الم الولادة صافى هانى الاول

لما كنت حامل في توأم وجالي وجع الولادة اللي ما يتوصفش، قعدت أترجى جوزي يلحقني على المستشفى. وإحنا خلاص خارجين، لقيت حماتي داخلة علينا الصالة وبكل برود قالت: “على فين العزم يا سي طارق؟ خدني أنا وأختك الأول ننزل المول نشتري كام حاجة.” جوزي بصلي وأنا بترجاه ودموعي نازلة، وبرضه اختارهم هما. زعق فيا وقال: “إياكي تلمحي ليكي حركة من مكانك لحد ما أرجع!” وحمايا كمل فوقيها وقال: “تستنى كام ساعة جرا إيه، الموضوع مش مستاهل الدلع ده كله.” سابوني مرمية على الأرض بين الحيا والموت، وفاكرين إن مفيش في إيدي حاجة أعملها. بس لما رجعوا بعد كام ساعة وشايلين أكياس الشوبنج، مالقوش الست الهادية المطيعة المستسلمة.. دخلوا على مشهد مرعب لدرجة إن جوزي ركبه سابت ووقع على ركبه من الصدمة.

​”طارق…” نطقتها بالعافية وأنا حاطة إيدي على حرف ترابيزة المطبخ وبضغط بكل قوتي لدرجة إن صوابعي اتشنجت.

​وجع الطلق زاد عليا فجأة، نغزة شديدة طيرت النفس من صدري ومبقتش قادرة أتنفس.

​ريحة المطبخ كانت خنيقة.. صابون المواعين على ريحة البن البارد على ريحة الماغنسيوم اللي طالعة من الحوض. إيدي اتزحلقت من على الرخامة وأنا بحاول بكل طريقة أفضل واقفة على رجلي.

​قلتله: “لازم أروح المستشفى حالا.. التوأم بيولدوا.”

​أنا كنت في الأسبوع الثامن والثلاثين، وعارفة كويس الفرق بين تعب الحمل العادي والوجع اللي فيه خطر على حياتي وحياة ولادي.

​اللي بيحصل ده مكنش طبيعي أبداً.

​كل ذرة في جسمي وفي غريزتي كأم كانت بتصرخ وتقولي إن في مصيبة.

​طارق مد إيده وأخد مفاتيح العربية من على العليقة اللي جنب الباب، وفي اللحظة دي اتنفست الصدا والراحة دخلت قلبي.

​قلت الحمد لله هيحقني.

​خلاص هانت وهنوصل.

​وفجأة ظهرت حماتي “شادية” في الصالة، شنطتها على كتفها، مكيجها جاهز، وعلامات القرف والزهق مغرقة وشها.

​وقالت: “على فين يا فالح؟”

​بصيت لها وأنا مش مصدقة، ومش قادرة أفهم إزاي مش شايفاني وبتموت قدامها!

​همستلها: “رايحين المستشفى.”

​لوت بوزها وبصتلي باستهزاء.

​”مستشفى إيه وضهر إيه! طارق هيوصلني أنا وأخته المول الأول. التخفيضات هتخلص الساعة خمسة، ومش هضيع الشنطة اللي عجباني عشان دلعك المأفور ده.”

​ومن وراها كانت واقفة أخت طارق، ماسكة موبايلها وبتلعب فيه ولا هي هنا أصلاً. وحمايا ساند ضهره على باب الشقة ومربع إيده، بيبصلي بنظرات كلها اتهام كأني بعمل الشويتين دول قاصدة عشان أنكد عليهم.

​قلت بالعافية: “يا طنط شادية.. الموضوع خطير والولادة حامية.”

​ضحكت ضحكة صفرا وقالت بكل قسوة: “يا ستي اتهدي، كل اللي بيحملوا لأول مرة بيبقوا فاكرين إن أي مغصة هيموتوا فيها.”

​في اللحظة دي بالذات فهمت حقيقة توجع القلب.

​إنك ممكن تكوني عايشة في بيت زحمة ومليان ناس، وفي الآخر تلاقي نفسك وحيدة تماماً ومحدش حاسس بيكي.

​إحنا بقالنا شهور بنرتب لليوم ده.

​روشتة الدكتورة بالتعليمات كانت متعلّقة على ضلفة المطبخ. وورق المستشفى كله جاهز في دوسيه أزرق على الترابيزة. وشنطة الولادة محطوطة جنب الباب وعليها ورقة بالطلبات متدبسة في السوستة، لأن طارق وعدني مية مرة إنه هيكون جاهز ومستعد أول ما الساعة تيجي.

​وعدني إني مش هخاف طول ما هو معايا.

​بس هو مكنش خايف عليا.. هو كان بيختار بمزاجه.

​مسكت في كم قميصه.

​وقلتله وصوتي بيتجرح من العياط: “عشان خاطر ربنا.. يا طارق ارجوك، في حاجة غلط بتصلي.”

​راح نتش ذراعه مني بكل غل.

​الحركة دي لوت كتفي، بس النظرة اللي في عينه وجعت قلبي وكسرتني أكتر من الوجع.

​وزعق في وشي: “إياكي تلمحي ليكي حركة من مكانك لحد ما أرجع!”

​فضلت مبلمة وباصة له.

​لدرجة إن الوجع اللي في بطني اتحول لبرودة رعب خلت جسمي يتنفض.

​أبوه حتى مكلفش نفسه يبص في وشي وهو بيقول: “تستنى كام ساعة، الموضوع مش مستاهل الدلع ده كله.”

​ومحدش فيهم نطق بكلمة تانية بعد كده.

​صوت غوايش حماتي وهي بتعدل الشنطة كان طالع له رنة مستفزة. أخت طارق رفعت عينها من الموبايل ثانية، بس برضه رفضت تبص في عيني. وطارق واقف والمفاتيح في إيده، وأنا حاضنة بطني وبحاول على قد ما أقدر منزلش دمعة واحدة قدام ناس باعوني وقرروا إن وجعي وخوفي مجرد تمثيل وكدب.

​وبعدين باب الشقة اتفتح.

​صوت قفلة الباب وراهم دي حاجة عمري ما هنسى كسرتها طول ما أنا عايشة.

​الحيطة اتهزت من الرزع.

​والترقيعة بتاعت القفل سمعت في وداني.

​صوت خطواتهم وهي بتبعد على السلم وبرا العمارة بدأ يختفي.

​وبعدها البيت كله لفه هدوء قاتل.

​كنت عايزة أصرخ وراهم بعلو صوتي.

​كنت عايزة أقوله يا ندل يا جبان، كنت عايزة أتحايل عليه يرجع، كنت عايزة أمسك أي حاجة زجاج وأكسرها في الباب.

​بس جاتلي نغزة طلق تانية حطمت ركبي.

​اتزحلقت على الحيطة وأنا ساندة بطني بإيد، والإيد التانية بتخربش في الدهان لحد ما نزلت على الأرض.

​الموبايل كان هناك جنب الكنبة.

​صورتة واضحة في خيالي، مقلوب على وشه جنب المخدة. كنت لسه بحسب الوقت بين كل طلقة والتانية عليه من شوية، قبل ما الوجع يزيد لدرجة مخلتنيش قادرة أحسب حاجة.

​ودوسيه المستشفى الأزرق كان على الترابيزة.

​وأرقام الطوارئ والإسعاف جواه.

​كل حاجة ممكن تنقذني كانت على بعد خطوات مني.

​بس الناس اللي كان المفروض يحموني ويشيلوني.. سابوني ومشيوا.

​علشان كده زحفت على بطني.

​بلاط الأرض كان ساقع تحت إيدي. جلاليب البيت لزقت على جسمي من كتر العرق اللي مغرق ضهري. كنت لفة دراعي حوالين بطني وأنا حاسة بالتوأم بيتحركوا بعنف، وفجأة حركتهم وقفت تماماً.. واللحظة دي الرعب كل قلبي.

​همست وأنا بنهج: “لا.. خليكوا معايا.. عشان خاطري اوعوا تسيبوني.. انتوا الاثنين خليكوا معايا.”

​الدقائق كانت بتمر كأنها سنين.

​كل شبر كنت بمشيه على أرض الصالة كان كأنه جبل بهده.

​الطلق مبقاش بييجي ويروح زي الأول، ده بقى ضغط متواصل ومستمر بيكسر في ضلوعي. إيدي كانت بترتعش جامد لدرجة إني لما حاولت أسند على حرف الترابيزة عشان أرفع نفسي، خبطت الدوسيه الأزرق وقع على الأرض.

​والورق كله اتبعثر حواليا.

​ورقة حجز المستشفى.

​صورة بطاقة التأمين الصحي.

​خطة الولادة اللي رتبتها.

​وتعليمات الدكتورة.

​وهناك، في نص الورقة، ومحوطة بخط أحمر عريض، كانت الجملة دي:

​”ممنوع تماماً التأخير في نقل الحالة فور بدء الأعراض.”

​بصيت للجملة من بين دموعي المغرقة وشي.

​أهو.. الكلام مكتوب أهوه.

​دليل.

​دليل صريح إني مكنتش بدلع ولا ببالغ.

​دليل إني مكنتش ضعيفة.

​دليل إنهم كانوا عارفين كويس جداً الموضوع خطير قد إيه، ومع ذلك سابوني لوحدي وخرجوا يتفسحوا.

​وجع تالت خبط في بطني بكل عنف، والمرة دي الصرخة اللي طلعت من بوقي مكنتش طالعة من بشر.. دي كانت صرخة روح بتطلع. مسكت في حرف الكنبة وبحاول بكل قوتي أرفع جسمي، بس رجلي كانت ميتة ومشتشنيش.

​وفجأة.. مية الولادة نزلت وغرقت الأرض.

​في اللحظة دي، حسيت الصالة كلها بتلف بيا والدنيا بتسود.

​بصيت على باب الشقة.

​نفس الباب اللي طارق قفله بالمفتاح وراه وسابني بتموت.

​العتمة بدأت تظلم عيني وأنا بضيع.

​وفي وسط السكوت المرعب ده، فكرة واحدة نورت في دماغي وبقت واضحة زي الشمس.

​أنا ممكن أولد لوحدي على بلاط الصالة عشان جوزي شايف إن الفسحة والشوبنج بتاع أمه وأخته أهم بكتير من مراته وعياله اللي بيموتوا.

#حكايات_صافي_هاني

​الموضوع مكنش سوء تفاهم.

​ولا كان تضريب وقت غلط.

​ولا لخبَطة من الاستعجال.

​ده كان اختيار.

​اختيار قاسي، وجاحد، ومعمول بقصد وعمد.

​حاولت أصرخ تاني بس صوتي طلع مكتوم ومكسور ومش مسموع..

​وفجأة.. جرس الباب رن.

​رنة واحدة.

​حامية ومفاجئة.

​جسمي اتشنج في مكاني.

​لأقل من ثانية، قولت يمكن طارق رجع؟

​يمكن ضميره أنبه وصعبت عليه قبل ما يخرجوا بالثانية من الشارع؟

​بس الباب اترزع عليه خبط ورا بعضه..

​المرة دي الخبط كان قوي وبعنف.

​واللي حصل بعد الخبط ده غير كل حاجة.. القصة الكاملة في التعليقات ❤🌹🌹♥♥♥♥♥🌹

#حكايات_صافي_هاني

الخبط كان سريع ومنهار، وصوت حارس العمارة وهو بيزعق من ورا الباب: “يا مدام! أنتي كويسة؟ أنا سمعت صريخك!” ومعاه كان صوت أخويا أحمد وهو بيهبد على الخشب بكل قوته: “افتحي يا أختي! ردي عليا!” أحمد كان جاي يزورني فجأة، ولما سمع صريخي المكتوم وهو طالع على السلم، قلب الدنيا. ثواني معدودة وكانوا كاسرين قفل الباب وباب الشقة اتهبد على الحيطة.

​أول ما أحمد دخل وشافني غرقانة على الأرض ومية الولادة مغرقة المكان، وشاف ورقة الدكتورة والدوسيه المرمي جنبي، عينه اسودت من الرعب والغل. شالني من على الأرض بسرعة تفوق الخيال، والحارس جرى يفتح باب العربية بتاعة أخويا اللي كانت تحت. في الطريق للمستشفى، كنت بنطق بالعافية وبقول لأحمد على اللي حصل، وهو كان بيسوق زي المجنون ودموعه نازلة من القهر على أخته.

​في المستشفى، الدكاترة كانوا بيجروا بالترولي ودخلت غرف العمليات فوراً بنظام الطوارئ القصوى. ربنا ستر ولحقت ولادي في آخر لحظة، توأم زي القمر، بس الدكتورة طلعت لأخويا وقالتله بكل وضوح: “التأخير ده كان ممكن ينهي حياتها وحياة الأطفال، دي جري..مة!” وأنا في الإفاقة، مكنش في عيني دموع.. كان في جبل من التلج والكره اتولد جوايا، والضعف اللي كان في قلبي اتمحى تماماً. رفضت أقعد في المستشفى أو أروح بيت أهلي، وبصيت لأخويا وقولتله بصوت حاد ومسموم: “هترجعني بيتي حالا يا أحمد.. حقي مش هسيبه، وعايزاهم يشوفوا هما سابوا إيه.”

​أخويا اتصل بأعمامي وجاب اتنين من رجالة عيلتنا الكبار، وروحنا على الشقة. ملمسناش نقطة دم واحدة ولا نضفنا مية الولادة من على الأرض، سيبنا كل حاجة زي ما هي عشان يشوفوا جنايتهم لايف. قعدنا في الصالة في ضلمة كحل، ومحدش فينا نطق بكلمة، الكل مستني في صمت رهيب يخوف.

​بعد كام ساعة، سمعنا صوت ضحكهم العالي الرقيع وهو طالع على السلم.. شادية بحركتها الخفيفة بتدندن، وأخت طارق فرحانة بأكياس الشوبنج والشنط الماركة الجديدة اللي اشتروها. طارق حط المفتاح في القفل وفتح الباب وهو بيضحك بأعلى صوته وبيقول: “أهو رجعنا يا ستي، شفتي إنك كنتي بتهولي والموضوع مش مستـ…”

​في اللحظة دي، أخويا أحمد مد إيده وشغل كبس النور فجأة.

​المشهد كان مرعب وجمد الدم في عروقهم كلهم. الصالة كانت عبارة عن مسرح جري..مة؛ بقع الدم والمية مغرقة السجاد والبلاط، الدوسيه الأزرق متقطع على الأرض، وأنا قاعدة في وسط الصالة على الكرسي بكل شموخ، ملامحي ميتة وخالية من أي مشاعر، ولابسة عباية سودا، وحواليا أحمد وأعمامي واقفين ورايا زي الجبال بنظرات كلها توعد وموت، وفي إيد أخويا تقرير طبي رسمي من المستشفى يثبت حالة الإهمال المتعمد اللي تعرضت ليها.

​طارق أول ما عينه جت على بقع الدم، وشاف نظرة الغل والموت في عيون رجالة عيلتي، وبص لوشي اللي مبقاش فيه أي أثر للست الهادية المطيعة المستسلمة، أكياس الشوبنج وقعت من إيده واتبعثرت في الأرض.. ركبه سابت تماماً ووقع على ركبه من الصدمة والرعب وهو بيبصلي ومش قادر ينطق بحرف. حماتي شادية شهقت ووقعت الشنطة الجديدة من إيدها، ووشها بقى أصفر زي الأموات، وأخته استخبت ورا ضهر أبوها اللي كان واقف مبرق ومش مستوعب إن الضعيفة اللي سابوها بتموت، رجعت عشان تدوس عليهم كلهم وتنهي حياتهم بكلمة


واحدة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *