عزومة عائلية، حكايات سما سامح٢

تجمدت ياسمين على الأرض وهي تمسك وجنتها بذهول، بينما ارتمت أمي على قدمي أبي تتوسل إليه بصراخ هستيري ليغلق الهاتف، لكن أبي كان قد اتخذ قراره. أنهى المكالمة مع محاميه الخاص يطلب منه الحضور فورًا إلى المنزل مصطحبًا خبيرًا قانونيًا، ولم يلتفت لبكائهما.

كانت الساعة قد تقترب من الخامسة صباحًا، والضوء الأول للفجر بدأ يتسلل من نوافذ الصالون، كاشفًا عن الوجوه الشاحبة والأوراق المبعثرة التي تحولت إلى أدلة إدانة.

جلستُ على طرف المقعد، جسدي يرتجف بالكامل، ليس من البرد، بل من هول الصدمة. ملايين الجنيهات؟ قروض؟ تحويلات مشبوهة؟ أنا التي كنت أحتار قبل أيام كيف سأدبر ثمن دواء الأنيميا، أكتشف فجأة أن اسمي مسجل في دفاتر البنوك كـ “سيدة أعمال” غارقة في الديون والمخالفات!

أمي زحفت نحو ركبتي وهي تبكي بحرقة: «يا سلمى.. أبوس إيدك قولي لأبوكي يتراجع.. ياسمين كانت هترجع كل حاجة، والله ما كان قصدنا نأذيكي، إحنا بس كنا بنساعد أختك تقف على رجلها وسط مجتمع دبي.. لو المحامي جه وعمل بلاغ رسمي، أختك مستقبلها هيضيع وتتحبس!»

نظرتُ إلى يد أمي التي تمسك ببيجامتي، ثم نظرتُ إلى سوار المستشفى البلاستيكي الذي ما زال يطوق معصمي الآخر، وشعرت بغصة مريرة خنقت صوتي. قلت لها بنبرة خرجت مكسورة وميتة: «ومستقبلي أنا؟ وصحتي؟ وشرفي اللي كان ممكن يضيع لو البنوك دي رفعت قضايا ومسكتوني في الكمين وأنا راجعة من الكافيه الفجر؟ أنتِ فكرتي في ياسمين.. بس عمرك ما فكرتي فيّ يا أمي.»

في تلك اللحظة، رن جرس الباب.

ظننا جميعًا أنه المحامي، لكن عندما فتح أبي الباب، لم يكن المحامي وحده. كان يقف خلفه شخصان يرتديان ملابس رسمية، وبمجرد دخولهم، أخرج أحدهم بطاقته التعريفية وقال بصوت جهير: «حضرتك الأستاذ نبيل؟ وإحنا قوة من مباحث الأموال العامة، ومعانا أمر استدعاء للآنسة ياسمين نبيل، والآنسة سلمى نبيل، بناءً على بلاغ مقدم من أحد البنوك الكبرى بوجود شبهة تزوير في أوراق قرض بضمان وعاء ادخاري.»

وقعت الكلمة كالصاعقة على الجميع. البنك كان قد كشف اللعبة بالفعل قبل أن يتصل أبي بالمحامي!

نظرت إليّ ياسمين بنظرة رعب حقيقي، وتحولت نبرة التحدي في عينيها إلى توسل ذليل وهي تنظر لأبي. أما الضابط، فقد التفت بحيرة وهو ينظر إليّ وإلى ياسمين، ثم قال وهو يرفع ورقة رسمية: «مين فيكم سلمى نبيل الصاوي؟»

رفعتُ يدي ببطء شديد، وقلت بصوت مرتعش: «أنا سلمى..»

نظر الضابط إلى الورقة التي بيده، ثم نظر إلى وجهي الشاحب والمنهك، وقال بنبرة جادة: «يا آنسة سلمى، جواز السفر اللي تم تقديم القرض بيه في فرع البنك الأسبوع اللي فات.. عليه صورتك، بس البيانات المكتوبة فيه تخص أختك ياسمين اللي كانت مسافرة بيه.. وأنتِ مطلوبة حاليًا للتحقيق بتهمة التواطؤ في التزوير والنصب البنكي.»

التفتُّ لأرى ياسمين وهي تخفض رأسها في الأرض، وأدركت في تلك اللحظة أن الكارثة أكبر من مجرد حساب بنكي وتوكيل.. ياسمين وأمي قامتا بتزوير جواز سفر كامل يجمع بين اسمي وصورتها، لتقوم ياسمين بالتحرك به في دبي بحرية بينما تقع المسائل القانونية كلها فوق رأسي أنا!

أبي وقف كالحائط المنيع أمام الضابط وقال: «بنتي سلمى ملهاش ذنب يا فندم.. أنا اللي طلبتكم، والأوراق دي كلها تثبت إنها ضحية..»

لكن الضابط قاطعه بحزم: «الكلام ده كله يتقال في النيابة يا فندم. اتفضلوا معانا.»

وفيما كنا نستعد للخروج وسط ذهول أمي وانهيار ياسمين، رن هاتف ياسمين الملقى على الطاولة.. كان رقمًا دوليًا من دبي، يظهر على الشاشة باسم “الشركة العالمية للشحن”.. وبمجرد أن أضاءت الشاشة، خطف الضابط الهاتف ونظر إلى الرسالة التي ظهرت على الواجهة، ليتحول وجهه إلى الجدية التامة ويقول: «الموضوع مش مجرد قروض.. اجهزوا فورًا.»

 

انتزع الضابط الهاتف من على الطاولة وعيناه تتفحصان الرسالة المكتوبة بالإنجليزية بسرعة، بينما تحول وجه ياسمين من الشحوب إلى بياض الموت. التفت الضابط إلى مساعده وقال بنبرة حاسمة: «حرز الهاتف ده فورًا، واطلب قوة إضافية لتفتيش الشقة بالكامل ومصادرة كل الأوراق والشنط اللي جت من دبي».

أمي سقطت على ركبتيها وهي تصرخ: «شحن إيه وبضائع إيه؟! بنتي ميتة في الغربة عشان لقمة العيش! والله ما تعرف حاجة!»، لكن الضابط لم يلتفت إليها، وبدأ رجاله في قلب الصالون رأسًا على عقب.

أبي وقف مذهولاً، ينظر إلى ياسمين وسألها بصوت يرتجف من شدة القهر: «أنتِ شحنتي إيه باسم أختك يا ياسمين؟ انطقي! الشحنة دي فيها إيه؟»

لم تنطق ياسمين بحرف، كانت تبكي بهستيرية وهي تتراجع للخلف حتى حاصرها أحد أمناء الشرطة. في هذه الأثناء، جاء المحامي الخاص بأبي ودخل الشقة مسرعًا، وعندما رأى رجال المباحث والأوراق المبعثرة، توجه فورًا إلى الضابط وبدأ في الاطلاع على أمر الاستدعاء.

التفت المحامي لأبي وهمس له بلهجة قلقة جداً: «يا أستاذ نبيل، الوضع خطير.. البلاغ مش بس من البنك هنا في مصر، الرسالة اللي على التليفون دي إشعار بوصول حاويات شحن لميناء بورسعيد باسم (سلمى نبيل)، والجمارك تحفظت عليها بطلب من جهات رقابية بسبب تضارب في مستندات المنشأ وأسعار البضائع المتأمن عليها بملايين الجنيهات.. فيه شبهة تهريب وتملص ضريبي دولي!»

وقعت الكلمات عليّ كالصاعقة. شعرت أن أنفاسي تضيق، وسوار المستشفى في يدي بدأ يخنقني. التفتُّ إلى أمي التي كانت تخفي وجهها بين يديها، وقلت لها بصوت مخنوق بالدموع: «كنتوا بتشتروا شنط وجزم ماركة، وبتسفروا ياسمين وتعملوا لها برستيج، والنتيجة إني أنا اللي اسمي هينزل في نشرات القضايا والتهريب؟ أنا اللي كنت بوفر حق علبة التونة عشان أكمل الشهر؟»

قاطعنا الضابط وهو يشير إليّ وإلى ياسمين وأمي: «يلا يا فندم، اتفضلوا معانا على المأمورية.. الكلام الكتير هنا مش هيفيد، قدام جهات التحقيق كل حاجة هتبان».

أبي صمم على مرافقتنا، وركبنا سيارات الشرطة في مشهد لم أكن أتخيل يوماً أن أكون جزءاً منه. جيرانا الذين كانوا يستيقظون لصلاة الفجر ويرتبون للذهاب لأعمالهم، كانوا ينظرون إلينا من الشرفات بذهول.. العائلة «المثالية» المرتبة، تخرج وسط حراسة الشرطة.

وصلنا إلى مقر التحقيق، وتم فصلي تمامًا عن أمي وياسمين. جلستُ في غرفة منفصلة لأكثر من ساعتين، جسدي يرتعش من التعب والجفاف والأنيميا، حتى فتح الباب واستدعاني وكيل النيابة.

دخلتُ ووجدتُ أمامي تلالاً من الأوراق، وجواز السفر المزور الذي يحمل صورتي وبيانات ياسمين، بالإضافة إلى تقرير مبدئي وصل للتو من جمارك الميناء.

نظر إليّ وكيل النيابة بنظرة فاحصة، ثم قال بلهجة جادة: «يا آنسة سلمى، إحنا طلبنا كشف حساباتك بالكامل، وفحصنا التحويلات والتوكيل العام اللي معمول لوالدتك.. ظاهرياً، أنتِ المتهمة الأولى في قضية تزوير ونصب مالي وتهريب بضائع بملايين الجنيهات..»

بلعتُ ريقي بصعوبة وكدت أسقط، لكنه تابع وهو يرفع ورقة صغيرة: «لكن فيه حاجة غريبة جداً استوقفتنا في ملفك، وبناءً عليها هيتحدد مسار القضية دي بالكامل..»

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *