اتهمت فى قتل زوجى صافى هانى الثانىي والخير

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، رجلي اتسمرت في مكانها والشنطة وقعت من إيدي على الرصيف، والخط قطع. فضلت باصة للشاشة وأنا بحاول أستوعب النبرة، دي مش نبرة تسجيل قديم، ده نفس النفس المكتوم المخنوق اللي عشت معاه وعرفته طحن سنين عمري، بس الصوت جاي من تليفون حديث ورقمه مش متسجل.

​لفيت ورجعت جري على البيت والبوليس لسه بيخرج مصطفى وهو مكلبش ومنهار، والمحققة نور كانت وراه، أول ما شافتني بانهج ووشي أبيض زي الأموات وقفت وقالت لي: “في إيه يا حاجة كريمة؟ تعبتي؟” ماردتش عليها، رفعت التليفون في وشها ويدوب لسه هقولها على المكالمة، لقيت رسالة نصية وصلت من نفس الرقم الغريب مكتوب فيها: “لو لَمحتي للشرطة بحرف واحد، مصطفى مش هيوصل للبوكس حي.. شاكر مش هو البعبع يا كريمة، أنا اللي صنعت شاكر.”

​بصيت لمصطفى وهو بيتركب في عربية الترحيلات وعينيه مكسورة، وفجأة لمحت عربية سودة جيب مفيّمة واقفة على أول الشارع، مأخدتش بالي منها وأنا خارجة، والزجاج بتاعها نزل حتة صغيرة وظهرت منه فوهة مسد..س كاتم للصوت متوجهة ناحية العسكري اللي سايق العربية.

​المحققة نور لاحظت نظراتي المرعوبة ولفت تبص وراها، وفي اللحظة دي بالظبط، النور بتاع الشارع كله قطع وفجأة انطلق صوت ضرب نار، بس مش من المسد..س الكاتم، ده ضرب نار عشوائي قلب المنطقة كلها قلب، وعربية الترحيلات اتدورت بسرعة غريبة وطلعت بأقصى سرعة بس مش في طريق القسم.. دي مشيت في عكس الاتجاه، ومصطفى جواها بيصرخ!

المنطقة كلها اتقلبت في ثواني، صريخ الناس ضرب في وداني والمحققة نور طلعت مسد..سها وجريت ورا عربية الترحيلات وهي بتكلم العمليات في اللاسلكي بصوت جهوري وبتطلب دعم فوري، وأنا لقيت نفسي من غير وعي بجري وراها والشنطة في إيدي لحد ما رجلي خبطت في الأرض ووقعت، بس عيني مانزلتش من على العربية السودة الجيب اللي طلعت تفحط ورا عربية الترحيلات المخطفوفة.

​تليفوني رن تاني في إيدي، فتحت الخط وأنا بنهج والتراب مالي وشي، وجالي صوته المرعب وهو بيقول بضحكة هادية مفيهاش أي خنقة: “شايفة يا كريمة؟ تلاتين سنة وأنتِ فاكرة نفسك أذكى من الكل، وفاكرة إنك ممشية اللعبة بمزاجك ومخبية التليفون في خزن البنوك.. الحريقة بتاعة جمصة أنا اللي رتبتها عشان أختفي، وشاكر كان مجرد عروسة ماريونيت حركتها وولعت فيها وفي الشاليه عشان الكل يفتكر إن الجث..ة اللي جوه جثتي أنا.. أنا اللي سبت التليفون القديم في المينا عشان تلاقيه وتعيشي في الوهم ده وتأمني لمصطفى، كنت مستنيه يوجعك ويبيعك عشان لما أظهر أكسركم أنتوا الاتنين مع بعض.”

​دموعي نزلت حامية ومسكت التليفون بكل غل وقلت له: “أنت إيه؟ شيطان؟ ده ابنك! مصطفى ابنك اللي عاش تلاتين سنة بيموت في اليوم مية مرة بسبب الذنب!”، رد عليا ببرود هز كياني: “ابني هو اللي يحمي ضهري، مش اللي يروح يسلم أمه للبوليس عشان قرشين.. مصطفى طلع خايب زيك يا كريمة، وعشان كده اللعبة هتنتهي الليلة، التركة كلها هتتحول للحساب اللي هبعتهولك في رسالة حالا، وتتنازلي عن كل الأملاك، وإلا مصطفى هيدفن صاحي في نفس المكان اللي افتكر إني اتدفنت فيه.”

​الخط قطع، ورسالة الإحداثيات وصلت على تليفوني.. ومكنتش في جمصة، دي كانت في المقبرة القديمة بتاعة العيلة في أطراف قاهرة المعز، المكان اللي أنا رحت زرت قبره الفاضي فيه مية مرة.

​قمت على رجلي ونفضت التراب، ولمحت المحققة نور راجعة تجري عليا بعد ما العربية اختفت من قدامها، ووشها كله غضب وعجز، وقبل ما تنطق بكلمة، مسحت دموعي وبصيت لها بثبات غريب، وخبّيت التليفون في جيب جلبابي وقلت لها: “العربية طلعت على الطريق الدائري يا سيادة المحققة.. أنا عارفاهم وعارفة هما رايحين فين.. بس لازم نروح لوحدنا.”

 

المحققة نور بصت لي بشك وذكاء، وهزت رأسها برفض قاطع وقالت: “لوحدنا إزاي يا حاجة؟ ده خطف وضرب نار في قلب القاهرة، أنا كلمت القوات والمنطقة كلها هتتقفل!”، مسكتها من دراعها وضغطت بكل قوتي اللي باقية وقلت لها بصوت واطي ومرعش: “لو عربية شرطة واحدة ظهرت في المكان اللي هقولك عليه، ابني هيموت قبل ما ينزلوا من العربيات.. الراجل ده مش شاكر، الراجل ده يبقى جوزي.. إسماعيل السيوفي.. اللي المفروض ميت من تلاتين سنة! هو اللي مخطط لكل ده وسامعنا دلوقتي.”

​نور بربشت بعينيها والصدمة لجمتها لثواني، بس احترافيتها خلتها تاخد قرار في لمح البصر، شاورت لأمين الشرطة يفضل مكانه ويسيطر على المحيط، وسحبتني من إيدي وركبنا عربيتها الملاكي الشخصية وقالت لي وهي بتدور الموتور بأقصى سرعة: “اتكلمي يا كريمة.. وقولي لي الطريق فين بالظبط.”

​طول الطريق والمقبرة القديمة بتقرب، وأنا حاطة إيدي على بطني وبفتكر كل لحظة ظلم عشتها، وصلنا للبوابة الحديدية القديمة للمقابر، المكان ضلمة كحل ومفيش فيه صريخ ابن يومين، ونور طفت أنوار العربية ونزلنا بحذر وهي مأمنة سلا..حها.

​مشينا بين المدافن لحد ما وصلنا لمقبرة العيلة، الباب الحديد كان موارب وفيه نور كشاف خافت طالع من السلم اللي نازل لتحت الأرض، وفجأة سمعنا صوت مصطفى وهو بيصرخ صرخة مكتومة مكتومة، ونور أشارت لي أفضل وراها ولمحت بجسمها ورا الحيطة.

​بصينا جوه.. ومصطفى كان مربوط في كرسي خشب قديم، ووشه كله دم وجنب منه تابوت قديم مفتوح، وواقف قدامه راجل عجوز، ضهره محني، شعره أبيض زي التلج، بس عينيه ونبرة صوته هما هما.. إسماعيل.

​إسماعيل كان ماسك المسد..س وبيلعب بيه في وش مصطفى ويقوله: “كنت فاكر نفسك ذكي يا مصطفى؟ فاكر لما تلبّس أمك القض..ية هتاخد الورث لوحدك؟ أنت طلعت غبي.. الغباء ورثته من أمك، أما القسوة والندالة فدول بتوعي أنا!”، ومصطفى كان بيبص له برعب مش قادر يستوعب إن الميت رجع، وبيقوله: “أنت عايش؟ أنت سبتني السنين دي كلها أموت بالذنب؟”

​في اللحظة دي، نور أخدت وضع الاستعداد ولسه هتقدم خطوة عشان تقتحم، لقيت تليفوني في جيب الجلباب اتهز.. ورسالة جديدة وصلت، فتحتها وعيني جت على الشاشة، وكان مكتوب فيها جملة واحدة خلت الدم يتجمد في عروقي: “بصي وراكي يا كريمة.”

بسرعة رهيبة لفيت راسي، وقبل ما نور تاخد بالها، لمحنا ضل طويل بيتحرك ورا الشجر الضلمة اللي بين المقابر، وفجأة طلع من وسط المدافن تلات رجالة مسلحين وقفلوا علينا الممر تماماً، الأسلحة كانت متوجهة لصدورنا، ونور مالحقتش حتى تلف بمسد..سها، واحد منهم هجم عليها وبحركة سريعة ومحترفة ثبتها من رقبتها وسحب السلا..ح من إيدها.

​الراجل العجوز، إسماعيل، سمع الحركة برا، فطلع على سلم المقبرة براحة وهو ساند على عصا أبنوس في إيده التانية، وبصلي ونظرة عينه كانت مليانة شماتة وغل تلاتين سنة، وقال وهو بيضحك بصوت رفيع وعجوز: “منورة مدافن العيلة يا كريمة.. جيتي برجليكي وجبتي معاكي الحكومة عشان تشهد على دفنتك.”

​المحققة نور زعقت بقوة رغم السلا..ح اللي على رقبتها: “أنت مجنون! القوات عارفة مكاني والمنطقة محاصرة!”، إسماعيل ضحك وطلع جهاز لاسلكي صغير من جيبه وشغله، وسمعنا منه صوت تشويش وبعدين صوت أمين الشرطة اللي سبناه في البيت وهو بيقول بنبرة مرعوبة: “يا فندم العربية اتقلبت على الدائري وولعت وفيها جثتين!”

​إسماعيل قفل الجهاز وبص لنور وقال: “أنا مأمن طريقي يا سيادة المحققة.. البلاغ اللي رحتي وراه كان فخ، والكل دلوقتي فاكر إنك أنتِ وكريمة ومصطفى اتصفيتوا في العربية دي.. يعني أنتوا هنا مالكوش وجود.”

​سحبونا كلنا ونزلونا السلم الضلمة تحت الأرض، ورموا نور على الأرض جمب الكرسي المربوط فيه مصطفى، مصطفى أول ما شافني صرخ بدموع: “أمي! سامحيني يا أمي.. أنا السبب.. أنا اللي طمعت وعميت!”

​إسماعيل قعد على صندوق خشب قديم، وطلع من جيبه ورق التنازل الرسمي وقلم، ورماهم تحت رجلي وقال ببرود مرعب: “امضي يا كريمة.. امضي على بيع كل شبر، العمارات، الفلوس، الأراضي.. امضي عشان أدفن الكابوس ده وأخرج برا البلد دي للأبد.”

​بصيت للورق، وبعدين بصيت لابني اللي وشه غرقان دم، وللمحققة نور اللي كانت بتبصلي بعينين مركزة وبتحاول تفك الكلبش البلاستيك اللي في إيدها ورا ضهرها من غير ما حد يشوفها، ومطت في الكلام عشان أكسبها وقت، وقلت له: “ولو مضيت يا إسماعيل؟ هتسيب مصطفى يعيش؟”

​إسماعيل عينيه لمعت بشر وقال: “مصطفى هيفضل معايا.. هعلمه إزاي يكون إسماعيل السيوفي الجديد، بس بروح أشرس.. امضي وخلصينا.”

​مسكت القلم وإيدي بترعش، وقربت من الورق وأنا عيني في عين مصطفى، ولمحت نور خلاص فكت إيدها وبتسحب سكين صغير مخبياه في شرابها، وقبل ما أحط القلم على الورق، صرخت بأعلى صوتي: “يا رب!” وعميت عين إسماعيل بالتراب اللي كان مالي الأرض، وفي نفس اللحظة نور هجمت زي النمر على الحارس اللي واقف جمبها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *