اختبار الخادمه صافى هانى الثانى والاخير

مريم حست إن قلبها هيقف من الخوف، ورجليها ما بقتش شايلاها من قسوة مسكته ونبرة صوته اللي تخد الوجدان. دموعها نزلت غصب عنها، وبقت تبص لإيده اللي ماسكة دراعها وهي بتترعش كأنها عصفورة وقعت في مصيدة.

​قالت بصوت متقطع ومخنوق بالدموع: “والله العظيم ما ورايا حاجة يا بيه! أنا.. أنا بس شفت صورة الهانم والبنت الصغيرة، قلبي وجعني.. فكرتوني بأمي وأختي الله يرحمهم.. ولما لقيت التكييف تلج وأنت نايم، قلت حرام أغشّ في شغلي وأسيبك بردان.. أنا ممرضة ومتربية على إن الرحمة قبل أي حاجة.. سيب دراعي أرجوك، أنا هلم حاجتي وأمشي فوراً ومش هتشوف وشي تاني!”

​عاصم فضلت عينيه مثبتة على دموعها وعلى ملامحها اللي ما فيهاش أي خبث أو لؤم.. الكلام نزل عليه زي المية الساقعة، وفجأة حس بنغزة في قلبه خلت صوابعه ترتخي بالتدريج لحد ما ساب دراعها. رجع خطوة لورا وهو حاسس بحالة لغبطة ما عاشهاش من تلات سنين.. الكبرياء والشك اللي جواه بيقنعوه إنها بتمثل، بس الوجع اللي في عينيها كان حقيقي وصادق لدرجة تلمس الحجر.

​مريم ما كدبتش خبر؛ لفت وشها بسرعة وجريت ناحية الباب وهي بتعيط، وفتحت الباب وخرجت تجري في الطرقة الطويلة عشان تلم حاجتها وتمشي من المكان ده اللي عامل زي السجن.

​وهي بتجري والدموع مغمية عينيها، خبطت بقوة في تربيزة صغيرة محطوطة في نص الطرقة.. ومن قوة الخبطة، المفاتيح اللي كانت فوق التربيزة وقعت على الأرض، ومعاها نوتة صغيرة.. مريم وطت بسرعة وبمنتهى اللغبطة وهي بتترعش عشان تلم الحاجه، بس عينيها برقت من الصدمة لما لقت إن المفاتيح دي وقعت بالظبط قدام الباب المقفول.. والباب من قصر ديل الخبطة اتهز.. وفتح موارب سنة صغيرة!

​مريم اتسمرت في مكانها والفضول والرعب شلو حركتها.. الأوضة اللي الست ناهد حذرتها منها وقالت لها إنها مقفولة من تلات سنين، بابها دلوقتي مفتوح قدامها حتة صغيرة.. والأنوار جوه كانت قايدة خفيف..

​ومن وسط فتحة الباب الموارب، مريم لمت حاجة خلت ركبها تسيب تماماً.. شافت ضل طويل لشخص بيتحرك جوه الأوضة المقفولة! وفي نفس الثواني، سمعت صوت خطوات عاصم بيه الشناوي وهي بتقرب من وراها في الطرقة بسرعة وغضب أعمى..

​ساعتها مريم ما بقتش عارفة تصرخ من الصدمة اللي شايفاها جوه الأوضة، ولا من الرعب اللي جاي ورا ضهرها!

 

مريم لقت نفسها بين نارين، الرعب شل حركتها وعينيها مش قادرة تنزل من على الضل اللي بيتحرك جوه الأوضة المقفولة، وفي نفس الوقت صوت خطوات عاصم بيه الشناوي وراها كان زي طبول الحرب بيقرب بسرعة رهيبة..

​في ثانية واحدة، وبدون تفكير، مريم مدت إيدها ودفعت الباب الموارب ودخلت جوه الأوضة عشان تستخبى، وقفلته وراها بالراحة وهي بتنهج ونفسها طالع نازل.. حطت ضهرها على الباب وغمضت عينيها وهي بتترعش، مستنية تسمع صوت عاصم وهو بيزعق بره.

​لكن لما فتحت عينيها وبصت حواليها، الصدمة لجمت لسانها وخليتها تنسى الرعب اللي بره تماماً..

​الأوضة ما كانتش مجرد أوضة قفلها الزمن، الأوضة كانت عبارة عن متحف دافي وجميل جداً.. كل حاجة فيها بتنطق بالحياة؛ لعب أطفال متبعثرة على السجادة الفرو، سرير صغير متغطي بملاية بينك عليها رسومات كرتون، وتسريحة عليها علب مكياج وبرفانات لست، والهدوم متعلقة وكأن أصحابها لسه خارجين حالا.. الأوضة كانت ريحتها بخور وعطر غالي جداً.. مفيش تراب واحد، وكأن فيه حد بيستنبت الحياة هنا كل يوم!

​وفجأة.. الضل اللي شافته اتحرك تاني من ورا الستارة الطويلة..

​مريم حطت إيدها على بوقها عشان ما تصرخش، ورجعت لورا خطوة.. الستارة اتحركت وبان من وراها طفل صغير، ولد عنده حوالي أربع سنين، لابس لبس نضيف جداً ووشه زي الملايكة، بس عينيه كانت مليانة خوف وذهول وهو بيبص لمريم.. الولد حط صباعه على بوقه وقال لها بصوت هامس ومرعوب: “شسسسس.. اسكوتي.. لو بابي عرف إني هنا هيحبسني تاني!”

​مريم ركبها سابت.. ولد؟ عاصم بيه ملوش غير بنت وماتت من تلات سنين! الولد ده يطلع مين؟ ومحبوس هنا إزاي وليه؟!

​وقبل ما مريم تستوعب أو تنطق بكلمة واحدة.. مقبض الباب اللي ورا ضهرها بدأ يتفزع ويتحرك بعنف، وصوت عاصم بيه الشناوي بره كان قالب الفيلا وهو بيصرخ بجنون وهستيرية: “افتحي الباب ده!!! افتحيه فورااااً.. لو لمستي حاجة جوه هقتلك!!!”

​الولد الصغير جري بسرعة واستخبى تحت السرير وهو بيعيط وكاتم صوته، ومريم لفت وشها للباب وهي حاسة إنها دخلت لغز ومصيبة أكبر من عمرها كله، والباب خلاص بيتكسر فوق دماغها!مريم حست إن روحها بتنسحب منها.. مقبض الباب ورا ضهرها كان بيتهز بعنف جنوني، وصوت عاصم الشناوي بره مابقاش صوت بني آدم طبيعي، ده كان صوت وحش جريح مستعد يهد البيت كله فوق دماغها.

​الولد الصغير مستخبي تحت السرير وبيرتعش، وعاصم بره بيخبط بجنون: “افتحي الباب بقولك!!! أنتي خطيتِ الخط الأحمر.. افتحييييه!”

​مريم، وبدافع الخوف الأعمى، مدت إيدها وهي بتترعش وقفلت المزلاج الداخلي للباب.. الصوت عمل “تكة” عالية بره. الطرقة سكتت ثانية واحدة.. ثانية واحدة من الهدوء المرعب اللي بيسبق العاصفة، وبعدها سمعت صوت عاصم وهو بيرجع لورا خطوتين ويحدف جثته بكل قوته على الباب الخشب عشان يكسره!

​”بوم!”.. الباب اتهز والخشب بدأ يتشقق.

​مريم جريت لورا ودموعها مغرقة وشها، وبصت للولد اللي تحت السرير وقالت بصوت ميت من الرعب: “أنا هروح في داهية.. أنا هروح في داهية!”

​”بوم!”.. الضربة التانية خلت القفل الحديدي يتخلع من مكانه، والباب اتفتح على آخره واندفع عاصم جوه الأوضة زي الإعصار.

​ملامحه كانت مرعبة؛ عينه حمرا دم، وعروق وش ورقبتها بارزة، ونفسه عالي جداً. أول ما دخل، عينه ما جاتش على مريم.. عينه راحت فوراً على السرير وعلى الأرض، وكأنه بيتأكد إن في حاجة معينة ما اتلمستش.

​مريم كانت واقفة في الركن، ضامة إيديها لبعضها وبتترعش زي الورقة: “والله العظيم الباب كان موارب والمفاتيح وقعت.. أنا ما سرقتش حاجة.. أنا…”

​عاصم قرب منها بخطوات بطيئة قتالة، وعينيه مثبتة فيها بنظرة مرعبة، وقال بنبرة صوت واطية ومرعشة من كتر الغضب: “أنتي دخلتِ هنا.. شفتِ إيه؟”

​مريم بلعت ريقها بالعافية، وكان جواها صراع هيموتها.. لو قالت له إن فيه ولد مستخبي تحت السرير، ممكن الولد ده يتبهدل، ولو سكتت، عاصم ممكن يقتلها في مكانها. وبالمصادفة، عينيها جت على طرف بيجامة ميكي ماوس صغيرة خارجة من تحت مفرش السرير.. عاصم لاحظ نظرة عينيها، ولف وشه ببطء ناحية السرير!

​في اللحظة دي، عاصم الشناوي اتجمد.. وعينيه برقت بصدمة وذهول، والملياردير القوي المفتري تراجع خطوتين لورا وهو حاطط إيده على قلبه، ووشه بقى أبيض زي الأموات..

​مريم لفت وشها هي كمان تبص على السرير، وحست إن عقليتها هتطير من المفاجأة.. الولد الصغير ما كانش تحت السرير! الولد كان خرج، وواقف فوق السرير بكل شجاعة، وباصص لعاصم وعينيه مليانة دموع..

​عاصم نطق بصوت مبحوح ومقطوع تماماً، وكأنه شاف شبح: “عمر؟! مش ممكن.. أنت.. أنت جيت هنا إزاي؟! وأنت لسه عايش؟!”

​وفي نفس الثواني، وقبل ما مريم أو عاصم يستوعبوا أي حاجة، ظهرت الست ناهد مديرة المنزل عند باب الأوضة، وشها كان خاطف لونه، وفي إيدها جهاز لاسلكي صغير، وقالت بصوت مرعوب وهي بتبص لعاصم: “عاصم بيه.. إلحقنا.. الأمن تحت بيقولوا إن الفيلا محاصرة، والشرطة بره ومعاهم إذن تفتيش بتهمة خطف!”عاصم الشناوي حس إن الأرض بتلف بيه، الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة.. “خطف؟!”

​بص للولد اللي واقف فوق السرير، وبعدين بص للست ناهد اللي واقفة على الباب بتموت من الرعب، وأخيراً عينه جت في عين مريم اللي كانت واقفة في النص ومش فاهمة أي حاجة، بس حاسة إنها رجليها غرزت في مصيبة أكبر من خيالها.

​الولد الصغير، “عمر”، أول ما سمع كلمة الشرطة والأمن، صرخ صرخة هزت الأوضة، وجري بسرعة مش ناحية عاصم بيه.. لأ، ده جري وارتمى في حضن مريم واستخبى ورا ضهرها وهو بيعيط ويمسك في عبايتها الكحلي بكل قوته وكأنها طوق النجاة الوحيد ليه في الدنيا.

​مريم لقت نفسها بتضم الولد تلقائياً بحسها الإنساني، وبصت لعاصم الشناوي بنظرة كلها ذهول وعتاب وخوف، وقالت بصوت بيترعش: “أنت.. أنت خطف بني آدم؟! الولد ده ابن مين؟!”

​عاصم ما نطقش.. ملامحه اللي كانت مرعبة من شوية، اتحولت لملامح راجل عاجز، مكسور، ومصدوم من اللحظة اللي كان يهرب منها بقاله سنين وطالتُه أخيراً.

​وفي ثواني، بدأت أصوات السارينات بتاعة عربيات الشرطة تدوي بره في الجنينة، والكلاب الحراسة بدأت تهوهو بعنف، وصوت خطوات عساكر وضباط وهي بتقتحم الدور الأرضي وبتطلع السلم بسرعة جنونية..

​الست ناهد رجعت لورا وهي بتقول بنبرة أخيرة ضايعة: “خلاص يا بيه.. وصلوا!”

​عاصم الشناوي أخد نفس طويل، وبص لمريم والولد اللي في حضنها، وابتسم ابتسامة باهتة مليانة وجع، وقال بصوت واطي ومبحوح: “ما حدش هيفهم حاجة.. السر هيموت معايا.”

​وفجأة، الباب اتفتح على آخره ودخل ضابط الشرطة ومعه القوة، وهو رافع سلا..حه وبيقول بصوت جهوري هز المكان: “عاصم بيه الشناوي.. أنت مقبوض عليك بتهمة إخفاء وقتل…”

​وانتهت الحكاية.. وكل الأسرار اتقفلت عليها الأبواب!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *