كل الموظفين محمد نور
كل الموظفين في المصنع كانوا بيرفضوا يقعدوا جنبي وقت الغدا، لحد ما المدير العام بنفسه عدّى قاعة الطعام قدام 80 موظف، ووقف عند ترابيزة أكلي وسألني ممكن أقعد هنا؟
حماتي السابقة بصّتلي، ومالت ناحيتي وهمست بسخرية اتبسطي باللحظة دي طول ما هي مستمرة.
ما رديتش عليها، لكن في الليلة دي، طلّعت كارت بريد قديم كان جوزي المټوفي بعتهولي قبل مۏته، كارت واحد بس كان ممكن يهدّ الحكاية اللي كل الناس مصدقاها.
بعد ست أسابيع بس من يوم ما بدأت شغلي في مصنع الجالفيز للأغذية، كنت فهمت قاعدة محدش كلّف نفسه يشرحها لي وقت الغدا، محدش بيقعد معايا.
مش مهم كام كرسي فاضي حواليا.
لو اتجهت ناحية ترابيزة، ألاقي حد حاطط شنطته على الكرسي اللي جنبُه.
ولو بصّيت على كرسي تاني، أسمع حد بيقول بسرعة الكرسي ده محجوز.
ولو قربت من الترابيزة الطويلة اللي بيقعد عليها الموظفين القدام، ألاقي صوت الكلام بيقل بالتدريج لحد ما أعدّي من جنبهم.
وفي الآخر، بطّلت أحاول.
يوم التلات، سخّنت رز بالفراخ بتاعي في الميكروويف، ونضّفت الطبق الدوّار بإيدي لأن حد كان سايب عليه صلصة ناشفة، وبعدها أخدت أكلي ورحت قعدت على ترابيزة صغيرة جنب الشباك، رجل منها كانت
بتتهز، وحواليها كرسيين بس.
اسمي رانيا منصور، عندي 30 سنة، وبشتغل في قسم مراقبة الجودة في مصنع لتجهيز الفول السوداني، على أطراف مدينة المنصورة.
أنا شاطرة في شغلي.
وده كان الشيء الوحيد اللي كنت محتاجة أفكّر نفسي بيه كل يوم.
فتحت الكتاب اللي كنت باقرا فيه، وطلّعت أكلي، وحاولت أتجاهل الضحكات اللي كانت جاية من ناحية الترابيزة الطويلة.
وفجأة، قاعة الطعام ڠرقت في سكوت غريب.
رفعت عيني.
كان الأستاذ محمود الشناوي، المدير العام وصاحب المصنع، جاي ناحيتي وهو شايل صينية الأكل في إيده.
مكنتش شوفته عن قرب غير مرات قليلة. كان في أوائل الأربعينات، لابس قميص أبيض ورابط الكرافتة بتاعته بشكل مرتخٍ شوية، وعلى وشه ملامح الإرهاق اللي بتظهر على الناس اللي طول الوقت بيحلّوا مشاكل محدش غيرهم مستعد يشيل مسؤوليتها.
قمت من مكاني بسرعة.
قلت له اتفضل يا فندم، ممكن تستخدم الترابيزة.
قطّب حواجبه شوية وقال مش عايز آخد مكانك.
قلت وأنا بشاور على الكراسي في كراسي تانية كتير.
رد بهدوء عارف.
وبعدين أشار للكرسي اللي قصادي وسألني
ممكن أقعد هنا؟
في اللحظة دي، كنت حاسة بثمانين عين متثبتة علينا.
قلت بتردد مش متأكدة إن دي فكرة كويسة يا
فندم.
سألني ليه؟
بصّيت ناحية الترابيزة الطويلة.
وهناك كانت قاعدة الحاجة نوال.
حماتي السابقة.
كانت ماسكة معلقة كبيرة، وبتوزّع الفول السوداني المسلوق على الموظفين، بنفس الطريقة اللي كانت بتعمل بيها زمان في تجمعات العيلة.
لمدة تمان سنين، كانت بتناديني يا بنتي، وكانت بتعاملني كأني واحدة من بناتها.
لكن بعد ۏفاة ابنها أحمد، بطّلت حتى تنطق اسمي.
المدير محمود فضِل واقف مستني ردي.
وفي الآخر، هزّيت راسي وقلت اتفضل يا فندم.
قعد قدامي.
وبعد دقيقتين بس، ظهرت الحاجة نوال جنب ترابيزتنا.
ابتسمت وقالت يا أستاذ محمود، مكان حضرتك وسطينا هناك، إحنا مجهزينلك مكانك.
رد عليها من غير ما يغيّر نبرة صوته أنا مرتاح هنا يا حاجة نوال.
فضلت محتفظة بابتسامتها.
وبعدين انحنت ناحيتي، وكأنها بتظبط علبة المناديل اللي على الترابيزة.
وهمست في ودني اتبسطي باللحظة دي طول ما هي مستمرة.
وبعدها اعتدلت ومشيت قبل ما ألحق أرد عليها.
المدير محمود ما بانش عليه إنه سمع حاجة.
بصّ على طبقي وسألني بجدية مصطنعة هو إنتوا بتسوّوا الخضار زيادة عن اللزوم كده كل يوم؟
بصّيتله باستغراب من الساعة تسعة الصبح، يا فندم.
هزّ راسه وقال يبقى الخضار دلوقتي
بيطلب الرحمة.
ضحكت من غير ما أقصد.
كانت أول مرة من