خيانة من أجل المال صافى هانى الثانى والاخير

  1. سمعت صوت الهبدة القوية على الرخام من السلك، وعرفتك إن الصدمة لجمته.

​الكلمة اللي كتبتها بخط إيدي في خانة التوقيع وعلى كل ورقة في الدوسيه كانت: “العب غيرها يا شاطر… أشوفك في المحكمة”.

​مرت ثلاثة أيام كاملة، وتليفوني مفسلش رن. شريف، وأمه، وأخته، وحتى ناس من قرايبه مكنتش بشوفهم غير في المناسبات، كلهم فجأة افتكروا إن عندهم “بنت أصول” اسمها أروى، والكل بيحاول يتوسط عشان “نحل الموضوع ودي ومنخربش بيتنا”.

​لكن ردي كان واحد للكل: “البيت اتخرب فعلاً يوم ما اترمى ورقي على الرخامة عشان واحدة ثانية”.

​وفي اليوم الرابع، رحت مع الأستاذ جلال لجلسة المحكمة الأولى الخاصة بفرض الحراسة والتجميد.

كنت واقفة في الطرقة برة القاعة مستنية دورنا، وفجأة شفته جايب وراه خطوتين وبيمشي وهو باصص في الأرض، ومعهوش غير محامي شكله مرتبك، ومفيش أي أثر لكارما جنبه.

​أول ما عينه جت في عيني، ملامحه اتقلبت 180 درجة، وجرى عليا بغل وهو بيميل عشان محدش يسمع، وقال بنبرة فحيح زي التعبان: “أنتِ فاكرة نفسك ذكية يا أروى؟ طمعانة في ورث مش بتاعك؟ والله ما هتنولي منه مليم، وهتشوفي مين اللي هيضحك في الآخر!”

​وقبل ما أرد عليه بكلمة واحدة، المحامي بتاعه شد دراعه لورا بسرعة وهو وشه أصفر زي الليمونة، وقال بصوت واطي ومرعوب: “اسكت يا شريف بيه الله يخرب بيتك! أنت بتهددها قدام محاميها ومحضر الجلسة؟”

​في اللحظة دي بالظبط، الباب اتفتح، والحاجب نادى بصوته الجهوري:

“الشرول رقم 14.. دعوى أروى ضد شريف… إثبات شرط الوصية والتحفظ على التركة!”

​دخلنا القاعة، وشريف كان باصص للقاضي بثقة عمياء، كأنه لسه مصدق إن الورق اللي في إيده هيحميه.

وقف الأستاذ جلال بكل هيبة، وقدم للمستشار حافظة المستندات، وفوقيها أصل وصية الجدة الموثقة، ومعاها شهادة رسمية من دار الأيتام المشرفة على تنفيذ الوقف في حال الإخلال بالشروط.

​القاضي قرا الورق في هدوء تام، ونظراته كانت بتتنقل بين السطور، لحد ما ثبت عينه على شريف، وسأله بنبرة حاسمة هزت القاعة: “يا مدعى عليه… هل قمت بتوثيق طلاق زوجتك المدعية أروى في السجلات الرسمية قبل تاريخ صدور إعلام الوراثة؟”

​شريف بلع ريقه وصوته اتهز لأول مرة: “أنا.. أنا سبتلها ورق الطلاق يا سيادة القاضي وهي مضت عليه برضاها..”

​القاضي خبط بالشاكوش خبطة واحدة قوية، وبص لشريف بنظرة خلت ركبه تخبط في بعضها، وقال كلمته اللي طيرت برج الباقي من عقله:

​”بناءً على المستندات المقدمة، وحيث إن الطلاق لم يقع قانوناً ورسمياً حتى تاريخه، وحيث إن المدعى عليه قام بالتدليس لإخفاء نص الوصية.. تقرر المحكمة بصفة مستعجلة: فرض الحراسة القضائية على جميع أملاك التركة الـ 150 مليون جنيه، ومنع المدعى عليه من التصرف في أي بند منها، مع إحالة حوافظ الصرف السابقة للنيابة العامة للتحقيق في تبديد أموال الزوجية المشتركة!”

​شريف رجع خطوتين لورا كأنه اتضرب بالقلم، وبص لمحاميه بذهول وهو بيصرخ: “يعني إيه؟ يعني أنا معاييش فلوس أدفع حتى مصاريف القضية؟”

​المحامي وطي راسه وقال وهو بيلم حواره: “يعني أنت لو طلقتها رسمي دلوقتي يا شريف بيه.. الـ 150 مليون كلهم هيروحوا للملجأ، وأنت هتطلع من المولد بلا حمص.. وفوقيهم قضية تبديد!”

​التفتِ لشريف اللي كان وشه جايب ألوان، وعينه مليانة رعب وضياع، وقربت منه خطوة واحدة، وقلتله بمنتهى البرود والراحة:

​”مبروك الـ 150 مليون يا عريس.. جهز بقى نفسك، عشان فرحك الشهر الجاي ومصاريف البيبي الجديد عليك.. ده لو لقيت ثمن الإيجار!”

​#حكايات_صافي_هاني

خرج شريف من قاعة المحكمة وهو بيطوح كأنه سكران، المحامي بتاعه سابه وجري، وهو وقف في الطرقة يلطم على وشه ومش وعي بالناس اللي بتتفرج عليه.

​في اللحظة دي، تليفونه رن.. طبعاً كانت كارما.

صوتها كان عالي ومسموع من سماعة التليفون وهي بتصرخ: “شريف! صاحب معرض العربية كلمني وقالي إن الشيك اللي كتبتهوله كمقدم للعربية المرسيدس اترفض! والفيزا بتاعتك واقفة! في إيه؟ أنت ضحكت عليا؟ فين الملايين اللي قولتلي عليها؟”

​شريف رد بصوت منهار ومكسور: “كارما.. اهدى.. الورث اتمسك عليه.. أروى حجزت على كل حاجة..”

وملحقش يكمل الكلمة، لقت كارما بتقول بنبرة تانية خالص، نبرة خالية من أي حب أو رحمة: “أروى؟ حجزت؟ يعني أنت طلعت مفلس؟ وباسمي لوحدي دي كانت فِشنك؟ شريف.. أنا مش هقعد مع واحد حيلته الملوخية، والبيبي ده أنا هعرف أنزله إزاي.. وأعلى ما في خيلك اركبه!” وقامت قفلة السكة في وشه.

​التفتِ ورايا وبصيت لرنا والمحامي وقلت بابتسامة صافيه: “سبحان الله.. يمهل ولا يهمل”.

​مرت الأيام، وشريف اتحول من الباشا اللي ورث ملايين، لواحد مديون ومطارد. وبما إن حساباته كلها اتجمدت، مكنش معاه حتى يدفع وصلي الأمانة بتاعة الدهب اللي اشتراه لكارما من فلوسنا المشتركة. وصاحب المحل رفع عليه قضية، وبقى مهدد بالحبس.

​بعد شهر بالظبط، جالي اتصال من رقم غريب. رديت، لقيت صوت شريف.. بس المرة دي كان بيعيط.. بيعيط بحرقة ونَدَم.

​قال: “أروى.. أرجوكي ارحميني.. أنا اتمهدت.. كارما سابتني وأجهضت الطفل، وصاحب الشقة طردني لأن الإيجار القديم المتأخر مدفعتوش.. أنا بنام في عربية واحد صاحبي.. أروى أنا أسف، أبوس إيدك تنازلي عن القضية وخذي الـ 150 مليون كلهم ليكي، بس سيبيني أعيش!”

​كنت قاعدة في البلكونة، بشرب قهوتي في نفس المرجيحة اللي كان فاكر إنه هيحرمني منها، وبصيت لقوارير الورد اللي بدأت تفتح وتكبر، وقلتله بنبرة هادية ومفيهاش أي غل، بس فيها قوة تزلزل:

​”أنا مش هتنازل عن حاجة يا شريف.. الفلوس دي أنا هآخد نصيبي منها بالقانون، والنص التاني هيفضل مجمد طول ما أنا على ذمتك.. يعني مش هتشوف منه مليم.. وأنا مش هطلقك دلوقتي خالص.. هسيبك كده، لا طايل سما ولا أرض، عشان تدوُق الوجع والكسرة اللي كنت عايزني أعيشهم وأنا بلم هدومي في ساعتين”.

​وقبل ما يقدر ينطق بكلمة ثانية، قفلت السكة.. وعملتله بلوك.. للمرة الأخيرة وللأبد.

​#حكايات ووللة لى_صافي_هاني

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *