كل الموظفين محمد نور
أسابيع أضحك فيها وأنسى للحظات إن كل اللي حواليا تقريبًا بيكرهوني.
لكن بعد ساعات قليلة، فهمت تمن العشرين دقيقة اللي قعدتهم معاه.
المصنع كله بدأ يتكلم.
والمدير محمود بدأ يسأل.
في نفس اليوم بعد الضهر، دخلت مشرفة اسمها فايزة مكتب المدير، وحكت له اللي كل الناس كانت فاكرة إنها عارفاه عني.
قالت له إني سبت أحمد بعد تمان سنين جواز.
وإني مشيت للقاهرة.
وإن أحمد عمره ما قدر يتعافى من الصدمة دي.
وإنه بعد أربعة عشر شهر، ماټ لما عربيته خرجت عن الطريق أثناء عاصفة شديدة.
حسب كلام أهل البلد، كان رايح يدور عليّا.
أما الحاجة نوال، فكانت بتقول إني قټلته من غير ما ألمسه بإيدي.
يوم الخميس، ظهر المدير محمود عند باب المعمل بتاعي.
بصّلي وقال مكنتش أعرف إنتِ مين.
رديت بهدوء دلوقتي عرفت.
قال أيوه، عرفت.
استنيت السؤال اللي كنت متوقعة أسمعه.
ليه سبتي جوزك؟
وليه ما حضرتيش جنازته؟
لكن السؤالين ما جُوش.
كل اللي قاله كان حتى لو كنت عارف قصتك من الأول، كنت هقعد معاكي برضه.
وبعدها مشي.
في اليوم اللي بعده، اكتشفت أول مشكلة.
إحدى عينات الفحص اللي كنت قفلتها وختمتها بنفسي، لقيتها مکسورة، والنتائج المسجلة عليها مختلفة عن النتائج اللي أنا كنت كتبتها في التقرير.
كل العيون اتجهت ناحية توقيعي.
محدش اتهمني صراحة إني غيّرت العينة.
لكن محدش كان محتاج يقولها بصوت عالي.
الشك لوحده كان كفاية.
في الليلة دي، رجعت بيت جدتي، ولقيت باب المطبخ الخلفي موارب.
وقفت مكاني في المطبخ من غير ما أتحرك.
بصّيت حواليّا.
مفيش حاجة ناقصة.
وده كان أسوأ شيء ممكن يحصل.
لأن اللي دخل البيت ما كانش حرامي.
كان داخل يدور على حاجة معينة.
اتجهت ناحية دولاب الممر.
لقيت الصندوق المكتوب عليه أحمد مفتوح.
القمصان كانت متحركة من مكانها.
والصور متبعترة، ومش في أماكنها المعتادة.
لكن تحت كل الحاجات دي، كان لسه موجود كارت البريد اللي أحمد بعتهولي قبل مۏته بأسبوع.
أنا عمري ما قريته.
ما قدرتش أعمل كده.
لفّيته في منديل قماش، وخبّيته جوه علبة بسكويت قديمة بتاعة جدتي، وبعدها حطّيت العلبة على أعلى رف في المطبخ.
بعد يومين، حصلت مشكلة تانية.
عم جابر، عم أحمد، سلّم شحنة من الفول السوداني للمصنع، لكن نسبة الرطوبة فيها كانت أعلى من المسموح بيه، وحبوب كتير كانت تالفة.
فحصت الشحنة تلات مرات.
وفي كل مرة، كانت النتيجة واحدة.
رفض الشحنة كان هيكلّفه خسارة تقرب من سبعين ألف جنيه.
دخل عم جابر منطقة الموازين وهو في قمة غضبه.
صړخ في وشي إنتِ عملتي كده عن قصد!
رديت بثبات أنا قيّمت البضاعة اللي حضرتك سلّمتها، وبس.
قرب مني وقال الأول خطفتي أحمد مننا، ودلوقتي عايزة تضيّعي محصولنا كمان؟!
كان فيه كذا موظف واقف وسمع الكلام.
ومن خلال الشباك، شفت الحاجة نوال.
ما دافعتش عني.
ما قالتش حتى إن المفروض نستنى نتيجة الفحص النهائي.
كل اللي عملته إنها بصّتلي في صمت.
المدير محمود راجع نتائج التحاليل بنفسه.
والشحنة فعلًا كانت غير مطابقة للمواصفات.
وتقييمي كان صحيح.
ولأول مرة من وقت ما بدأت الشغل، لقيت حد بيدافع عن شغلي، من غير ما يحاول يواسيني أو يعاملني كأني ضحېة محتاجة شفقة.
في نفس اليوم بعد الضهر، جه عندي مروان، أخو أحمد الأصغر.
وقف قدامي وقال بنبرة هادية رانيا، المكان ده بيأذيكي.
قلت أنا كويسة.
رد ممكن ترجعي القاهرة. أنا أعرف ناس هناك، وأقدر أساعدك تلاقي شغل تاني.
كان بيبتسم.
لكن عينيه ما كانتش بتبتسم معاه.
قلت شكرًا يا مروان.
قال فكّري في الموضوع.
في الليلة دي، كتبت استقالتي.
لكن ما بعتهاش.
ولما وصلت البيت، لقيت الباب مقفول، وكل الأنوار مطفية.
أخدت نفس طويل وأنا بحاول أطمن نفسي.
دخلت المطبخ.
وفي اللحظة دي، حسّيت إن الډم انسحب من جسمي كله.
علبة البسكويت كانت مفتوحة فوق الترابيزة.
والمنديل القماش كان مفروش بعناية