حكايات زهرة الربيع الثالث والاخير
فتحت تليفون حازم القديم، وبدأت أصابعي تتحرك على الشاشة بذهول وأنا بقرأ السطور اللي بعتتها أخته “نيرمين”. الكلام كان صدمة، بس الصدمة المرة دي مخلتنيش أعيط ولا جسمي يسيب، بالعكس، دي خلتني أبتسم ببرود مفيش بعده.
نيرمين كانت كاتبة لأخوها قبل الأزمة بيومين بس: “يا حازم، أمي اتفقت مع محامي كبير تبعنا، قالي إن لو سناء فضلت متمسكة بمرتبها وبيتها، إحنا ممكن نرفع عليها قضية طاعة في الشقة القديمة، ولو رفضت هتبقى ناشز وتسقط نفقتها. وبخصوص العيال، المحامي قال لأمي لو عرفنا نثبت إن سناء بتسيب العيال لوحدهم فترات طويلة بسبب شغلها وسفرها تبع الشركة، أو لو صورناها في أي خروجة مع صحابها بشكل مش عاجبنا، نقدر نسحب منها حضانة العيال والعيال يجوا عندك، وأمي هي اللي تربيهم، وساعتها تضطر تدفع هي نفقة للعيال من مرتبها المحترم ده ورجلها فوق رقبتها، وبكدة نكسر مناخيرها وناخد الفلوس والعيال والشقة!”
حماتي ونيرمين مكنوش مجرد طماعين، دول كانوا بيخططوا يدمّروا مستقبلي ويحرموني من عيالي التلاتة وياخدوا شقى عمري عشان يعيشوا بيه في “تبحبح”!
مسكت تليفوني، وصوّرت كل الرسائل دي شوتس واضحة جداً، وبعتها فوراً للمحامي بتاعي على الواتساب، وكتبت له: “أستاذ مدحت، شوف الرواية الجديدة دي، دي السلاح اللي هنهي بيه اللعبة خالص”. المحامي رد عليا في ثواني: “يا مدام سناء، ده حبل المشنقة اللي هما لفوه حوالين رقابهم بإيدهم.. الرسائل دي مع صك النزاع ووصول الأمانة اللي حازم مضى عليها، تخلينا نقلب الترابيزة قلبة ميعرفوش يقوموا منها طول عمرهم”.
تاني يوم الصبح، حازم رجع من الشغل تعبان، لقى البيت هادي، والعيال في أوضهم. قعدت قدامه في الصالة، وحطيت تليفونه القديم على التربيزة، وبصيت له وقلت له بنبرة خلت ركبه تتخبط في بعضها: “نورت بيتك الجديد يا أبو العيال.. قريت رسائل نيرمين وأمك؟”
حازم وشّه اتخطف، وبقى يبص للتليفون ويبصلي، وحاول يتلعثم: “رسائل إيه؟ نيرمين مين؟ أنا ماليش دعوة بحوارات الستات دي يا سناء!”.
وقفت بكل ثبات وقلت له: “لأ ليك يا حازم.. لأنك كنت ساكت وعارف إنهم بيفكروا ياخدوا عيالي مني ويسقطوا حضانتي ويسموني ناشز عشان فلوسي! بس أنا بقى مش هستنى لما المحامي بتاع أمك يتحرك. أنا الصبح بعت الرسائل دي مع المحامي بتاعي لجهة عمل نيرمين—نيرمين اللي شغالة في الشؤون القانونية في هيئة حكومية وبتستغل معارفها—وقدمنا فيها بلاغ رسمي بالابتزاز والتواطؤ واستغلال النفوذ. ده غير إن المحامي بتاعي رفع الصبح قضية ‘طلب ولاية تعليمية مطلق’ وقضية ‘حجر قانوني’ على المحل بخصوص أي تعاملات تخصني، والرسائل دي هتنزل بكره في ملف محكمة الأسرة كدليل قاطع على الضرر والتهديد المباشر لأمومتي وعيالي”.
حازم قام وقف زي المجنون، وصوته يترعش: “إنتي هتحبسي أختي وتخربي بيتها؟! دي متجوزة وعندها عيال وممكن تترفض من شغلها!”.
قلت له وأنا ببص في عينيه بقوة: “واللي كانت عايزة تحرمني من ولادي وتخرب بيتي وتسرق شقايا مكنتش بتفكر في عيالي ليه؟ اللي يلعب بالنار يتحمل حرقها يا حازم. أمك وأختك فاكرين إن الدنيا سايبة، وإني ست طيبة هقعد أعيط في الركن.. أنا أخدت حقي مالي وقانوني، ودلوقتي جه الدور على الحساب العائلي”.
وفي نفس اللحظة، تليفون حازم رن، وكانت أمه بتصرخ بهستيريا وصوتها جايب لآخر الشارع: “الحقني يا حازم!! أختك نيرمين جالها وقف عن العمل وتحقيق في الشغل بسبب شكوى من مصلحة الضرائب والرقابة بخصوص المحل والضمانات القديمة ورسائل الابتزاز! سناء خربت بيتنا رسمي يا حازم!! الحقناااا!”.
حازم رمى التليفون من إيده وبصلي بنظرة رعب، كأنه شايف قدامه شخص تاني أول مرة يتعرف عليه.. مبقاش قادر ينطق، ولا بقى قادر يدافع، ولا حتى قادر يطلب السماح.
بصيت له وقلت له: “دي البداية بس يا حازم.. المفاجأة الكبيرة بقى لأمك وأختك نيرمين لسه هتوصلهم بكره الضهر، مفاجأة هتخليهم يتمنوا إنهم مكنوش يعرفوا اسم سناء من الأساس!”.
حازم نزل على الكنبة وهو مش قادر يشيل طوله، باصص للأرض ودموعه نزلت من قلة الحيلة والخوف من اللي جاي. لقى نفسه فجأة في نص المعركة اللي أمّه وأخته خططوا ليها، بس بدل ما يكسروا مناخيري زي ما كانوا فاكرين، لقوا نفسهم تحت أنقاض خطتهم. وبصلي وصوته طالع بالعافية: “بوس إيدك يا سناء.. بلاش أمي وأختي، دمريهم ودمريني أنا بس بلاش هما، نيرمين بيتها هيتخرب وجوزها لو عرف بموضوع التحقيق ده هيطلقها!”.
بصيت له بمنتهى الجفاء وقلت له: “اللي بيخاف على بيته مبيخربش بيوت الناس يا حازم. أمك وأختك نسوا إن الله حق، ودارت الأيام ووقعوا في شر أعمالهم”. سبته ودخلت أوضتي وقفلت الباب، ونمت ليلتها وأنا مرتاحة لأول مرة من سنين.
تاني يوم الضهر، الكابوس الحقيقي والمفاجأة الكبرى نزلت على دماغ حماتي ونيرمين زي الصاعقة.
المفاجأة مكنتش مجرد بلاغ في الشغل، المفاجأة كانت إن المحامي بتاعي، بالتعاون مع مستشار قانوني كبير في شركتنا، قدروا يثبتوا إن المحل اللي حماتي مشغلاه وبتاكل منه عيش هي وبنتها، ومكتوب باسم حماتي، مكنش قايم بس على ضمان مرتبه، لأ.. ده كان فيه تلاعب ضريبي كبير جداً في الفواتير وفي حجم الأرباح اللي بتدخلهم كل شهر عشان يهربوا من الضرائب، والتلاعب ده نيرمين هي اللي كانت ميزاه بحكم معارفها في الشؤون القانونية!
الساعة جت واحدة الضهر، ولقيت حازم تليفونه بيرن، فتح الخط على “الاسبيكر” وإيده بترتعش. كانت حماتي، بس المرة دي مكنتش بتصرخ ولا بتزعق، صوتها كان مكسور، وبتشهق من البكاء والرعب: “الحقني يا حازم.. يا خراب بيتنا يا ابني! مباحث التموين والضرائب العقارية جم المحل وشمعوه بالشمع الأحمر! وخدوا نيرمين من بيتها للنيابة عشان التحقيق في قضية تزوير وتهرب ضريبي واستغلال نفوذ! المحامي بيقول القضية كبيرة وفيها حبس وغرامة بمئات الآلاف! الحقنا يا حازم كلم سناء خليها تتنازل وتبوس إيد أصحاب القرار، سناء واصلة وليها ناسها في الشركة وهي اللي حركت كل ده!”.
حازم رمى التليفون وقام جرى عليا، ونزل على ركبه قدامي، ومسك إيدي وهو بيبكي بنحيب: “أرجوكي يا سناء! أرجوكي ارحمينا! أمي هتموت من الصدمة وأختي بتضيع ومستقبل عيالها بيتدمر! أنا مستعد أبوس رجلك قدام الناس كلها، مستعد أعملك أي حاجة، بس انقذي أختي وشيلي البلاغات دي!”.
سحبت إيدي منه بكل حسم وقوة، وبصيت له وعيني مفيهاش أي نقطة ضعف: “عايزني أتنازل؟ بعد كل اللي عملتوه؟ بعد ما كنتوا عايزين تحرموني من ولادي وتستغلوني كأني آلة فلوس؟ أنا متحركتش غير لما هما فكروا يؤذوني في أعز ما أملك.. عيالي! ودلوقتي، القانون بياخد مجراه، والذنب ذنب أختك وأمك اللي مشوا في الحرام والظلم”.
حازم فضّل يتوسل ويصوت، وأنا واقفة زي الجبل مفيش كلمة منه بتهزني. حماتي اللي كانت بتقول “أنا جوزتك لابني عشان وظيفتك ومرتبك” وبتقولي “انتي ملكيش حق ترفضي”، أهي دلوقتي قاعدة على باب النيابة بتلطم وتتمنى بس نظرة رضا مني أو كلمة تشفع لبنتها.
حازم لقى إن كلامه معايا ملوش فايدة، فمسك تليفونه وجرى على بره عشان يلحق أخته وأمه ويشوف هيتصرف إزاي في الغرامات والمصيبة اللي ملهاش أول من آخر دي، لقى نفسه داخل في دوامة ديون وقضايا ومحاكم ميعلم بيها إلا ربنا، وبقى حرفياً بيدفع تمن “العشم البارد” وطمع أمه من دمه وعافيته ومستقبله.
أما أنا، فقعدت وسط ولادي التلاتة في شقتنا الجديدة، وبصيت لملف القضايا اللي قدامي على التربيزة، وابتسمت.. لأن الفصل الأخير من الرواية دي، مكنش مجرد عقاب ليهم، ده كان التوقيع الرسمي على نهاية عصر الظلم وبداية حياتي الجديدة، والخطوة اللي جاية.. هي اللي هتنهي القصة دي للأبد!
خرج حازم من الشقة يجري في الشوارع زي المجنون، مش عارف يروح فين ولا يلم مصيبته منين. المحل اتقفل واتشمع، وأخته نيرمين محبوسة على ذمة التحقيق، وأمه اللي كانت “تتحامى في ابنها وتربيتها” بقت مرمية على رصيف النيابة بدموعها تلطم وتندب حظها، وجوز نيرمين أول ما عرف بمصيبة التزوير والضرائب اتصل بحازم وقاله: “أختك تخرج من النيابة على بيت أمها، ماليش عيش مع ست كانت بتخطط تخرب بيوت الناس وتزور!”.
كل اللي بنوه في سنين من طمع وجشع وافتراء على ولايا، انهد فوق دماغهم في كام يوم.
أما أنا، فقفلت باب شقتي الجديدة عليّ وعلى عيالي. قعدت مع المحامي بتاعي ومضيت على الخطوة الأخيرة.. “قضية خلع”.
حازم مكنش ينفع يفضل في حياتي ولا ثانية زيادة، الراجل اللي سمح لأمه تهين كرامتي، والراجل اللي رضي يشارك في مؤامرة لحرماني من عيالي ويقولي بملء فيه “اعتبري نفسك بنك”، ملوش مكان في مستقبلي.
بعد أسبوعين من المرمطة في المحاكم والنيابات، وبمساعدة المحامي والاتصالات القانونية، وافقت أتنازل عن الشق الخاص بالبلاغ الشخصي بالابتزاز ضد نيرمين—رأفةً بعيالها الصغيرين اللي مالهمش ذنب—لكن التنازل ده مأنقذهاش من قضية التموين والتهرب الضريبي لأنها حق دولة. نيرمين خرجت بكفالة مكسورة الظهر، ومفصولة من شغلها رسميًا، ورجعت مطلقة لبيت أمها.
وعشان يلموا الغرامات اللي فرضتها المحكمة على المحل عشان يتشال الشمع الأحمر، اضطر حازم يبيع عربيتهم، وحماتي باعت كل حيلتها والذهب القديم اللي كانت مخبياه للزمن، وبقوا هما الاتنين يشتغلوا في المحل يدوب عشان يسددوا ديون الغرامات وإيجار الشقة الجديدة اللي دبلت حالهم.
في يوم الجلسة الأخيرة في محكمة الأسرة، وقفت قدام القاضي بكل ثبات. حازم كان واقف على بعد خطوات مني، دبلان، خسس النص، هدومه مبهدلة، ونظرته كلها انكسار ورجاء. بصلي ودموعه في عينه وقالي بصوت واطي: “سامحيني يا سناء.. ضيعت نفسي وضيعت أمي وأختي بسبب طمعنا، ارحميني وارجعيلي وأنا خدام تحت رجليكي”.
بصيت له بكل برود وقلت له: “اللي بيبيع مراته عشان قرشين، ميرجعش يطلب الرحمة لما يتفلس.. إنت وأهلك كنتوا فاكرين إن وظيفتي ومرتبي نقطة ضعفي اللي هتذلوني بيها، ومكنتوش تعرفوا إنها هي السلاح اللي هكسر بيه عينكم”.
نطق القاضي بالحكم: **”حكمت المحكمة بخلع المدعوة سناء من زوجها حازم، مع إلزام المدعى عليه بالنفقة الشهرية المقررة للأبناء والولاية التعليمية الكاملة للأم.”**
نزلت من المحكمة وأنا حاسة بوزن جبل انزاح من على صدري. الهوا كان برا المحكمة نظيف، والشمس طالعة بتنور طريقي الجديد.
النهاردة، أنا عايشة في شقتي مع عيالي التلاتة، مركزة في شغلي وطورته والحمد لله اترقيت وبقى مرتبي ضعف الأولاني. فلوسي بقت لبيتي ولعيالي و لنفسي، مبقتش بآجل فستان ولا خروجة، وعيالي عايشين في مستوى محترم وكرامتهم وكرامة أمهم فوق راس الجميع.
أما حازم وأمه وأخته، فكل ما يفتكروا اليوم اللي دخلوا فيه شقتي عشان ياخدوا المرتب كله ويلووا دراعي، ويفتكروا النظرة اللي بصوهالي بيها، بيعرفوا إن ربنا يمهل ولا يهمل، وإن الست الطيبة لما بتتقي شرها.. بتعلم درس مبيتنسيش في الكوابيس!
**تمت**