كل الموظفين محمد نور
وهي شايلة صينية أكلها.
وبعدها موظفة تانية قامت.
وبعدين واحدة كمان.
واحدة ورا التانية، بدأوا يقرّبوا الكراسي من ترابيزتنا.
محدش صفق.
محدش وقف يلقي خطاب.
كل اللي حصل إنهم أخيرًا بطلوا يبعدوا عني.
بعد الضهر، مروان دخل مكتب الأستاذ محمود واعترف بكل حاجة بالتفصيل.
الأستاذ محمود فصله من الشغل.
وأصدر تعليماته بمراجعة كل الشحنات اللي مروان تعامل معاها، وكل سجلات مراقبة الجودة خلال الشهور اللي فاتت.
ولما سألني إذا كنت عايزة أعمل محضر رسمي ضد مروان، قلت له لأ.
اللي عمله كان خطېر، ومش هيتحول لتصرف مقبول لمجرد إنه كان بيمر بأزمة نفسية أو عائلية.
لكن في نفس الوقت، ما كنتش عايزة شهر واحد من اليأس يدمّر بقية حياته بالكامل.
الأستاذ محمود احترم قراري، مع احتفاظه بحقه في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المصنع والناس.
الساعة كانت أربعة العصر، لما دخل الأستاذ محمود المعمل بتاعي.
حطّ جواب الاستقالة فوق الترابيزة.
وقال
النهارده الجمعة.
بصّيت للجواب.
مدّيت إيدي وأخدته.
وبعدين قطعته نصين.
ورجعت قطعته مرة تانية.
الأستاذ محمود طلع نفس طويل، كأنه كان حابس أنفاسه من ساعة ما شافني داخلة مكتبه أول مرة.
قال
فيه حاجة بقالي أسابيع عايز أسألك عنها.
بصّيتله.
إيه هي؟
رد
مش هنا.
وبعدها مشي.
تاني يوم، لقيته واقف قدام بيت جدتي.
من غير بدلة رسمية.
ومن غير كرافتة.
كان لابس بنطلون جينز وقميص أزرق، وحاطط إيديه في جيوبه.
بصّلي وقال
عزومة عشا.
استغربت.
كمل بسرعة
بره المصنع، طبعًا.
سيبته يستنى كام ثانية قبل ما أرد.
وبعدين قلت
مرة واحدة بس.
ابتسم وقال
مرة واحدة.
قلت بحزم
من غير وعود.
رد
من غير وعود.
رحنا مطعم صغير في المنصورة.
طلبنا أكل بلدي، وفضلنا نتكلم لحد ما العاملين بدأوا يلمّوا الكراسي استعدادًا للقفل.
ما كنتش متخيلة إني ممكن أحب شخص تاني في يوم من الأيام.
وبالأخص الشخص اللي كل اللي عمله في البداية إنه وقف قدامي وسألني إذا كان ممكن يقعد جنبي.
بعد عشرة شهور
لسه بشتغل في المعمل.
نفس الوظيفة.
ونفس جهاز قياس الرطوبة.
ولسه عندي نفس العادة القديمة باخد حبة فول سوداني، وبحطها قدام النور عشان أتأكد من شكلها وجودتها.
دلوقتي، بعض الموردين بقوا يطلبوا إن أنا شخصيًا اللي أفحص شحناتهم، لأنهم عارفين إني مش هغيّر نتيجة تحليل عشان أرضي حد.
حتى عم جابر نفسه.
الحاجة نوال رجعت الشغل في المصنع.
ولمدة ست جمعات متتالية، كانت بتحط جنب صينية أكلي كيس زيادة من الفول السوداني المسلوق.
وفي الجمعة السابعة، اعترفت أخيرًا وهي بتبص حواليها عشان تتأكد إن محدش سامعها
أنا بعمل كمية زيادة عن قصد. بس أوعي تقولي لحد!
ضحكت.
ورجعنا نتعشى سوا في بيتها بعض أيام الأحد.
ومرتين، رحنا المقاپر مع بعض.
وقفنا قدام قبر أحمد.
ما اتكلمناش.
ما كانش فيه داعي للكلام.
داليا بعتت كارت تهنئة في عيد الميلاد.
والحاجة نوال ردّت عليها.
أما مروان، فبقى بيشتغل مع عمه في الأرض الزراعية.
بقى أهدى من الأول، وخسّ شوية من وزنه.
وفي يوم، وصل المصنع بأول شحنة من المحصول الجديد.
بصّلي وقال
افتكرت إن المفروض إنتِ اللي تفحصيها.
فحصتها.
وكانت سليمة.
الأستاذ محمود لسه بيشتغل أكتر من اللازم.
ولسه بينسى ياكل لما تكون عنده مشكلة كبيرة.
لكن كل يوم جمعة، بينزل قاعة الطعام.
يدوّر على أي شخص قاعد لوحده، ويسأله إذا كان ممكن يقعد معاه.
أحيانًا بيكون الشخص ده أنا.
وأحيانًا بيكون حد تاني.
وده أكتر شيء بحبه فيه.
هو ما اعتبرنيش مشروع لازم يصلحه.
ولا حاول ينقذني.
كل اللي عمله إنه وسّع لي مكان جنبه، وسابني أتعلم إزاي أبطل أختفي من حياة الناس.
بعد سنة كاملة من أول غدا لينا في المصنع، دخلت قاعة الطعام من جديد.
الترابيزة الصغيرة اللي جنب الشباك كانت فاضية.
لفترة طويلة، كنت بشوف الترابيزة دي كأنها دليل على إن محدش عايزني قريبة منه.
لكن دلوقتي، ما بقتش غير ترابيزة.
بصّيت ناحية الترابيزة الطويلة.
كان فيه كرسيين فاضيين.
وفوق واحد منهم، كانت فيه شنطة الحاجة
نوال.
نفس الحركة اللي كانت زمان بتتعمل عشان تمنعني أقعد جنب حد.
المرة دي، كانت بتحجز لي مكاني.
الحاجة نوال شالت الشنطة من فوق الكرسي، وبصّتلي وقالت
إنتِ اتأخرتي.
ضحكت وقلت
دقيقتين بس.
ردت بجدية مصطنعة
بالنسبة لي، ده تأخير.
قعدت جنبها.
وبعد لحظات، الأستاذ محمود ظهر وهو شايل صينية أكله، وقعد على الكرسي اللي جنبي.
كتافنا لمست بعض لمسة خفيفة.
ومن آخر الترابيزة، حد بدأ يمرر كيس ورق كبير مليان فول سوداني مسلوق.
الكيس اتحرك من إيد لإيد.
عدّى على موظفين التعبئة.
وعمال التشغيل.
وفايزة.
والحاجة نوال.
لحد ما وصل عندي.
أخدته، وبصّيت حواليّا.
وفهمت أخيرًا حاجة كنت أتمنى أعرفها من سنتين.
الحقيقة مش دايمًا بتوصل في الوقت المناسب عشان تمنع الناس من جرحنا.
لكن لما بتظهر في النهاية، بيبقى عندنا اختيار نعمل إيه بكل الأوجاع اللي شيلناها طول ما كانت الحقيقة مستخبية؟
أنا شيلت ذنب أحمد.
وشيلت كراهية الحاجة نوال.
وشيلت خوف مروان.
وشيلت إشاعات مصنع كامل.
ولفترة طويلة، كنت فاكرة إن النجاة معناها إني أتحمل كل ده في صمت، وأفضل واقفة مهما حصل.
لكن كنت غلطانة.
أحيانًا، النجاة الحقيقية بتبدأ لما تحط الحمل اللي فوق كتافك على الترابيزة، وتقوم من مكانك، وتقرر إنك مش هتفضل شايله بعد النهارده.
لأن مش كل ذنب بنشيله بيكون ذنبنا، ومش كل حب معناه إننا نضحّي بنفسنا عشان نحمي أخطاء اللي بنحبهم.
النهاية
خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد
