جحيم التجمع حكايات شروق خالد

رجعت البيت بدري عن المعتاد، شايل في إيدي بوكيه ورد أبيض وسالوبيت قطن صغنن لنونو المنتظر. مراتي نور كانت في الشهر السابع، والحمل تعابها
أول ما خطيت جوة ريسبشن فيلتنا في التجمع الخامس، الورد وقع من إيدي واتبدر على الأرض. المشهد كان كابوس؛ نور راكعة على ركابها فوق الرخام، دموعها نازلة زي المطر، وإيديها الاتنين مغلغلين لحد الكوع في جردل مليان مية سخنة وكلور ومية نار! جلدها الناعم كان متورم وواكل بعضه بشكل يرعب. وعلى الكرسي الصالون المريح، كانت قاعدة أمي، شاهيناز هانم، بكل برود بتاكل عنب من طبق كريستال، وجنبها نجوى، الممرضة الخاصة اللي أمي غصبتني أجيبها، قاعدة بتكتب ملاحظات في نوتة بدم بارد ولا كأن فيه حاجة.
زعقت بأعلى صوتي: “إيه المهزلة دي؟! بتعملوا إيه في مراتي؟!”
بصت لي شاهيناز هانم بغرورها المعتاد وهي بتبلع العناية وقالت: “بنربيها يا سليم.. الهانم بتاعتك مهملة ومبتسمعش الكلام، ونجوى بتعمل لها جلسة تعديل سلوك عشان تعرف مقامها.”
ترميت على الأرض جنب نور، شديت السلكة من إيدها اللي بترتعش، عيطت بهستيريا وهمست

برعب: “أنا آسفة يا سليم.. سامحني.” الاعتذار ده دبحني من جوة؛ مراتي الحامل بتتأذى في بيتي وبتعتذر لي أنا! جيت أوقفها، لقيتها مسكت بطنها فجأة وقالت بضعف: “سليم.. النونو مبيتحركش.. أنا مش حاسة بيه!”
#حكايات_شروق_خالد
هنا العقل طار مني. طلعت تليفوني وطلبت النجدة والإسعاف وشغلت الاسبيكر، وأمي بتزعق وتقول لي: “أنت اتجننت؟ عايز تفضحنا وتدخل البوليس بيوت الأكابر؟” مديتهاش عقاد نافع، وجريت على لوحة التحكم الذكية بتاعة الفيلا، وبضغطة زرار واحدة قفلت البيت كله؛ السواتر الحديد نزلت على الشبابيك والأبواب الإلكترونية اتعشقت عشان الممرضة متهربش.
دخلت بنور الحمام وفتحت المية الساقعة على إيديها عشان أهدي الحروق، وأمي جات ورايا بتزعق وتقولي إني ببوظ الأدلة، شاورت لها بإيدي على الكاميرا المخفية الصغير اللي في سقف الحمام والصالة واللي كانت بتنور أخضر، ووشها قلب ألوان وشحب تماماً.
البوليس والإسعاف وصلوا في دقايق. المسعفين حطوا جهاز النبض على بطن نور، ومرت ثواني صمت قاتلة، لحد ما طلع صوت دقات قلب ابننا؛ سريعة وملخبطة بس عايش. المسعف

قال بنبرة قلقانة: “الحالة خطيرة بسبب استنشاق الكلور والمواد الكيميائية وفيه علامات طلق مبكر، لازم فوراً على المستشفى.”
وهما بياخدوها، أمي قربت مني وقالت بفحيح: “لو اسمي اتكتب في محضر، انسى إن ليك أم وهحرمك من ورث أبوك.” بصيت لإيدين مراتي المحروقة وقلت لها: “أنا معنديش أم.. أنا عندي عيلة هحارب عشانها”، وسلمت رئيس المباحث فلاشة الكاميرات.
في المستشفى، نور دخلت الرعاية المركزة. الدكتور خرج ووشه ميتفسرش، وقال لي صدمة عمرنا: “أستاذ سليم.. تحاليل الدم طلعت فيها نسبة عالية من مادة الزرنيخ ومهدئات تانية.. الحاجات دي بتتاخد بجرعات صغيرة على مدار شهور، وهي السبب في حالة الخمول والاكتئاب اللي كانت عندها.. فيه حد كان بيسممها بالبطيء عشان يسقطها ويخلص من الجنين!”
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. واقتربت من نور أول ما فتحت عينيها لثواني قبل ما يدوها مسكن، همست لي بتعب وعينيها كلها رعب: “سليم.. متتفرجش على فيديو النهاردة بس.. ارجع بالتاريخ شهرين ورا.. شوف الأيام اللي أنت مكنتش فيها في البيت.. شوف كانوا بيعملوا إيه في أوضتنا!”
فتحت الأبليكيشن بتاع الكاميرات من الموبايل، ورجعت للأيام اللي كنت بسافر فيها شغل في الإسكندرية. دم تجمد في عروقي وأنا بشوف الفيديوهات؛ مكنتش أمي والممرضة بس.. دي كانت “فريدة” خطيبتي القديمة وبنت شريكة أمي في الشغل، اللي أمي كانت بتموت وتجوزهالي! فريدة كانت بتدخل الفيلا بنسخة مفتاح نص الليل، وتدخل أوضتنا وتحقن قزايز المية والعصير بتاعة نور بالسم والمهدئات، وأمي والممرضة واقفين على الباب بيأمنوا لها الطريق! وفي لقطات تانية كانت فريدة بتدوس على بطن نور وهي نايمة بكل غل وتتوعدها.
تليفوني رن برقم غريب، فتحت لقيت صوت فريدة وهي بتضحك بشماتة وتقولي: “مبروك يا سليم.. المحروسة في المستشفى؟ بس أحب أقولك المحامي بتاعنا سحب جهاز التسجيل الأصلي من القسم قبل ما يتفحص.. يعني معندكش أي دليل ضدنا!”
قفلت السكة في وشها وبصيت لباب الرعاية وأنا ببتسم ببرود وثقة؛ المغفلين ميعرفوش إني مهندس برمجيات، وأن نظام الكاميرات بتاعي بيرفع كل حاجة أول بأول على سيرفر سحابي خاص ومؤمن برة مصر، وأن النسخة كاملة بفسادهم بقت دلوقتي على مكتب النائب العام.
#حكايات_شروق_ خالد

لمحة نيوز

ما هنيتش فريدة بالضحكة دي، قفلت السكة وكلمت الضابط اللي ماسك القضية، وبعت له لينك السيرفر السحابي عليه كل الفيديوهات متقسمة بالتواريخ والساعات، ومرفق معاها تقرير المستشفى الأولي عن نسبة الزرنيخ في دم نور. الضابط أول ما شاف الفيديوهات كلمني وهو مش مصدق: “يا سليم بيه، ده شروع في قتل مع سبق الإصرار والترصد، دي جناية مش جنحة! إحنا طالعين بقوة دلوقتي على فيلا شاهيناز هانم وفريدة.”
في نفس الوقت، كنت قاعد جنب نور في الرعاية، ماسك إيدها اللي لفوها بالشاش، وببص لجهاز نبض الجنين اللي بدأ يستقر شوية. فتحت عينيها ببطء، وعينها مليانة دموع وخوف: “سليم.. النونو كويس؟”
بست راسها وقلت لها وصوتي بيترعش من كتر العاطفة: “كويس يا قلب سليم، وعايش، وحقك وحقه هييجي لحد عندك وفوقيه بوسة كمان، نامي وارتاحي ومتخافيش من حاجة طول ما أنا جنبك.”
الساعة كانت دخلت على 3 الفجر لما تليفوني رن تاني، بس المرة دي كان ضابط المباحث. صوته كان جاد جدًا: “سليم بيه، إحنا قبضنا على نجوى الممرضة في كمين وهي تحاول تهرب على بلدها في الأرياف، واعترفت بكل حاجة.. وقالت إن شاهيناز هانم وفريدة هما اللي كانوا بيدوها المهدئات والزرنيخ عشان تحطها لنور في الأكل والعصير. بس لما روقنا على فيلا والدتك وفريدة، ملقيناش حد هناك.. شكلهم عرفوا إن الفيديوهات معانا وهربوا.”
دمي حرقني، هربوا فين؟ شاهيناز هانم عندها شاليه في الساحل، وفريدة أهلها عندهم شقة في الزمالك. كلمت واحد صاحبي شغال في الاتصالات، وبعت له أرقام تليفونات أمي وفريدة: “اسمع يا صاحبي، عايزك تجيب لي مكان السيل لود (موقع الشبكة) بتاع الأرقام دي حالا!”
عشر دقايق وصاحبي كلمني: “سليم، الخطين متاحين وبيلقطوا من شبكة في منطقة (مصر الجديدة)، وتحديداً في محيط فندق شهير هناك، وشكلهم بيجهزوا عشان يهربوا برة مصر!”
عرفت هما فين.. شاهيناز هانم ليها قريبة عايشة هناك، وأكيد بتساعدهم يخلصوا ورق السفر بالإجراءات المستعجلة. كلمت الضابط وبلغته بالمكان، وقلت له: “أنا سابقك على هناك.”
وصلت مصر الجديدة قبل القوة، وركنت عربيتي بعيد. فضلت مراقب مدخل العمارة، ولحد ما الساعة بقت 6 الصبح، لقيت باب العمارة بيفتح، وخرجت أمي شاهيناز هانم وهي لابسة نظارة سوداء ومغطية راسها بإيشارب، وجنبها فريدة شايلة شنطة سفر صغيرة، وبيتحركوا بسرعة ناحية عربية مرسيدس سودا كانت مستنياهم.
قبل ما يفتحوا باب العربية، وقفت قدامهم وعربيتي قفلت عليهم الطريق. شاهيناز أول ما شافتني شهقت برعب، أما فريدة فصوتت: “أنت إيه اللي جابك هنا؟! ابعد عننا!”
نزلت من العربية وبكل برود وثقة قلت لهم: “رايحين فين يا هوانم؟ الطيارة هيفوتكم.. أصل المحطة الجاية مش مطار القاهرة، المحطة الجاية هي سجن القناطر.”
فريدة طلعت تليفونها وهي بتهدد: “أنا هكلم المحامي يوديك في داهية!”
في اللحظة دي، صوت سارينات البوليس هز الشارع، وظهرت تلات عربيات بوكس وقفلت المكان كله. نزل الضابط ومعاه القوة، وقرب من فريدة وأمي وكلبش إيديهم ورا ضهرهم.
شاهيناز هانم بدأت تصرخ بهستيريا وهي بتبص لي: “أنت بتقل بأمك يا سليم؟ بترميني للبوليس عشان حتة بت لا راحت ولا جت؟ دي أخرة تربيتي ليك؟”
بصيت في عينها بكل قسوة وقلت لها: “البت دي تبقى مراتي، وأم ابني اللي كنتوا عايزين تموتوه. أنتِ اللي اخترتِ الفلوس والشر يا شاهيناز هانم، والتربية اللي بتتكلمي عنها بريئة من قسوتك. من النهاردة، أنا ماليش أم.. القانـون هو اللي هيحاسبكم.”
أخدوهم على البوكس وفريدة بتعيط وتترجى وأمي بتبص لي بنظرات غل عمري ما هنساها.
رجعت المستشفى والنهار بيشقشق، دخلت أوضة نور، لقيتها صاحية ووشها بدأ يرد فيه الروح. قعدت جنبها وبست إيدها المحروقة وقلت لها: “خلاص يا نور.. الكابوس انتهى.. هما دلوقتي ورا القضبان، والنيابة أمرت بحبسهم 4 أيام على ذمة التحقيق.”
نور دمعت، بس المرة دي دموع راحة، وحطت إيديها على بطنها وقالت لي: “عارف يا سليم.. النونو لسه مخبوط في بطني دلوقتي.. شكله فرحان ومطمن إن أبوه جاب له حقه.”
ابتسمت وضميتها لصدري، وأنا حاطط إيدي على بطنها، وعاهدت نفسي إن الفيلا دي مش هندخلها تاني، وهنبدأ حياة جديدة ونظيفة في مكان تاني، بعيد عن غل النفوس اللي مابتشبعش.
جحيم التجمع

حكايات

شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *