خيانة من أجل المال صافى هانى الاول

جوزي اتصل بيا في نص أهم عرض تقديمي كنت بقدمه في الشغل، وبمنتهى البرود قالي إنه ورث ملايين! بعدين ضحك، وقالي ألم هدومي وأمشي من بيته “هو”، وأمضي على ورق الطلاق اللي سايبهولي على رخامة المطبخ.

​مضيت على كل ورقة وأنا ببتسم… لأن الحاجة الوحيدة اللي مكسلش يقرأها كانت هي الحاجة اللي هتهد كل اللي افتكر إنه كسبه على دماغه.

​أنا اسمي أروى، واليوم اللي بيتي اتخرب فيه بدأ زي أي يوم شغل عادي جداً.

​كنت واقفة في قاعة الاجتماعات، بَعرض الأرقام الربع سنوية على مجلس الإدارة، وفجأة تليفوني بدأ يزن ورا بعضه. طنشت أول مكالمة. وبعدين الثانية. على الثالثة، حتى مديري بدا عليه الضيق.

​قال وهو بيتنهد: “ردي يا أروى، أكيد في حاجة مهمة”.

​خرجت الطرقة، ونبضات قلبي كانت سريعة جداً من القلق.

​رديت: “شريف؟ في إيه؟ أنت كويس؟”

​ضحك.

​بس مكنتش الضحكة الحنينة اللي حببتني فيه على مدار 8 سنين. كانت ضحكة واحد شمتان ومتسلي.

​قال: “مفيش حاجة حصلت، بالعكس، كل حاجة بقت تمام وفوق العال”.

​وبعدين رما الكلمة: “جدتي اتوفت من أسبوعين، وسابتلي كل الملاذ والأملاك”.

​سندت على الحيطة من الصدمة، وقلت: “لا إله إلا الله… البقاء لله يا شريف، أنا آسفة جداً.. بس مقلتليش ليه من وقتها؟”

​”عشان مكنتش عايزك تكوني موجودة”.

​صوته فجأة بقى زي التلج.

​”سابتلي 150 مليون جنيه”.

​ورغم الوجعة اللي حسيت بيها في صدري، حاولت أبتسم وقلت: “ما شاء الله، مبروك”.

​بس هو دمرني باللي قاله بعد كده: “لما ترجعي البيت، لمي حاجتك، قدامك ساعتين بالظبط”.

​لثواني، لساني عجز عن النطق: “إيه؟”

​قال: “الشقة شقتي، شاريها من قبل ما نتجوز وباسمي لوحدي. ورق الطلاق على رخامة المطبخ، امضي، وسيبي المفاتيح، وبلاش دراما ومشاكل ملهاش لزمة”.

​وقبل ما أرد، سمعت صوت ضحكة ست في الخلفية.. صوتها كان قريب ومألوف زيادة عن اللزوم.

​همست بكسرة: “شريف… احنا متجوزين، ده ميرضيش ربنا”.

​رد: “مبقاش خلاص”. وقفل السكة في وشي.

​رجعت البيت في سكوت تام، مكنتش قادرة حتى أعيط.

​من بره، كل حاجة كانت زي ما هي.. قوارير الورد اللي زرعتها بإيديا، المرجيحة اللي في البلكونة اللي كنا بنقعد عليها بعد العصر في أيام الإجازة، الستائر اللي اخترت ألوانها بنفسي.

​بس من جوه، البيت كان غريب، كأنه بيت ناس مأعرفهمش.

​هدومه مكنتش موجودة، وبلايستيشن بتاعه مش في مكانه، حتى صور شهر العسل شالها من على الحيطة. مكنش فاضي غير أماكنها المطربة.

​على رخامة المطبخ كانت في دوسيه كبير فيه ورق الطلاق، وجنبه ورقة مكتوبة بخط إيده: “امضي هنا، ومن غير شوشرة”.

​قعدت على الكرسي بالراحة، بعدين قمت دخلت الأوضة، فتحت الدولاب، وزقيت جاكيتات الشتاء، وطلعت علبة جزمة قديمة ومتربة كنت مخبياها من شهور.

​جواها كان في فواتير لست شهور فاتت.

​فواتير فنادق، ومطاعم غالية، ومحلات دهب.. وكلهم مرتبطين بنفس الاسم: كارما.

​الصدمة كانت راحت خلاص، وحل مكانها برود تام.

​بالليل، صاحبة عمري رنا صممت تخرجني من البيت عشان أغير جو، وإحنا في السوبر ماركت، شفناهم.

​شريف وكارما.

​واقفين بيضحكوا سوا، وبيمِلوا العربة بأنواع لحوم غالية وحاجات مستوردة، وإيدها كانت على دراعه كأنها مراته من سنين.

​شريف بصلي بـِـصّة واحدة، وبعدين دار وشه الناحية الثانية كأني هوا، كأني مكنتش في حياته أصلاً.

​بالليل اتصل بيا تاني.

​قال بنبرة حادة: “متنسيش المفاتيح.. آه، وصحيح، في حاجة تانية كمان”.

​سكت شوية عشان يستمتع بالكسرة اللي هيسببهالي: “كارما حامل، وفرحنا الشهر الجاي”.

#حكايات_صافي_هاني

​بعدها بثلاث أيام، رنا أخدتني من إيدي ورحنا لمكتب المحامي الأستاذ جلال عبد الرحمن.

​قعد يسمعني في هدوء تام وأنا بحكيله كل حاجة من طقاطق للسلام عليكم.

​لما خلصت كلامي، سألني سؤال واحد بس: “اسم جدة جوزك بالكامل إيه؟”

​فضل يدور في سجلات حصر الإرث والمحاكم على اللابتوب بتاعه لكام دقيقة، وفجأة ملامح وشه اتغيرت تماماً.

​بصلي وقال بنبرة مذهولة: “أروى… أنا لازم أشوف نص الوصية دي فوراً”.

​بعد أسبوعين، الأستاذ جلال حط قدامي ملف قانوني كبير على مكتبه، وكان في سطر متعلم عليه بالقلم الفسفوري الأصفر.

​قالي: “اقري السطر ده كده”.

​بصيت على الجملة، وقلبي كان هيقف من المفاجأة.

​فجأة، كل كلمة قاسية وظالمة قالها شريف بقى ليها معنى.

​الاستعجال في الطلاق.. مهلة الساعتين.. طريقته اللي كان بيطردني بيها عشان ممشيش وراه ولا أفكر.

​هو مكنش بيتصرف بثقة وعنترية زي ما وراني.

​هو كان مرعوب وبيتنفض.

​لأن جوه وصية جدته، كان في شرط واحد بس، كان بيموت عشان يلحق ينفذه ويطلقني قبل ما أعرف الحقيقة وأكشف المستور.

#حكايات_صافي_هاني

 

يتبع في التعليقات

♥❤❤❤❤♥♥❤🌹🌹🌹❤❤

 

مكتوب في السطر ده بخط واضح وحاسم:

“تؤول جميع أملاكي وثروتي المذكورة أعلاه كاملةً إلى حفيدي شريف، بشرط أن تكون زوجته الحالية (أروى) شريكةً له بالنصف في كل ما ورث، ولا يحق له التصرف في أي أصل من الأصول إلا بموافقتها الكتابية.. وفي حال طلاقها قبل توزيع الإرث، يُحرم الحفيد نهائياً وتذهب الثروة كاملةً إلى دور الأيتام.”

​رفعت عيني للأستاذ جلال وأنا مش مصدقة، همست: “يعني هو كان بيجرى السباق مع الزمن عشان يطلقني ويمضيني على ورق اتنازل فيه عن حقوقي قبل ما التوزيع الرسمي للورث يتم؟”

​هز المحامي رأسه بابتسامة ثقة وقالي: “بالظبط كده يا مدام أروى. شريف كان فاكر إنه بذكائه ده هيخلص منك ويسيبلك الفتات، وياخد الـ 150 مليون لوحده مع ست الحسن والجمال. هو خبا عنك وفاة جدته أسبوعين عشان يرتب لده، ولما لقاكِ مضيتِ على ورق الطلاق افتكر إنه انتصر.. بس الغبي ميعرفش القانون.”

​سألته ونبضات قلبي بتبتسم قبل شفايفي: “ميعرفش إيه؟”

​قال الأستاذ جلال وهو بيقفل الملف بقوة: “ميعرفش إن ورق الطلاق اللي هو سابهولك على الرخامة ومضيتِ عليه، ملوش أي قيمة قانونية لسه، لأنه موثقوش في المحكمة ولا عند مأذون رسمي! ده مجرد ورق ودي.. والأهم من كده، إننا رفعنا دعوى قضائية بإثبات الشراكة والتحفظ على أموال التركة بناءً على نص الوصية الموثقة في الشهر العقاري من جدته اللي كانت بتحبك أكتر منه.”

​بعد يومين بالظبط، تليفوني رن.

كان شريف. بس المرة دي مكنش صوته بارد ولا شمتان، كان صوته مخنوق، طالع بالعافية، وفي خلفية المكالمة كان فيه صوت صريخ وزعيق عالي جداً من كارما.

​قال وهو بينهج كأنه بيجرى: “أروى! أنتِ عملتِ إيه؟ البنك رفض يصرفلي أي شيك، وبيقولوا إن حسابات التركة كلها اتجمدت بأمر قضائي من محاميكِ! أنتِ إزاي تعملي كده؟ دي فلوسي أنا! ورث جـدتـي أنا!”

​أخدت نفس طويل، ولقيت نفسي برد عليه بمنتهى الهدوء والثبات اللي في الدنيا: “تؤ.. غامت وتعميت يا شريف. دي فلوسنا (إحنا) سوا.. ده لو لحقت تاخد منها حاجة أصلاً.”

​قال بغضب أعمى: “يعني إيه؟ أقسم بالله لو ما سحبتِ القضية دي لأكون مطلع عينك، أنا شاري الشقة ومقعدك فيها، هرميكِ في الشارع!”

​ضحكت.. الضحكة اللي كان نفسي أضحكها من يوم ما كلمني وأنا في قاعة الاجتماعات.

​وقلتله بصوت مسموع وواضح: “الشقة؟ أنا مبقتش عايزة الشقة يا شريف.. أنا بس حابة أقولك إن الإعلان القضائي اللي هيوصلك بكرة الصبح مش بس فيه تجميد الورث.. ده فيه كمان فواتير الفنادق والدهب والمطاعم اللي كنت بتصرفها على ست كارما من حسابنا المشترك في البنك الشهور اللي فاتت.. يعني قضية تبديد أموال وجناية تزوير.. وجدتك الله يرحمها حطت شرط في الوصية لو اتنفذ، مش هتشوف جنيه واحد من الـ 150 مليون.. والورق اللي أنا مضيت عليه وكنت فاكرني هبلة؟ أنا ممضيتش باسمي الحقيقي يا شريف.. أنا مضيتلك بجملة واحدة بس في خانة التوقيع.. روح اقراها كدة وقولي رأيك.”

​سكت شريف فجأة، والصدمة لجمت لسانه. سمعت صوت خطواته السريعة وهو بيجرى على المطبخ، وصوت كركبة الورق وهو بيدور على النسخة اللي سبتهاله.

​وفجأة.. صوته اختفى تماماً، والخط قطع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *