بمد إيدي أخد سلطانية الشوربة لما أمي مالت عليا. كتفها اتحرك ناحيتي، وريحة برفيومها غطت على ريحة الأكل اللي على السفرة.

​من غير ما تبص في عيني حتى، همست: “يا كريم، لازم تبطل تعتمد على العيلة بقا”.

​إيدي وقفت في الهوا.

​لثانية واحدة، شكيت إن يمكن أكون سمعت غلط. الكلام كان مترتب قوي، ومقصود قوي، وفيه قسوة متليقش أبدًا بأجواء العيد واللمة وصوت المعالق والشوك.

​سألتها: “نعم؟”

​حطت حتة خضار في طبقها بكل برود وهدوء، وطبطبت بالمنديل على بوقها، وبعدين لفت وشها ليا وقالتهالي في وشي:

“لازم تكبر بقا، إحنا مش هنفضل شايلينك طول العمر”.

​الصالة مهدأتش ولا دقيقة.

​وده أكتر حاجة وجعتني.

​صوت التلفزيون فضل شغال، كريم أخد بق من عصيره، ومصطفى بص في طبقه، وأبويا فضل يقطع الفراخ لحتت صغيرة بمنتهى البرود. محدش سألها قصدك إيه، محدش دافع عني، ولا حتى حد ظهر على وشه علامات الصدمة.

​سكوتهم كان هو الرد.

​في اللحظة دي، كل الذكريات القديمة هجمت على دماغي مرة واحدة.

​أنا وأنا عندي 19 سنة، وبسوق عربيتي الساعة تلاتة الفجر في عز الكحل عشان مصطفى كلمني أنقذه بدل ما يطلب تاكسي.

​أنا وأنا عندي 22 سنة، واقف بخلص إجراءات المستشفى لكريم وهو واقف يضحك ويهزر مع الممرضة.

​أنا وأنا عندي 25 سنة، شايل فواتير الكهرباء، والضرائب، وتصليحات البيت، لمجرد إن أمي كانت دايما تقول: “أصل إنت بتفهم في الحاجات دي يا حبيبي”.

​أنا من تلات شهور بس، كنت صاحي نص الليل وبدفع فاتورة شاليه الساحل والمصاريف بتاعته عشان خروجة ولاد خالتهم متبوظش.

​سنة ورا سنة، كنت أنا اللي بحل المشاكل، وبدفع الفواتير، وبشيل الأزمات، وبحاميلهم من أي عواقب.

​وفي الآخر، بقيت أنا اللي عالة عليهم وبعتمد عليهم!

​مصطفى برطم وهو لسه رافض يبص في عيني: “أمي قصدها إن الاستقلال هيبقى كويس عشانك، إنت بقيت… بعيد عننا الفترة اللي فاتت”.

​بعيد!

​كنت هضحك من قلبي والله.

​ده الاسم اللي بيسموهولك لما تبطل ترد على مكالماتهم في ثانية. دي الكلمة اللي بيلبسهالك لما كلمة “من عيوني” تتحول بالتدريج لـ “مش هقدر”.

​كريم هز كبيته وقال ببرود وتناكة: “لو عندك أزمة مادية قولي، محدش هيحاسبك يعني”.

​هي دي بقا.

​دي النسخة اللي بتريحهم وتعجبهم.

​مش إن أنا اللي كنت شايلهم سنين.

​ولا إنهم استندلوا وارتاحوا على قفايا.

​لأ… في قصتهم هما، أنا المشكلة، وأنا العبء.

​بصيت لأمي، فضلت مبحلقة فيا ومن غير أي نقطة ندم في عينيها. الكلمة دي مخرجتش منها غلطة، دي كانت مرتبالها، ومختارة الوقت الصح، وكانت مستنياني أعيط أو أزعق أو أدافع عن نفسي عشان تطلعني في الآخر أنا اللي مجنون ومش متزن.

​بدل كل ده، قولت ببرود: “تمام”.

​ملامح وشها اتشدت.

​الرد ده مكنش مكتوب في السناريو بتاعها.

​زقيت الكرسي لورا، ورجلين الكرسي عملت صوت عالي على الأرض. أبويا رفع عينه بصلي، مصطفى اتهز في قعدته بقلة راحة، وكريم كان بيبصلي وكأن الموضوع مسلي بالنسبة له.

​قولت: “أنا ماشي”.

​أمي زعقت ونبرة الهدوء المزيف بتاعتها اتمزقت أخيرًا: “بلاش دراما وشغل عيال بقا!”

​رديت عليها: “مش دراما، أنا سمعتك كويس وفهمت”.

​الجملة دي ضايقتها أكتر من أي خناقة كنت ممكن أعملها.

​شربت بق المية اللي فاضل في كبايتي، حطيتها بالراحة، ومشيت ناحية الطرقة.

​محدش جري ورايا.

​محدش قالي استنى.

​في المراية اللي جنب باب الشقة، وشي كان هادي ومظبوط جدًا. أي حد يشوفني يفتكرني نازل ورايا مشوار مهم عادي.

​ومن ورايا، سمعت ضحكة حد فيهم.

​وبعدين حد طلب يمرروله طبق السلطة.

​فتحت الباب وخرجت.

​الهواء الساقع خبط في وشي، كان حقيقي وصادق، مش زي الدفا المزيف اللي جوه البيت ده. وقفت ثواني وأنا سامع من ورا الباب المقفول صوت عيلتي وهم مكملين أكل وضحك وكأن مفيش أي حاجة حصلت.

​ركبت عربيتي.

#حكايات_صافي_هاني

​الهدوء حاصرني في ثانية.

​معيطتش.

​وإيدي ماتهزتش.

​كل اللي كنت حاسس بيه هو إن الأمور بقت واضحة وضوح الشمس.

​هما بجد مصدقين إن أنا اللي محتاجهم.

​وعايشين الوهم إن هما اللي شايليني.

​الإحساس كان كأنك اكتشفت إنك قضيت عمرك كله واقف ورا مراية من اتجاه واحد؛ شايفهم وعارفهم، وهم مش شايفين غير نفسهم.

​دورت العربية ومشيت. وفي المراية الصالون، البيت كان بيصغر ويبعد، كان باين من بره منور ودافي ومثالي.

​بس الصور عمرها ما بتبين الطرق المستخبية اللي بني آدم ممكن يتلغي ويموت فيها بالبطيء جوه عيلته.

​كانت فاكرة إن هما السند.

​وهم كانوا فاكرين إنها الحمل الزيادة.

يتبع في التعليقات ♥♥♥🌹🌹🌹🌹

#حكايات_صافي_هاني

الطريق للبيت كان أهدى طريق سُقته في حياتي. مفيش راديو شغال، مفيش دوشة في دماغي، مفيش غير صوت الموتور وإحساس غريب بالخفة، كأن في جبل هموم اتشال من على كتافي واترما على الأسفلت ورايا.

​أول ما فتحت باب شقتي، استقبلني الهدوء اللي بجد. الضلمة كانت مريحة مش مخيفة. مدخلتش أنام، ولا حتى غيرت هدومي. رميت المفاتيح على الترابيزة، فتحت اللاب توب بتاعي، وقعدت قدام الشاشة.

​الموضوع كله مكنش محتاج أكتر من ربع ساعة وكام ضغطة ماوس، بس كل ضغطة كانت بتفك سلسلة كانت خانقاني بقالها سنين.

​دخلت على حسابي في البنك. أول حاجة عملتها، لغيت التحويل التلقائي لقسط عربية أخويا “مصطفى”. العربية اللي كان بيتباهى بيها قدام أصحابه وبيعتبرها من شقاه، وهو ميعرفش طريق البنك أصلاً.

​الخطوة التانية، فواتير الشاليه بتاع الساحل. دخلت على الأبلكيشن، مسحت بيانات الكارت بتاعي من على عداد الكهربا والمية، ولغيت اشتراك الصيانة السنوية.

​الخطوة التالتة والأهم… الكارت الائتماني (الكريدت كارد) الإضافي اللي كنت مطلعه لأمي. الكارت اللي كانت بتصرف منه على لبسها، وعزايمها، ومظاهرها الكدابة قدام قرايبنا وصحباتها في النادي. دخلت على إعدادات الكارت، وضغطت “إيقاف نهائي – فقدان/سرقة”.

​قفلت اللاب توب، رجعت ضهري لورا، وخدت نفس عميق. لأول مرة من سنين أحس إن فلوسي ومجهودي بقوا بتوعي أنا وبس.

​عدى يومين والتليفون مرنش. كنت عارف إنهم بيكابروا، أو متخيلين إنها “زعلة” وهتروح لحالها، وإني كالعادة هضعف وأتصل أعتذر على حاجة معملتهاش وأرجع أفتح الحنفية تاني.

​بس في اليوم التالت، وتحديداً يوم الخميس بالليل، التليفون نور. كان “مصطفى”.

​سيبته يرن لحد ما قرب يفصل، وبعدين رديت ببرود: “ألو؟”

​صوته كان عالي ومخضوض، وفيه نبرة عصبية مسمعتهاش منه قبل كده: “إنت فين؟ إنت قفلت النور والمية عن الشاليه؟ إحنا في نص الويك إند، وصحابي كلهم معايا، والدنيا ضلمت علينا فجأة والأمن بيقولوا مفيش رصيد في العدادات!”

​ابتسمت ابتسامة خفيفة ومحدش شايفني، ورديت بنفس الهدوء: “أيوة، وقفت الدفع. مش أمي شايفة إني لازم أستقل وأبطل أعتمد عليكم؟ أنا بنفذ كلامها. استقلوا إنتو كمان وادفعوا فواتيركم.”

​مصطفى زعق: “إنت بتهزر؟ إنت هتفضحني قدام الناس؟ ادخل اشحن العدادات دي فوراً وبطل لعب عيال!”

​قولتله: “لعب العيال ده أنا بطلته من يوم الغدا إياه. سلام يا درش، وابقوا ولعوا شمع.”

​قفلت السكة، وعملت لرقمه بلوك.

​مر أسبوع بالتمام والكمال. الأسبوع ده أنا مكنتش قاعد فيه ساكت، أنا كنت بجهز للضربة اللي هتفوقهم بجد. رحت للمحامي بتاعي، وطلبت منه يبعت إنذار قضائي رسمي لأمي وأبويا.

​الإنذار ده مكنش مجرد إنذار بقطع مصاريف… كان إنذار “بإخلاء”. الفيلا اللي هما عايشين فيها، واللي أمي بتعتبرها مملكتها وبتستقبل فيها ضيوفها وتتعالى عليهم بيها، مكتوبة باسمي. أنا اللي شاريها، وأنا اللي دافع تمنها طوبة طوبة من شغلي وسهري، وكنت سايبهم قاعدين فيها براحتهم من باب بر الوالدين. بس طالما أنا “عالة”، يبقى العالة محتاج بيته.

​كنت قاعد في مكتبي بشرب قهوتي ومستني مكالمة المحامي يأكدلي إن المحضر سلمهم الإنذار وإنهم استلموه. كنت متخيل شكل أمي وهي بتقرا الورقة، متخيل صدمتها إن “الابن المضمون” كشر عن أنيابه.

​وفعلاً، تليفوني رن. كان المحامي بتاعي.

​رديت بسرعة: “أيوة يا متر.. طمني، استلموا الإنذار؟”

​صوت المحامي مكنش فيه أي نبرة انتصار، بالعكس، كان صوته مهزوز وفيه توتر غريب: “استلموه يا أستاذ… بس في كارثة إنت متعرفهاش.”

​قلبي اتقبض فجأة: “كارثة إيه؟ محصلش إخلاء؟”

​المحامي أخد نفس تقيل وقال: “والدتك لما المحضر راحلها، متهزتش. دخلت جابتله ورق رسمي وصورتهوله… الورق ده بيثبت إن الفيلا دي مبقتش بتاعتك. الفيلا اتباعت لأخوك مصطفى من ست شهور… بنقل ملكية وتوكيل رسمي عام منك شخصياً!”

​وقفت من على الكرسي كأن عقربة لَدغتني، وصرخت: “توكيل؟ توكيل إيه؟! أنا عمري ما عملت توكيل لأي حد فيهم، ولا بعت حاجة لمصطفى!”

​رد المحامي بصوت واطي ومرعب: “المشكلة يا أستاذ إن التوقيع على التوكيل توقيعك… والبصمة بصمتك إنت. افتكر كويس… هما مضّوك على إيه من ست شهور وإنت مش واخد بالك؟”

​التليفون وقع من إيدي… والدم هرب من عروقي، وعيني ثبتت على الفراغ، وأنا بفتكر اليوم اللي أمي جاتلي فيه المستشفى وأنا لسه فايق من البنج، ومعاها ورق كتير وقالتلي…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *