الرجوع من الموت ندى الجمل الثاني
البارت الرابع
أول ما كريم خرج من شركة التأمين، كان واثق إن الموضوع مجرد إجراءات روتينية.
ركب عربيته، وطلع على طول على مكتب المحامي اللي بيتعامل معاه.
أول ما دخل، رمى الملف على المكتب وقال:
“أنا عايز شهادة الوفاة تطلع في أسرع وقت.”
المحامي فتح الملف وقلب في الورق، وبعدها قال:
“لازم نبلغ النيابة الأول إن الجث..ة لسه مفقودة، وبعدها نمشي في الإجراءات القانونية.”
كريم اتضايق.
“يعني هتاخد وقت؟”
المحامي هز راسه.
“شوية… بس متقلقش.”
طلع كريم من المكتب وهو متعصب.
كل يوم تأخير كان بالنسباله معناه تأخير الفلوس اللي كان مستنيها.
…
في المستشفى…
كنت قاعدة باصة لآدم وهو نايم في حضني.
حسيت إن ربنا اداني سبب جديد أعيش عشانه.
دخل محمود بهدوء، ومعاه المحامي.
قعد قدامي وقال:
“في حاجة لازم تعرفيها.”
بصيتله باستغراب.
قال:
“أنا من يوم ما شفت خبر الحادث، بدأت أسأل ورا جوزك.”
سألته:
“ليه؟”
قال:
“لأن الحادث غريب.”
“راجل يرجع لوحده، ويقول مراته وقعت، ومن غير ما يبلغ الشرطة بنفسه؟”
كان كلامه منطقي.
فتح الملف اللي في إيده.
وطلع صورة.
ناولني إياها.
أول ما بصيت فيها…
قلبي وقع.
كانت صورة كريم.
قاعد في مطعم.
وقدامه رانيا.
مش بس قاعدين…
كان ماسك إيدها.
دموعي نزلت غصب عني.
رغم إني كنت شاكّة…
لكن الصورة وجعتني.
محمود قال:
“دي قبل الحادث بأسبوع.”
طلع صورة تانية.
ودي كانت قدام شركة تأمين.
قال:
“ودي قبل الرحلة بيومين.”
بدأت أحس إن في حاجة أكبر.
سألته:
“إنت بتلم الصور دي ليه؟”
قال بهدوء:
“لأن الراجل ده ماحاولش يقتلك في لحظة غضب.”
“هو كان بيرتب لكل حاجة.”
فضلت ساكتة.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
فتح المحامي آخر ورقة في الملف.
وحطها قدامي.
كانت نسخة من وثيقة التأمين.
باسمي.
أنا وآدم.
بصيت للمبلغ المكتوب.
واتصدمت.
خمسين مليون جنيه.
افتكرت اليوم اللي كريم جابلي فيه الورق.
قال وقتها:
“دي مجرد ورق خاص بالبنك، إمضي هنا بسرعة عشان الحق المعاد.”
وأنا…
مضيت من غير ما أقرا.
ضربت كفي في بعض وأنا بعيط.
“يعني… قتلني عشان الفلوس؟”
محمود بصلي بحزن.
وقال:
“للأسف… أيوه.”
“ولو كنا أعلنّا دلوقتي إنك عايشة، هيقول إنه كان حادث، وهيخرج منها.”
رفعت راسي.
“يبقى نعمل إيه؟”
ابتسم المحامي لأول مرة.
وقال:
“هنخليه يفضل فاكر إن خطته نجحت.”
“كل ما يحس إنه في أمان… هيغلط.”
وفي اللحظة دي…
رن موبايل محمود.
رد.
وفجأة اتغيرت ملامح وشه.
قفل المكالمة، وبصلي.
وقال:
“الخبر وصل…”
“كريم بدأ يجهز لعزاكي.”
اتجمدت مكاني.
“يعني هيعمل عزا لواحدة… لسه عايشة؟”
محمود هز راسه.
وقال الجملة اللي كسرت قلبي:
“والأصعب من كده…”
“أخوكي هو اللي بيتولى استقبال المعزين.”
يتبع…
البارت الخامس
أول ما سمعت إن أخويا واقف في العزا…
حسيت إن قلبي اتقبض.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
قلت لمحمود بصوت مكسور:
“هو أكيد مصدق إني مت…”
هز راسه وقال:
“طبيعي… كريم قال للكل إن فرق الإنقاذ ملقتش أي أمل في إنك تكوني عايشة، وإنهم اعتبروا إنك توفيتي متأثرة بإصاباتك.”
غمضت عيني.
تخيلت أخويا وهو واقف يستقبل الناس، وكل واحد يعزيه فيا.
وتخيلت قهرة أمي… لولا إنها توفت من سنين كان الخبر ده كفيل يقتلها.
سألت محمود:
“ينفع أروح أشوف العزا من بعيد؟”
المحامي اعترض بسرعة.
“مستحيل.”
“لو حد شافك، كل اللي بنبنيه هيقع.”
كنت عارفة إنه معاه حق.
لكن قلبي كان بيتقطع.
…
في نفس الوقت…
كان السرادق مليان ناس.
كل واحد بيقول كلمة.
وكلهم بيدعوا لي بالرحمة.
أما كريم…
فكان واقف لابس جلابية سودا، ووشه كله حزن.
أي حد يشوفه يقول إنه راجل مكسور.
لكن الحقيقة…
إنه كان بيمثل.
كل شوية حد يقرب منه يقول:
“شد حيلك يا كريم.”
فيرد وهو مطاطي راسه:
“الحمد لله على كل حال.”
لكن أول ما الناس تبعد…
كان وشه بيرجع طبيعي.
وفي لحظة، رانيا بعتتله رسالة.
“كل حاجة ماشية زي ما اتفقنا؟”
رد عليها:
“أيوه… كلها يومين ونخلص إجراءات التأمين.”
في اللحظة دي…
واحد من المعزين قرب منه.
كان راجل كبير في السن.
سلم عليه، وبعدين قال:
“ربنا يصبرك.”
كريم شكره.
لكن الراجل قبل ما يمشي قال جملة غريبة:
“الغريبة إن بنتك الصغيرة كان مكتوبلها تعيش.”
اتخض كريم.
“بنت إيه؟!”
الراجل استغرب.
“أنا أقصد البيبي… هو مش مات مع أمه؟”
كريم اتلخبط للحظة.
لكنه تدارك نفسه بسرعة.
وقال:
“أيوه… الاتنين.”
الراجل هز راسه ومشي.
لكن كريم فضل واقف مكانه.
أول مرة…
يحس إنه ممكن يغلط.
…
وفي المستشفى…
دخل علينا المحامي وهو مبتسم.
قال:
“في خبر حلو.”
بصيت له بسرعة.
“إيه؟”
قال:
“في موظف من شركة كريم طلب يقابلنا.”
استغربت.
“ليه؟”
رد:
“بيقول إنه يعرف سر، ولو قاله… كريم عمره ما هيخرج من القض..ية.”
أنا ومحمود بصينا لبعض.
سألته:
“هو فين دلوقتي؟”
قال:
“مستنينا في المكتب.”
لبست بسرعة رغم إن الدكتور كان رافض إني أتحرك كتير.
روحت مع محمود والمحامي.
أول ما دخلنا المكتب…
لقينا الراجل قاعد، ووشه كله خوف.
أول ما شافني…
وقف مكانه.
وقال وهو بيتلفت حواليه:
“أنا هقول كل حاجة…”
“بس أوعدوني تحموني.”
المحامي قال:
“اتكلم.”
بلع ريقه وقال:
“قبل الحادث بأسبوع…”
“سمعت كريم وهو بيقول لرانيا…”
وسكت فجأة.
لأن باب المكتب…
اتفتح بعنف.
ودخل شخص ما، وهو بيصرخ:
“متنطقش… وإلا هتموت!”
يتبع…
البارت السادس
أول ما الراجل صرخ:
“متنطقش… وإلا هتموت!”
لفينا كلنا ناحية الباب.
كان واحد ضخم، لابس كاب ونضارة سودة، ودخل بسرعة وهو بيجري ناحية الموظف.
لكن قبل ما يوصل له…
رجالة الأمن اللي كان محمود جايبهم مسكوه.
وقعوه على الأرض، وفضل يقاوم بكل قوته.
الموظف كان بيرتعش.
وشه بقى أصفر.
وقال وهو بيشاور عليه:
“أنا أعرفه… ده السواق بتاع كريم.”
الراجل حاول ينكر.
“أنا معرفش حد… دخلت غلط.”
لكن الأمن طلع من جيبه مطواة صغيرة.
المحامي بص له وقال:
“واضح إنك داخل تغلط فعلًا.”
اتصل بالشرطة، وخلال دقائق وصلت قوة من القسم.
أخدوا السواق، وبدأوا يحققوا معاه.
…
بعد ما الهدوء رجع، الموظف شرب شوية مية، وقال:
“أنا اسمي شريف… وكنت مدير الحسابات في شركة كريم.”
بصيت له باهتمام.
قال:
“من حوالي شهر، كريم طلب مني أحول مبلغ كبير من حساب الشركة.”
“سألته الفلوس دي رايحة فين، قالي: هسدد بيها كل ديوني قريب.”
استغربت.
“ومنين هيجيب المبلغ؟”
شريف رد:
“قال جملة عمري ما هنساها…”
وسكت لحظة.
كلنا كنا مستنيين.
قال:
“بعد أسبوع هبقى مليونير… وهبدأ حياة جديدة مع رانيا.”
حسيت بقشعريرة في جسمي.
شريف كمل:
“افتكرت وقتها إنه داخل في صفقة كبيرة.”
“لكن بعدها بيومين، طلب مني أجهز كل أوراق التأمين الخاصة بمدام ندى.”
قلبي دق بسرعة.
“وكان عارف قيمة الوثيقة؟”
هز راسه.
“هو اللي اختارها بنفسه.”
المحامي سأله:
“إنت مستعد تقول الكلام ده قدام النيابة؟”
رد من غير تردد:
“أيوه.”
ابتسم محمود لأول مرة.
وقال:
“الحمد لله… بدأنا نمسك أول طرف الخيط.”
…
في الناحية التانية…
كريم كان قاعد في البيت.
قدامه صورة كبيرة ليا، محطوطة بعد العزا.
كان بيبص لها وهو ساكت.
وفجأة…
موبايله رن.
رقم مجهول.
رد بضيق:
“مين؟”
جاله صوت ست.
هادئ جدًا.
قال:
“وحشتني يا كريم.”
اتجمد.
قام وقف من مكانه.
“مين؟!”
الصوت ضحك ضحكة خفيفة.
وقال:
“هو أنت نسيت صوت مراتك بالسرعة دي؟”
وقع الموبايل من إيده.
وشه بقى أبيض.
رانيا، اللي كانت قاعدة معاه، قامت مفزوعة.
“في إيه؟”
بصلها وهو مرعوب.
وقال:
“ندى…”
“ندى كلمتني.”
رانيا صرخت:
“مستحيل… دي ماتت.”
رد وهو بيرتعش:
“يبقى… أنا كنت بكلم مين؟”
في نفس اللحظة…
كنت قاعدة مع محمود والمحامي.
قفلت الخط.
وبصيت لهم.
ابتسمت لأول مرة من ساعة الحادث.
وقلت:
“خليه من النهارده… يخاف ينام.”
لكن محمود ما ابتسمش.
بص للمحامي وقال:
“لسه بدري.”
“إحنا لسه مشوفناش رد فعله.”
وفعلًا…
بعد أقل من ساعة…
عمل كريم حاجة…
ماكانش في حد فينا متوقعها أبدًا.
يتبع…
بقلم ندى الجمل